الدرس في كتاب الطهارة 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح الحديث ويبين أن المراد بالحدث هو الحدث الأصغر الذي يوجب الوضوء، وأن نفي القبول يعني نفي الصحة لأن الطهارة شرط للصلاة. النفي في نصوص الشريعة يحمل أولا على نفي الوجود ثم الصحة ثم الكمال.
يتناول تفاصيل الوضوء كما في حديث عثمان بن عفان، ويشرح حكم البسملة، وغسل الكفين، والمضمضة، والاستنشاق، وغسل الوجه واليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين. يُوضح آراء أهل العلم في حكم هذه الأفعال وعدد مراتها.
يشرح المراد بالكعبين وأمر الله بغسل القدم إلى هذا الموضع، وآراء أهل العلم في وجوب غسل القدمين. ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم غسل قدميه ولم يثبت عنه مسحهما.
يورد الحديث النبوي الشريف الذي يدل على فضل الصلاة على النبي وجزاء من يصلي عليه، حيث يغفر له ما تقدم من ذنبه. يشير إلى أهمية الصلاة على النبي في حياة المسلمين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الطهارة: حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق بن همام، وهو الصنعاني صاحب المصنف، قال: حدثنا معمر بن راشد، وهو نزيل اليمن، عن همام بن منبه، أخي وهب بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». هذا الحديث يخبر نبي عليه الصلاة والسلام بأنه لا تقبل صلاة المرء إذا أحدث حتى يتوضأ. المراد بالحدث هنا الحدث الأصغر؛ لأن الحدث الأكبر لا يرتفع إلا بالغسل، ولا يرتفع بالوضوء. فقول: «لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث» يعني حدثا أصغر مما يوجب الوضوء حتى يتوضأ. والحدث وصف يقوم بالإنسان، يمنعه من الصلاة ونحوها من العبادات. وسئل أبو هريرة رضي الله عنه، كما في بعض روايات هذا الحديث: ما الحدث؟ قال: فساء أو ضراط، يعني مما ينتقض به الوضوء. والمراد بذلك أن يقع المرء في ناقض من نواقض الوضوء، سواء فساء أو ضراط أو بول أو غائط أو نوم مستغرق أو نحو ذلك من نواقض الوضوء. فإذا أراد أن يصلي وهو على حدث لم تقبل صلاته. والمراد بنفي القبول هنا نفي الصحة. والنفي إذا أطلق أول ما يحمل على نفي الوجود، ثم على نفي الصحة، ثم على نفي الكمال. إذا وجد نفيا في نصوص الشريعة، أول ما يحمل على نفي الوجود، فإن لم يطابق حمل على نفي الصحة، فإن لم يصح ذلك حمل على نفي الكمال. فمثلا في شهادة التوحيد «لا إله إلا الله»، لا هذه نافية للجنس. «لا إله» هل نفي هنا للوجود أو للصحة أو للكمال؟ نفي للوجود؛ «لا إله» موجود غير الله، «إلا الله» فقط، ما في إله غير الله موجود. إذن ليس النفي للوجود؛ لأن هناك آلهة موجودة، وإن كانت عبادتها باطلة. فالنفي هنا نفي للصحة؛ أي لا إله يستحق أن يعبد وتكون عبادته صحيحة إلا الله. طيب فالنفي هنا نفي لصحة العبودية والألوهية؛ أنه لا تصح إلا لله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا مثلا «لا صلاة بحضرة طعام». إذا حملنا النفي هنا على نفي الوجود، هل يصح؟ الجواب لا يصح؛ لماذا؟ لأن الإنسان قد يصلي مع وجود الطعام. إذا النفي ليس نفيا للوجود. طيب إذا صلى مع وجود الطعام، هل صلاته صحيحة؟ الجواب نعم. إذا ليس النفي هنا نفيا للصحة. إذا يحمل على ماذا؟ على نفي الكمال؛ «لا صلاة بحضرة طعام»، أي لا صلاة كاملة. طيب هنا «لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، هل نفي للوجود؟ الجواب لا؛ قد يصلي المرء بلا وضوء، قد يصلي؛ فالصلاة موجودة. طيب هل النفي للصحة؟ الجواب نعم؛ لماذا؟ لأن الوضوء شرط من شروط الصلاة، لا تصح الصلاة إلا به. إذا النفي هنا نفي للصحة؛ لعدم وجود شرط من شروطها. طيب فعلى هذا نفهم حمل النفي الوارد في نصوص الشريعة على هذا الترتيب. إذا «لا تقبل صلاة أحدكم» هنا نفي القبول يراد به نفي الصحة؛ وذلك أن الطهارة كما علمنا شرط من شروط الصلاة. فإذا صلى الإنسان بلا طهارة، وهو قادر عليها، فصلاته باطلة غير صحيحة. ويدل هذا على اشتراط الطهارة للصلاة. وقد يأتي نفي القبول ويراد به نفي الأجر والثواب لا نفي الصحة؛ كحديث الذي ثبت بالصحيح عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: «من أتى كاهنا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين ليلة». هنا نفي القبول ليس نفيا للصحة؛ الصلاة صحيحة إذا صلى بشروطها وأركانها واجباتها. لكن المراد بقوله: «لم تقبل» أي لم يؤجر عليها ولم يثب؛ لم يؤجر عليها ولم يثب عليها. فهو مأمور أن يصلي ويجب عليه أن يصلي، لكن لا ثواب له في هذه الصلاة بسبب هذا الذنب، وهو ذهابه إلى السحرة والكهان. قال رحمه الله: حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمر بن عبد الله بن عمر بن سرح، وحرملة بن يحيى التوجيبي، قالا: أخبرنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد الليثي أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره، أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دعا بوضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوء هذا، ثم قال: «من توضأ نحو وضوء هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه». هذا الحديث حديث عثمان رضي الله عنه في بيان صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام، وهو من صح الأحاديث الثابتة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم. حديث عثمان رضي الله عنه في الصحيحين، وهكذا أيضا حديث عبد الله بن زيد كذلك في الصحيحين، وحديث علي بن أبي طالب في السنن. فعثمان رضي الله عنه أراد أن يعلم الناس صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام، فعلمهم ذلك بالفعل والتطبيق؛ لأن هذا أدعى إلى الفهم والحفظ. ربما من مجرد القول. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يعلم أصحابه وأمته الصلاة، صلى بهم وأمرهم أن يصلوا كصلاته، قالوا: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وصلى بهم مرة على المنبر، كما ثبت في الصحيح، صلى بهم على المنبر، يركع وهو على المنبر، ويسجد على أصل المنبر. ولما فرغ، قال: «إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي». ولما حج بالناس عليه الصلاة والسلام حجة الوداع، كان يقول: «خذوا عني مناسككم»، خذوا عني، يعني تعلموا مني مناسك الحج. فعلم الناس مناسك الحج بفعله عليه الصلاة والسلام. فالفعل والتطبيق أسلوب من أساليب التعليم، وهو كما سمعنا من الأساليب النافعة. فهكذا فعل عثمان رضي الله عنه؛ أنه توضأ، دعا بما، ثم توضأ لهم نحو وضوء النبي عليه الصلاة والسلام. قال: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دعا بوضوء، يعني بما يتوضأ به. قال: فتوضأ، فغسل كفيه ثلاث مرات. أول ما بدأ بغسل كفيه. وهنا لم يذكر البسملة؛ لم يذكر البسملة في الوضوء. والآن اختلف أهل العلم: هل البسملة شرط أو واجب أو مستحب؟ على خلاف بين أهل العلم. والأقرب والأرجح أنها مستحبة، وليست بواجبة. وهذا قول جمهور أهل العلم. ويدل على الاستحباب هذا الحديث؛ أن عثمان توضأ لهم وضوء النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يذكر البسملة. ولو كانت شرطا أو واجبة لذكرها؛ فدل هذا على عدم وجوبها. وقوله: «فغسل كفيه ثلاث مرات» يعني قبل الوضوء. وغسل الكفين قبل الوضوء مستحب؛ باتفاق أهل العلم، إلا إذا كان المتوضئ قد استيقظ من نوم، فهنا على الصحيح يجب غسلها قبل الوضوء؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده». أما إن كان من غير استيقاظ، فغسلها قبل الوضوء مستحب. والكفين هذه، الكف أصلها قبل الوضوء مستحب، وليس بواجب. قال: «ثم مضمض واستنثر». المضمضة هي إدخال الماء في الفم، ثم إخراجه. والأكمل تحريكه في داخل الفم، وليس بشرط أن يحرك الماء داخل الفم، لكن هذا أكمل؛ أن يضع الماء في فمه، ثم يحرك الماء داخل الفم، ثم يخرجه. والاستنثار هو إخراج الماء من داخل الأنف. إدخال الماء إلى الأنف يسمى استنشاق، وإخراجه يسمى استنثار. وكون ذكر الاستنثار هنا يدل