كتاب المساجد ومواضع الصلاة 94

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 94

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 94، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حادثة بئر معونة وآية الشهداء المنسوخة

غدرت قبائل رعل وذكوان وعصية بالسبعين قارئاً فقتلوهم في بئر معونة، فدعا النبي ﷺ عليهم شهراً، وأنزل الله آية تُقرأ في شهدائهم ثم نُسخت. يبرز الحديث خيانة الكفار وكرم الشهادة في سبيل الله.

قنوته ﷺ شهراً في صلاة الفجر داعياً على الغادرين

قنت النبي ﷺ بعد الركوع في صلاة الصبح شهراً كاملاً داعياً على قتلة القراء في بئر معونة، مما يدل على مشروعية قنوت النوازل عند المصائب. تباينت الروايات في توقيت القنوت قبل الركوع أو بعده، واتفقت على كونه مؤقتاً لسبب محدد.

مشروعية قنوت النوازل المؤقت وعدم دوام قنوت الصبح

أجمع العلماء على أن قنوت النبي ﷺ في الصبح كان للنوازل فقط ثم انقطع، ولم يثبت عنه المداومة عليه كسنة راتبة. الأحاديث الدالة على الاستمرار في قنوت الصبح ضعيفة، والصحيح اختصاص القنوت بالنوازل ثم تركه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: وحدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميمي أبو زكريا النيسابوري، قال: قرأت على مالك، وهو ابن أنس، إمام دار الهجرة، قال: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وهو زيد بن سهل الأنصاري، عن أنس بن مالك، وهو أنصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه، قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحًا، يدعو على رعل وذكوان ولحيان وعصية، عصوا الله ورسوله. قال أنس: أنزل الله عز وجل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآنًا قرأناه حتى نسخ، بعد: «أن بلِّغ قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه». في هذا الحديث يخبر أنس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام دعا على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة، وكانوا سبعين رجلًا من أهل الصفة، يقال لهم: القراء، كانوا ممن يسكنون في صفة مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكانوا يحتطبون في النهار ويبيعون هذا الحطب ويتعلمون القرآن. فأتى هؤلاء القبائل: رعل وذكوان ولحيان وعصية، وزعموا أنهم أسلموا، وأرادوا أن يبعث معهم النبي عليه الصلاة والسلام من يعلمهم القرآن، فبعث معهم هؤلاء السبعين. فلما وصلوا إلى بئر معونة غدروا بهم فقتلوهم، فدعا عليهم النبي عليه الصلاة والسلام شهرًا، يدعو على هؤلاء القبائل: رعل وذكوان ولحيان وعصية. قال أنس: فأنزل الله عز وجل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآنًا قرأناه، يعني كانوا يتلونه ويقرؤونه، وهو قولهم: «بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه». كانوا يقرؤون هذه الكلمات، ثم نُسخت هذه الآية ورُفعت ورفع رسمها، فأصبحت غير موجودة في المصحف. وهذا الحديث فيه بيان خيانة الكفار وشدة مكرهم بأهل الإسلام. انظروا كيف أظهروا الإسلام، جاءوا على أنهم مسلمون، فلما ذهب معهم جماعة من المسلمين ليعلموهم غدروا بهم فقتلوهم. غدروا بهم فقتلوهم. وهكذا أهل الكفر في الغالب أنهم أهل غدر ومكر وخيانة، فلا يؤتمنون؛ فإنهم ما وجدوا فرصة في أهل الإسلام إلا وفتكوا بهم، إلا وفتكوا بهم. وكذلك أيضًا في هذا الحديث بيان أن من قتل في سبيل الله على أيدي الكفار فإنه بإذن الله يكون شهيدًا، يكون شهيدًا حتى لو كان قتله غدرًا، ولو كان قتله غدرًا. فهؤلاء الذين غدروا بهم هؤلاء الكفار، وهؤلاء القبائل، عدّوا في حكم الشهداء، وأنزل الله عز وجل هذه الكلمات وهذه الآيات التي كانت تدل على رضا الله سبحانه وتعالى عنهم: «أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه». وجاء في بعض الروايات: منهم خال أنس، خال أنس ممن قتلهم هؤلاء، وطُعن برمح، فلما خرج الرمح من الجانب الآخر قال: «فزت ورب الكعبة»، قال: «فزت ورب الكعبة». فالمقصود أنهم حصل لهم بهذا مكرمة، وإن كان هؤلاء الكفار أفسدوا عليهم دنياهم، لكن في المقابل فإنهم أصلحوا لهم آخرتهم، ولهم العاقبة الحسنة عند الله سبحانه وتعالى. وقنت النبي عليه الصلاة والسلام عليهم ثلاثين صباحًا، يعني شهرًا، يدعو عليهم. والشاهد من الحديث مشروعية القنوت في الصلاة، قنوت الوتر، أي قنوت النوازل، مشروعية قنوت النوازل في صلاة الصبح وبقية الصلوات كذلك، كما مر معنا. قالوا: حدثني عمر الناقد وزهير بن حرب، قال: حدثنا إسماعيل، وهو ابن إبراهيم، من مقسم، المشهور بابن علية، عن أيوب، وهو من أبي تميم السختياني، عن محمد، وهو ابن سيرين، قال: قلت لأنس: هل قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح؟ قال: نعم، بعد الركوع يسيرًا. قال: نعم، بعد الركوع يسيرًا. يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع يسيرًا، يعني فترة يسيرة، فترة يسيرة، وهي قدر الشهر كما جاء في الحديث الآخر. وهذا الحديث فيه أن قنوت النبي صلى الله عليه وسلم في النوازل كان بعد الركوع من آخر ركعة. قالوا: وحدثني... وحدثني عبيد الله بن معاذ العنبري وأبو كريب وإسحاق بن إبراهيم ومحمد بن الأعلى، واللفظ لمعاذ، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي مجلز، وهو لاحق بن حميد، عن أنس بن مالك: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا بعد الركوع في صلاة الصبح، يدعو على رعل وذكوان، ويقول: عصية عصوا الله ورسوله. قالوا: حدثني محمد بن حاتم، قال: حدثنا بهز بن أسد، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا أنس بن سيرين عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت شهرًا بعد الركوع في صلاة الفجر، يدعو على بني عصية. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية عن عاصم عن أنس، قال: سألته عن القنوت قبل الركوع، فقال: قبل الركوع أو بعد الركوع؟ قال: قبل الركوع. قال: قلت: فإن ناسًا يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع. فقال: إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا، يدعو على أناس قتلوا أناسًا من أصحابه، يقال لهم: القراء. نعم، والروايات التي مرت معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع، ولا شك فيها. قال: وحدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان عن عاصم، قال: سمعت أنسًا يقول: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على سرية ما وجد على السبعين الذين أصيبوا يوم بئر معونة، كانوا يدعون القراء، فمكث شهرًا يدعو على قتلتهم. نعم، النبي عليه الصلاة والسلام حزن عليهم لأنهم كانوا ممن يحمل القرآن وعندهم علم بكتاب الله جل وعلا، وغدر بهم، فحزن النبي عليه الصلاة والسلام على قتلهم. قال: وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا حفص بن غياث، وحدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا مروان، كلهم عن عاصم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث، يزيد بعضهم على بعض. قال: وحدثنا عمر الناقد، قال: حدثنا الأسود بن عامر، قال: أخبرنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرًا يلعن رعلًا وذكوان وعصية، عصوا الله ورسوله. قال: وحدثنا عمر الناقد، قال: قال: حدثنا الأسود بن عامر، قال: أخبرنا شعبة عن موسى بن أنس عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. قال: وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا هشام عن قتادة عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت شهرًا يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثم تركه. وهذه الرواية كما مر معنا تبين ضعف الرواية الأخرى التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في الصبح حتى فارق الدنيا. فهنا أنس يقول: ثم تركه، أي ترك القنوت في الصبح. ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت على جهة الاستمرار، وكان ذاك الحديث له من رواية أنس أيضًا ثابتًا، لما قال: ثم تركه؛ لأنه من عادته على تلك الرواية أنه كان يقنت في الصبح. لكن هذا الحديث لا يصح، وهذه الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت قنوت النوازل ثم ترك، ولم يقنت ويستمر في قنوت الصبح. طيب، إلى هنا. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.