الدرس في التعليق على الجواب الكافي 175، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش آراء العلماء حول العشق والعشق العفيف ويستشهد بقصص وآثار نسبت إلى الصحابة والتابعين. يشكك في صحة هذه الآثار ويعتبرها منقطعة أو موضوعة.
ينتقد قصة منسوبة إلى عمر بن عبد العزيز ويتهمها بالكذب، كما ينتقد مذهب الظاهرية في جواز العشق. يستشهد بمثال أبي بكر محمد بن داود الظاهري.
يروي قصة ابن سريج الذي كان مشهورًا بعشقه وتأثير ذلك على حياته وتأليفه. يتناول بعض الأشعار التي قالها ابن سريج في العشق وتحريم مثل هذه الأمور.
يرد على الظاهرية الذين لا يحرمون الوسائل ويقولون بحلها، ويعتبر هذا القول باطلاً. يشير إلى استكمال النقاش في درس لاحق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكر الإمام ابن قيم رحمه الله ما ذكر عن بعض العلماء أنهم أثنوا على العشق وما قيل فيه، وذكر أشياء. ثم بقى أيضًا قال: وذكر الخرائطي عن أبي غسان قال: مر أبو بكر رضي الله عنه بجارية يتغزل وهويته من قبل قطع تمائم، متمايلًا مثل القتيل الناعم، فسألها: أحرة أنت يا مملوكة؟ قالت: بل مملوكة. قال: تهوين؟ فتلكعت، فأقسم عليها. قال: وأنا التي لعب الهوى بفؤادها، قتلت بحب محمد بن القاسم. فاشتراها من مولاها وباعها إلى محمد بن قاسم بن جعفر بن أبي طالب. فقال: هؤلاء والله فتن الرجال، وكم والله مات بهن كريم وعطب بهن سليم. وهذا خبر منقطع، وأيضًا بعيد أن يكون عن الصديق رضي الله عنه. وأبو غسان هو مالك بن إسماعيل النهدي، وهو من مشايخ مشايخ البخاري، فهو لم يدرك أبا بكر، ولم يدرك حتى زمن التابعين. الظاهر أنه لم يرو عن أحد من التابعين إلا صغار التابعين، فلهذا فهو خبر منقطع. وأيضًا ينزه عنه الصديق. فإن كان الخرائطي أتى بهذا إلى أبي غسان بإسناد صحيح، فقد يكون أن أبا غسان أخذه من غيره من هؤلاء؛ لأن انتشر مثل هذه الأشياء، وغالبًا أكثرها منقطعات لا يعرف من الذي يذكر هذه الأشياء عن الصحابة. وقد ذكر أبو الفرج صاحب كتاب الأغاني أشياء كثيرة من هذا القبيل، وكلها بأسانيد واهية. وأبو الفرج رجل شيعي رافضي، فأتوا بمثل هذه الأشياء وينسبها إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقولها: "هويته من قبل قطع تمائمي" معنى المراد أنها وهي صغيرة. قال: وجاءت جارية إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه تستعدي على رجل من الأنصار، فقال له عثمان: ما قصتك؟ قالت: كلفت يا أمير المؤمنين بابن أخيه، فما أنفك أو راعيه. فقال له عثمان: أما أنتهبها إلى ابن أخيك أو أعطيك ثمنها من مالك؟ قال: أشهدك يا أمير المؤمنين أنها له. وهذه أيضًا الآثار غالبها غير صحيح عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم. وإن حصل، فهو أرادوا قطع الفتنة. أرادوا قطع الفتنة، فلهذا فهم ما أرادوا الحرام، وإنما أرادوا الحلال. فقال له: إما أن تعطيها أتهابها إلى ابن أخيك أو أعطيك ثمنها من مالك؟ قال: هي له، أنا أعطاها إياه هدية. أي لأنها مملوكة، وهذا ممكن أن يكون. قال: ونحن لا ننكر فساد العشق الذي متعلقه فعل الفاحشة بالمعشوق. وإنما الكلام في العشق العفيف. أنا أيضًا هذا معنى ليس كلام القيم، وإنما ينقل كلام غيره، كلامًا يجيز العشق من الظاهرية وغيرهم. فقالوا: نحن لا ننكر فساد العشق الذي متعلقه فعل الفاحشة بالمعشوق، وإنما الكلام في العشق العفيف من الرجل الضريف الذي يأبى له إيمانه ودينه وعفته ومرؤته أن يفسد ما بينه وبين الله وما بينه وبين معشوقه بالحرام. أنا هؤلاء يظنون أن هذا العشق وإن كان في أصله مباح، لكن إذا أدى إلى الحرام فهو يعتبر محرم. لكن يقولون: نحن معنى نقول أنه إذا أدى إلى الحرام فهو عشق باطل. وهذا أمر فيه مسبة، وفيه أيضًا شيء مما يحكى على الباطل؛ لأن هذا وسيلة للباطل، فكيف يكون الوسيلة جائزة وهي وسيلة إلى باطل وإلى حرام؟ فلهذا لما كان الظاهرية يرون أن هذا الأمر جائز، وهو العشق عشق النساء، بل يجوزون حتى عشق المردان. وهذا من باطلهم، كما سيأتي إن شاء الله وتعالى أن الله عز وجل ابتلاهم بهذا القول الباطل. وهذا عشق السلف الكرام، ولا إما الأعلام، فهذا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أحد الفقهاء السبعة، عشق حتى اشتهر أمره، ولم ينكر عليه، وعد ظالمًا من لامه. وهذه الآثار أكثرها غير صحيحة. وكما قلنا: وأما قولهم أنه اشتهر، فهذا فقط من باب الترويج. أنا مثل من يروج بضاعته، وإلا فهذه أكثرها منقطعات، وكل واحد يأخذه عن الآخر، ثم يقولون أنه اشتهر. قالوا: من شعري: "كتمت الهوى حتى ضر بك الكتم ولامك أقوام ولومهم ظلم، فنم عليك الكاشحون وقبلهم عليك الهوى قد نم، لو ينفع الكتم فأصبحت كالهندي إذ مات حسرة على إذر هند، أو كمن شفه سقم، أتحسب إتيان الحبيب تأثم، إلا أن هجران الحبيب هو الإثم، فذق هجرها قد كنت تزعم أنه رشاد، ألا يا ربما كذب الزعم". وهذا إن صح كما قلنا قد يكون في شبابه، وإلا فعبيد الله بن عبد الله هو البحر الذي لا ساحل له، كما قال الزهري. أنا في العلم قال: كنت آتي عبيد الله بن عبد الله، وما أتيه إلا ويحدثني بحديث لم يحدثني به بعد قبله أو لم يحدثني به من قبل. وهذا لسعة علمه، رحمه الله عليه. وقد كان له فضل عظيم وزهد وورع، وبعيد أن يفعل مثلها أو يقول مثل هذا القول. لكن قد يكون إن كان قد صح فلعله في وقت الشباب. وإلا كما قلنا هذه الآثار غالبها منقطعات. وقد ذكر الخرائطي عدة آثار في كتابه "الهوى"، وذكرها أيضًا ابن الجوزي في "ذم الهوى"، وأكثرها كما قلنا منقطعات لا تصح. قال: وهذا عمر بن عبد العزيز، وعشقه مشهور لجارية لامرأته فاطمة بنت عبد الملك بن مروان، وقصته مشهورة. وهذه أيضًا قصة غير صحيحة. فذكرها أبو نعيم في "الحلية"، وفيها إبراهيم بن هشام، رجل كذاب، حتى قال الإمام أبو زرعة: أنه لا يجد أن يحدث عنه؛ أن الرجل كذاب ويحكي مثل هذه القصص عن السلف. فعمر بن عبد العزيز لم يحصل منه هذا أبدًا. قال: وكانت جارية بارعة الجمال، وكان محجبًا بها، وكان يطلبها من امرأته ويحرص على أن تهبها له فتعبت. وهذا أيضًا من الكذب. أن كانت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان امرأة فقيهة، امرأة صالحة، اختارت عمر بن عبد العزيز على ما كانت فيه من النعيم وكذلك الجاه؛ فهي بنت عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين، وتزوجت عمر بن عبد العزيز الزاهد. وإن كان هو من بني أمية ومن الأمراء، وتأمر