على أنه قد استنشق قبل ذلك؛ لأنه ما يمكن أن يصل الماء إلى الأنف إلا بالاستنشاق. فيستنشق أولا، ثم يستنثر بإخراج الماء من داخل الأنف. قال: «ثم مضمض واستنثر». والمضمضة والاستنشاق اختلف أهل العلم في حكمهما في الوضوء. منهم من قال باستحباب المضمضة والاستنشاق، كالإمام مالك والشافعي. ومنهم من قال بالوجوب، كالإمام أحمد رحمه الله. ومنهم من قال بوجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل، واستحبابهما في الوضوء، كأبي حنيفة. ومنهم من قال بأن المضمضة مستحبة، وأن الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل؛ أن الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل، وأن المضمضة مستحبة. وهذا قول داود الظاهري، وإسحاق بن راهويه، وهو رواية عن الإمام أحمد. وأقرب هذه الأقوال، والله أعلم، أن المضمضة والاستنشاق مستحبتان؛ ويدل على ذلك أن الإنسان لو توضأ فغسل الأعضاء الأربعة التي ورد ذكرها في القرآن، لن نستطيع أن نقول بأن وضوءه غير صحيح. ومع ذلك فيحرص المتوضئ على المضمضة والاستنشاق؛ وما ورد فيها من الأوامر، كحديث لقيط بن صبرة في قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا توضأت فمضمض». وهكذا بقول بالاستنشاق؛ لأن تكون صائما. يحمل هذا على الاستحباب. وهذا قول إمام مالك والشافعي. قال: «ثم غسل وجهه ثلاث مرات»، أي بعد أن تمضمض واستنثر غسل وجهه ثلاث مرات. والوجه حده من منبت شعر الرأس المعتاد إلى أسفل الذقن طولا، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضا؛ فهذا هو حد الوجه. يجب غسل الوجه مرة واحدة كما سيأتي. وأما غسله ثلاثا فعلى جهة الاستحباب. فهذا هو الوجه الذي يجب غسله. وأسمي الوجه بذلك من المواجهة. وإذا كان المتوضئ عنده لحية، واللحية لا شك ستأخذ جانبا من الوجه من اليمين والشمال، فهل يجب غسل ما تحتها أو لا يجب؟ الجواب: إذا كانت اللحية خفيفة ويرى ما تحتها وجب غسلها. وأما إن كانت اللحية كثيفة ولا يرى ما تحتها فلا يجب غسلها، لكن يستحب تخليل اللحية. قال: «ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات»، أي بعد أن غسل وجهه ثلاث مرات، بدأ باليد اليمنى. والمراد باليد من أطراف الأصابع إلى المرفق؛ من أطراف الأصابع إلى المرفق. هذه اليد التي يجب غسلها في الوضوء؛ كما قال الله جل وعلا: «﴿وَامِسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾». وإلى بمعنى معه؛ أي مع المرافق. فالمرفق يدخل في الغسل. ويدل على ذلك فعل النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا أيضا ما ثبت عن بعض الصحابة في بيان وضوء النبي صلى الله عليه وسلم. ومن الخطأ الذي قد يقع فيه بعض المسلمين أنه إذا جاء يتوضأ فيغسل كفيه، ثم إذا جاء إلى غسل اليدين يغسل الذراع ويترك الكف ويكتفي بغسلها في أول الوضوء؛ وهذا خطأ؛ لأن غسلها في أول الوضوء مستحب، وأما الفرض فهو غسلها كاملة من أطراف الأصابع إلى المرفق؛ فلا بد من غسلها كاملة، وإلا لما صح الوضوء. وسمي هذا العظم الذي يفصل بين الذراع وبين العضد بالمرفق؛ لأن الإنسان يرتفق به ويتكأ عليه. قال: «ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك»، بعد أن غسل يده اليمنى غسل يده اليسرى مثل اليمنى. قال: «ثم مسح رأسه». قال: «ثم مسح رأسه»، ولم يذكر هنا عدد المسح؛ لم يذكر عدد المسح؛ لأن الرأس يمسح مرة واحدة. وقد جاء ذكر ذلك مقيدا في حديث عبد الله بن زيد: «ثم مسح رأسه مرة واحدة». فالرأس يمسح مرة واحدة على الصحيح؛ لحديث عبد الله بن زيد. وهذا هو الصحيح خلافا لبعض أهل العلم الذين رأوا أنه يمسح ثلاثا؛ كالشافعية يرون أن المسح يمسح يعني الرأس ثلاثا؛ لحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا، قالوا: هذا يحمل على جميع الأعضاء حتى مسح الرأس. وهذا ليس بصحيح؛ فهذا الحديث نقول عام، وقد جاء ما يخصص مسح الرأس بمرة واحدة بالأحاديث الأخرى. وكذلك أيضا مسح رأسه لم يقل: مسح بعض رأسه. وعلى هذا فيجب مسح أو استيعاب أكثر الرأس عند المسح؛ يستوعب أكثر الرأس؛ بقول الله: «﴿وَامِسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾»، وفي حديث عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مسح رأسه أقبل بيديه وأدبر؛ بدأ عليه الصلاة والسلام بمسح رأسه من ناصيته، وأخذ بيديه، وأذهب بيديه إلى الخلف، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه. فمعنى هذا أنه يستوعب الرأس كله أو أكثره؛ هذا هو الصحيح الذي تدل عليه الأدلة، خلافا لمن رأى مسح بعض الرأس؛ كالشافعية أو الحنفية. الحنفية يقولون: يكفي شعرات أو ربع الرأس. والشافعية: شعرات من الرأس. وليس بصحيح؛ خلاف ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من مسحه عليه الصلاة والسلام رأسه كله، وفعله عليه الصلاة والسلام موضحا ومبينا لكيفية مسح الرأس الذي أمر الله سبحانه وتعالى به في القرآن. قال: «ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات»، بعد مسح الرأس. ومع الرأس كذلك الأذنان تمسح؛ كذلك الأذنان بعد مسح الرأس تمسح الأذنين بنفس ماء الرأس؛ تضع السبابة بداخل الأذن والإبهام من الخلف؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الأذنان من الرأس». قال: «ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين»؛ لقول الله جل وعلا: «﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾». والمراد بالكعبين العظمان الناتئان بين القدم والساق؛ العظمان البارزان والناتئان بين القدم والساق؛ هذان هما الكعبان اللذان أمر الله سبحانه وتعالى بغسل القدم إلى هذا الموضع. وهذا الذي عليه عامة أهل العلم؛ خلافا للرافضة. الرافضة عندهم أنه ليس في القدم إلا كعب واحد؛ عندهم ليس في القدم إلا كعب واحد؛ وهو العظم الذي في ظهر القدم. هذا العظم هذا عندهم هو ماذا؟ الكعب. وعلى هذا ذهبوا إلى جواز مسح القدم؛ ذهبوا إلى جواز مسح القدم؛ وأنه يكفي أن تمسح القدم. وخالف بهذا ما عليه جمهور أهل العلم؛ جمهور أهل العلم من وجوب غسل القدمين. وقولهم باطل مردود؛ فإن الله عز وجل أمر بغسلها، وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه في حديث واحد أنه مسح قدميه؛ وإنما الأحاديث كلها الثابت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يغسل قدميه. ولما رأى بعض الصحابة رضي الله عنهم تعجلوا في الوضوء ومسحوا أقدامهم ولم يغسلوا ما تحت الكعبين، قال: «ويل للعقاب من النار»، أنكر عليهم عليه الصلاة والسلام. ولو كان المسح مجزئا لما أنكر عليهم؛ لما أنكر عليهم. وأما رواية الجر «﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾» وهي قراءة صحيحة، وهي رواية شعبة عن عاصم. غيره من القراء قرأوا بالجر. وهي محمولة على أحد أمرين؛ محمولة على أحد أمرين؛ الأمر الأول: إما أنها جرت للمجاورة؛ إما أنها جرت للمجاورة؛ فلما كان ما قبلها مجرورا جرت لمجاورتها؛ كان الله عز وجل قال: «﴿وَامِسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾» هنا الرأس مجرور؛ فقراءة الجر «﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾» هذه على المجاورة؛ لما جاورت المجرور جرت مثله. وهذا مستعمل في اللغة. ومن ذلك قولهم: جحر ضب خرب؛ هذا جحر ضب خرب. وخرب صفة الجحر؛ والجحر مرفوع؛ والأصل أن يقول: هذا جحر ضب خرب؛ لكن لما جاور المجرور جر مثله. والاحتمال الثاني: أنها تحمل على المسح على الخفين؛ أن رواية الجر تحمل على المسح على الخفين؛ إذا كان المتوضئ لابسا لخفين؛ فهنا يمسح عليهما؛ ويجزئه ذلك؛ يمسح عليهما؛ ويجزئه ذلك. أما أن تحمل على مسح القدمين وهما مكشوفتان؛ هذا لم يقل به أحد من أهل العلم ممن يعتبر به؛ إلا الرافضة. قال: «ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين». وقوله: «إلى الكعبين» يعني مع الكعبين؛ فالكعبان داخلان في الغسل؛ كما ثبت بهذا. وروى أبو هريرة لما توضأ قال: «فغسل رجلي حتى شرع في الساقين». قال: ثلاث مرات. ثم غسل اليسرى مثل ذلك. ثم قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم» هنا هذا الوضوء يعني على جهة الكمال؛ غسل الأعضاء ثلاثا في الوضوء؛ هذا هو الأكمل والأفضل. وإلا فيجوز أن تغسل مرة واحدة؛ وهذا هو الواجب؛ الواجب أن يغسل كل عضو مرة واحدة؛ إذا استوعب غسله بالماء؛ فقد أتى بالواجب. فما زاد على المرة فهو مستحب؛ إذا غسلها مرتين فهذا مستحب؛ وإذا غسلها ثلاثا فهذا هو الأكمل والأفضل. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه توضأ مرة مرة، وتوضأ مرتين مرتين، وتوضأ ثلاثا ثلاثا. قال: «ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوء هذا». قال: «توضأ نحو وضوء هذا». قال أهل العلم: لم يقل: مثل وضوء؛ قالوا: لأن المماثلة لا يمكن أن تكون من جميع الوجوه؛ أن يكون توضأ مثل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم. لكن نحوه يعني شبيه به ومقارب له. قال: «ثم قال: أي النبي عليه الصلاة والسلام: من توضأ نحو وضوء هذا». انظروا: «من توضأ نحو وضوء هذا». ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: مثل وضوء؛ لأن هذا قد يكون صعب أن يتوضأ الإنسان مثل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم. لكن نحوه وقريب منه ومشابه له ممكن. قال: «ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه». هذا فيه استحباب صلاة ركعتين بعد الوضوء؛ استحباب صلاة ركعتين بعد الوضوء؛ هذه سنة الوضوء؛ ثابتة من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ثم قام فركع ركعتين» يعني بعد الوضوء. وهذا أيضا ثبت في إقراره عليه الصلاة والسلام لبلال؛ حين قال: «لقد سمعت خشخشة أسلافك في الجنة»، فأخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام، قال: «أرجى عمل عملته في الإسلام أني لم أتوضأ وضوءا في أي ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الوضوء ما كتب لي»، أقل شيء ركعتين؛ أقل ما يصلي ركعتين. فقره النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك؛ إذا أن صلاة ركعتين بعد الوضوء هذه سنة مستحبة. قال: «فقام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه». ما المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحدث فيهما نفسه»؟ هل مراد بذلك أنه لا يحدث نفسه بالكلية، ولا يقع في هذه الركعتين شيء من حديث النفس؛ كما قال بهذا بعض أهل العلم؟ أو المراد أنه لا يسترسل في حديث النفس؛ قد يقع أن يحدث نفسه بشيء، لكن لا يسترسل؛ يقطعه مباشرة ويستمر في صلاته؛ هذا الذي رجحه الإمام ابن شهاب، رحمه الله، ونقله عن بعض أهل العلم؛ لأن الإنسان قد لا يستطيع يعني أن يقطع حديث النفس بالكلية؛ لكن كونه لا يسترسل في ذلك ويجاهد نفسه على قطع حديث النفس؛ هذا الذي إن شاء الله يرجى أن يتحصل به على هذا الأجر. معنى قول: «لا يحدث فيهما نفسه» أي لا يسترسل في حديث النفس؛ أو كذلك أيضا فيما يتعلق بأمور الدنيا ونحو ذلك من شواغل هذه الحياة؛ فيقطع ذلك ويكون قلبه حاضرا في الصلاة، متدبرا لما يقرأ وما يفعل في صلاته. قال: «غفر له ما تقدم من ذنبه»؛ يعني له من الأجر والثواب أن يغفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه. والمراد بذلك صغائر الذنوب؛ المراد بها صغائر الذنوب؛ أما الكبائر فلابد فيها من التوبة إلى الله جل وعلا. قال ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحد للصلاة؛ يعني أكمل ما يتوضأ به المتوضئ للصلاة؛ بهذه الصفة وهذه الهيئة التي نقلها عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: حدثني زهير بن حرب أبو خيثمة، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا أبي عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران مولى عثمان، أنه رأى عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ نحو وضوء هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه». إلى هنا صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.