في عهده سليمان بن عبد الملك في المدينة، ثم خلفه - أي عهد إليه سليمان بن عبد الملك عهد إلى ابن أخيه عمر بن عبد العزيز - ولم يعهد إلى أبنائه. فمسك الخلافة عمر بن عبد العزيز سنتين. فإن كان هذا الكلام وفاطمة لما مسك الخلافة قد صح ذلك عن عمر، خيرها عمر بن عبد العزيز، وكانت معها ذهبًا كثيرًا ورثته من أبيها أو أعطاها إياه. فقال لها عمر بن عبد العزيز: اختاري إما أن تختاري الذهب وأطلقك - معنى تذهبين - وإما أن تختاريني فضعي ذهبك في صندوق بيت مال المسلمين. فقالت: بل أختارك. وهذا يدل على أنها زهدت في الدنيا وزهدت في هذا. معنى النساء صعب أن تتخلى عن الذهب، لكن قالت: سأضعه وأختارك. فما دام أنها لم تطاوعه في مسألة الذهب، فما ستطاوعه في مسألة امرأة مملوكة تعطيه إياه. قال: ولم تزل الجارية في نفس عمر، فلما استخلف أمرت فاطمة بالجارية فأصلحت، وكان مثلًا في حسنها وجمالها، ثم دخلت على عمر وقالت: يا أمير المؤمنين، إنك كنت معجبًا بجاريتي فلانة، فسألتني أن أهبها لك فأبيت، أو فأبيت عليك، والآن فقد طابت نفسي لك بها. قال: فلما قالت له ذلك استبان الفرح في وجهه، وقال: عجلي علي. فلما دخلت بها عليه ازداد بها عجبًا، وقال لها: ألقي ثيابك. ففعلت. ثم قال لها: على رسلك، أخبريني لمن كنت ومن أين صرت لفاطمة. فقالت: أغرم الحجاج عاملًا له بالكوفة مالًا، وكنت في رقيق ذلك العامل، فأخذني وبعت بي إلى عبد الملك. أنا كان عنده مال، ومن ضمن هذا المال هذه المرأة، فأخذ الحجاج وبعت بها إلى عبد الملك المروان. قال: فوهبني لفاطمة. قال: ما فعل ذلك العامل؟ قالت: هلك. قال: وهل ترك ولدًا؟ قالت: نعم. قال: فما حالهم؟ قالت: سيئة. فقال: شدي عليك ثيابك، واذهبي إلى مكانك. ثم كتب إلى عامل على العراق أن ابعث لي فلان ابن فلان على البريد. فلما قدم، قال له: ارفع إلي جميع ما أغرمه الحجاج لأبيك، فلم يرفع إلي شيئًا إلا دفعه إليه. ثم أمر بالجارية فدفعت إليه، ثم قال له: إياك وإياها؛ فلعل بك قد وقع بها. فقال الغلام: هي لك يا أمير المؤمنين. قال: لا حاجة لي بها. قال: فابتعها مني. قال: لست إذن ممن نهى عن النفس عن الهوى. فلما عزم الفتى على الانصراف، قالت أي هذه الجارية: أين وجدك بي يا أمير المؤمنين؟ قال: على حاله، ولقد زاد بي. ولم تزل الجارية في نفس عمر حتى مات. وهذا كما قلنا لا يصح، هو حكاية كاذبة، كذبة أو حكاها هذا إبراهيم بن هشام الغساني عن أبيه عن جده، وهو إسناد غير صحيح. وأيضًا كما قلنا اتهمه العلماء بالكذب. وهؤلاء القصاص أن يعملون في مثل هذه القصص أن يأخذون أموال من الناس ويذكرون مثل هذه القصص، فلهذا كثرت الأحاديث الموضوعة بسبب أخذ هذه الأموال. والقصص أيضًا الناس كانوا يحبون القصص، فيأتي هذا القاص ويذكر لهم قصة ويعطونه مالًا، فلهذا يؤلفون مثل هذه القصص. كانوا أهل بلاغة. قال: وكذلك أيضًا لأجل أن تروج بضاعتهم، أن تروج بضاعتهم إما في العشق أو في الغناء أو في غيره. قال: وهذا أبو بكر محمد بن داود الظاهري العالم المشهور. أنا اسمه يشبه اسم أبي بكر بن أبي داود. أنا وكلاهما يكنى بأبي بكر. أبو بكر بن أبي داود صاحب السنن، صاحب الحقيقة، تمسك بحبل الله. ذاك أبو بكر بن أبي داود، وهذا أبو بكر بن داود، داود بن علي الأصاءني، الإمام أهل الظاهر. وهذا ابنه على مذهبه، على مذهب الظاهري. وهذا اسمه محمد، وذاك عبد الله. أبو بكر بن أبي داود اسمه عبد الله بن سليمان بن بشير بن الأشعث. وهذا اسمه محمد، محمد بن داود بن علي الأسبحاني. أنا حتى يفرق بين الرجلين، وكلاهما في وقت واحد، وقتهما واحد، وأنا في نفس الوقت. قال: وهذا أبو بكر محمد بن داود الظاهري العالم مشهور في فنون العلم، من الفقه والحديث والتفسير والأدب. وله في الفقه وهو من أكابر العلماء؛ أنه كان مشهورًا بالأصول. وعشقه مشهور؛ لأن الظاهرية يجوزون مثل هذه الأشياء. وهذا كما قلنا مما ابتلاهم الله عز وجل به أن يجوزوا العشق حتى عشق المردان. وهذا باطل؛ لأن هذا وسيلة إلى الحرام، والوسيلة للحرام تكون حرامًا عند عامة العلماء إلا الظاهرية، فبقوا على هذا الجمود، فأتوا مثل هذه الدواهب. وهذا من معايب هذا المذهب، معايب مذهبهم أنهم جوزوا مثل هذه الأمور التي هي لا شك في أنها وسائل للحرام، ولا يرتاب في هذا أحد. لكن كان هذا الرجل أعطي جدلًا. أنا أعطي جدلًا، فكان يجادل في مثل هذه المسائل. وكان من أكثر الناس ممن كان يجادله ابن سريج الإمام الشافعي. أنا إمام من أئمة شافعية الذي يقال له الشافعي الثالث. أنا شافعي الأول هو الإمام الشافعي محمد بن إدريس، والشافعي الثاني أبو حامد الإسفرائيني، وابن سريج يقال له الشافعي أو العكس، سيد ابن سريج الشافعي الثاني، وأبو حامد الإسفرائيني يقال له الشافعي الثالث. قال رحمه الله: قال: وعشقه مشهور. قال: نفطوي - ونفطوي هذا العالم النحوي - قال: دخلت عليه في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف تجدك؟ فقال: حب من تعلم أورثني ما ترى. فقلت: أما يمنعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه؟ فقال: الاستمتاع على وجهين: أحدهما النظر المباح - انظر النظر مباح - وهذا كلام باطل. كيف يكون نظر مباح إلى أمر؟ والآخر اللذة المحظورة. فأما النظر المباح فهو الذي أورثني ما ترى. وهذا أيضًا يدل على أنه حرام. أنا حتى مرض وأصابه ما أصابه. قال: وأما اللذة المحظورة فيمنعني منها ما حدثني أبي - أي داود بن علي الظاهري - قال: حدثنا سويد بن سعيد، وهو آفة هذا الحديث. وسويد بن سعيد رجل عابد، أصابته غفلة الصالحين، فأخذ حديثًا لم يحفظه جيدًا، فذكره للناس، فأفسد - أي ما أفسد - وهذا من ما أفسده على الناس. هذا الحديث من الحديث الموضوعة التي وهم فيها سويد بن سعيد. حتى قال أبو زكريا يحيى بن معين: لو أن لي رمحًا ولي فرسًا ورمحًا لغزوت سويدًا. أنا عندما حدث بهذا الحديث قال: لو أن لي فرسًا ورمحًا لغزوت سويدًا. لماذا يغزو؟ لأنه كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا شك أنه لم يكذب متعمدًا، وإنما من باب الوهم. لكن الحديث كما قلنا حديث باطل، وحديث موضوع. قال رحمه الله: حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد. وأبو يحيى القتات ضعيف، وأيضًا يرسل عن مجاهد ويدلس. وقد يكون للآفة أيضًا منه أنه دلسه عن أحد الكذابين. قال: عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما - يرفعه - قال: من عشق وكتم وعف وصبر، غفر الله له وأدخله الجنة. من عشق وكتم وعف - يعني لم يأت الحرام - وصبر - أي صبر على هذا العشق - غفر الله له وأدخله الجنة. وقد ذكر الشيخ الألباني هذا الحديث في "السلسلة الضعيفة" المجلد الأول، وبيّن أنه حديث موضوع. أنا برقم أربعمائة وتسعة. قال: ثم أنشد: "انظر إلى السحر يجري من لواحضه، وانظر إلى دعج طرفه الساجي، وانظر إلى شعرات فوق عارضه، كأنهن نمل دب في عاجي". أنا هذا يقال في ولد، وهذا من المنكر العظيم. قال: ثم أنشد: "ما لهم أنكروا سودًا بخده أو بخديه، ولا ينكرون ورد الغصون، أن يكن عيب خده برد الشعر فعيب العيون شعر الجفوني". فقلت له - أي نفطوي يقول - فقلت له: نفيت القياس في الفقه وأثبته في الشعر. أنا في الظاهرية يرفضون القياس، وهنا أثبته. أنا يقول: "ما لهم أنكروا سودًا بخديه، ولا ينكرون ورد الغصون". أنا شبه هذا بهذا، مع أن القياس عندهم باطل. فقال: غلبت الوجد وملكة النفس دعت إليه. ثم مات من ليلته. وبسبب معشوقه صنف كتاب "الزهرة". قالوا: من كلامه فيه من يأس من يهواه، ولم يمت من وقته سلاه. وذلك أن أول روعات النفس تأتي القلب وهو غير مستعد لها، فأما الثانية فإنها تأتي القلب وقد وطأت لها الروعة الأولى. قال: والتقى - معناه يقول - أن المرة الأولى تكون فجأة، لكن المرة الثانية تكون يستعد لها القلب. قال: والتقى هو أبو العباس بن سريج في مجلس أبي الحسن علي بن عيسى الوزير، فتناظر في مسألة من الإملاء. فقال له ابن سريج: كنت بأن تقول: من دامت لحظاته كثرت حسراته، أحذر منك بالكلام على الفقه. فقال: لأن كان ذلك فإني أقول: من دامت لحظاته كثرت حسراته. وهذه عبارة صحيحة. معنا: من دامت لحظاته - أي فيما حرم الله - فلا شك أنها ستكثر حسراته على ذلك. ثم قال: "أوزنه في روض المحاسن المقلتي، وأمنع نفسي أن تنال محرمًا، وأحمل من تقل الهوى ما لو أنه يصب على الصخر الأصمي تهدما". هذا العشق والهوى معنا: لو صب على صخرة لدابت هذه الصخرة. قال: "وينطق طرفي عن مترجم خاطري، فلولا اختلاس وده لتكلم". رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم، فلست أرى ودا صحيحًا مسلمًا. فقال له أبو العباس: بما تفخر علي؟ ولو شئت لقلت: "مطاعم كالشهد في نغماته، قد بدت أمنعه لذيذ سناته، بصبابة وبحسنه وحديثه، وأنزه اللحظات عن وجناته، حتى إذا مصبه لا عموده ولى بخاتم ربه وبراته". أنا الأفضل أن يقال: أنه ينزه اللحظات، ليس أنه يمدح اللحظات. ولهذا ذكره ابن سريج بهذا. فقال أبو بكر: يحفظ عليه الوزير ما قر به، حتى يقيم شاهدين على أنه ولى بخاتم ربه وبراءته. فقال ابن سريج: يلزمني في هذا ما يلزمك في قولي: "ينزه في روض المحاسن مقلتي، وأمنع نفسي أن تنال محرمًا". فضحك الوزير وقال: لقد جمعتما لطفًا وضرفًا. ذكر ذلك أبو بكر الخطيب في تاريخه. والمهم ذكر أيضًا أشياء من هذا القبيل، وكلها تصب في هذا الباب. كما قلنا: أن هذه الأشياء هذه التي ذكرت لا تدل على حل مثل هذه الأمور، بل أنها تزيد في مسألة حرمتها؛ لأنها كلهم متفقون على أنها وسيلة من وسائل الحرام، وسيلة من وسائل الحرام. إلا أن الظاهرية؛ لأنهم لا يحرمون الوسائل، فقالوا بحلها. وإلا كما قلنا هذا قول باطل. فإن شاء الله تعالى نكمل في درس الله شكرًا.