الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش أهمية اتباع السنة النبوية وخطورة الابتداع في الدين، حيث يعتبر الابتداع استدراكا على الشرع. يُؤكد أن شريعة الله كاملة ولا تحتاج إلى تكميل.
النظر إلى الشريعة بعين الكمال يمنع من الابتداع، والإيمان بأن نصوص الكتاب والسنة لا تعارض بينها يحمي من اتباع الأهواء. الجهل بالشريعة يؤدي إلى الابتداع في دين الله.
النبي حذر من اتباع المتشابه في القرآن، والسلف الصالح وقفوا عند حدود الله. لا ينبغي اختراع بدعا لم يسبق إليها السلف، والبدع لم تكن موجودة في عهد النبي والصحابة والتابعين.
تم وصف بعض جوانب الموضوع بشكل كافٍ، وسيتم استكمال الدرس في وقت لاحق. يشير إلى اكتمال جزء من الدرس وتأجيل الباقي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد ذلك، قال عبد الله بن سعود رضي الله عنه: يقول ابن القدامة في نقل أقوال العلماء في متابعة السنة وعدم الابتداع. قال عبد الله بن سعود رضي الله عنه: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم». وهذا الأثر أثر صحيح أخرجه الإمام الدارمي في المقدمة «سنن». وهذا الأثر لعبد الله بن سعود بيّن فيه أن الواجب الاتباع لا الابتداع. وكما قال الإمام ابن أبي العز رحمه الله: إن الناظر في شريعة الله جل وعلا لابد أن ينظر إليها من وجهين. الناظر للشريعة لابد أن ينظر إليها من وجهين: أولا، ينظر إليها بأنها بعين الكمال، أنها شريعة كاملة، وليس فيها نقص أبدا، ولا يحتاج إلى أن يضاف إليها شيء، ولا يحتاج إلى أن يخترع فيها شيء. بل إنما الواجب على المسلم أن يكتفي بالاتباع، يكتفي باتباع النبي عليه الصلاة والسلام ومن سار على نهجه من السلف. فلهذا ينظر إلى شريعة الله جل وعلا بأنها كاملة، فيمتنع عن الابتداع. أهل البدع ما ابتدعوا في دين الله إلا لأنهم نظروا -وإن كان مثلا ما يستطيعون أن يتجرعوا يقولون هذا بألسنتهم، لكن هذا حالهم- نظروا إلى شريعة الله جل وعلا أنها ناقصة وتحتاج إلى تكميل، فكملوها بهذه البدع، أو ظنوا أن تكميلها بهذه البدع. ولهذا تجد أن البدع استدراك على الشرع، البدع استدراك على الشرع. ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله المقولة المشهورة العظيمة: «لن يصلح هذه الأمة إلا ما صلح أولها»، إلا ما صلح أولها، لن يصلح هذه الأمة إلا ما صلح أولها. وقال أيضا: فبيّن رحمه الله أن الذي صلح تلك الأمة هو الذي سيصلح آخر هذه الأمة. وأيضا ذكر رحمه الله أن الواجب على المسلم الاتباع، اتباع النبي عليه الصلاة والسلام. وهنا قال ابن مسعود: «اتبع ولا تبتدع فقد كفيتم». أي يكفيك أنك تتبع، لا تحاول أنك تخترع شيئا من عند نفسك وتظن أن الشريعة لا زالت تحتاج إلى من يكملها. ولهذا تجد يقع في هذا المحذور أهل البدع والأهواء جميعا، وكذلك الذين يضعون الأحاديث الموضوعة ويخترعونها يظنون أن الشرع لم يكمل هذا الباب، فيضعون أحاديث يظنون أنهم يكملون هذا. حتى إن بعض الكرامية من المبتدعة قيل لهم: كيف تكذبون وتضعون أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». فقالوا: نحن لا نكذب عليه وإنما نكذب له. انظر إلى الجهل، قالوا: نحن ما نكذب عليه وإنما نكذب له، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام محتاج إلى كذب، يكذبون للنبي عليه الصلاة والسلام، فهذا جهل عظيم. ولهذا كما قلنا: الناظر إلى الشريعة أولا ينظر إليها بأنها كاملة لا نقص فيها أبدا، ينظر إليها بعين الكمال. فإذا نظر إليها بعين الكمال فإنه لا يخترع ولا يبتدع في دين الله جل وعلا، يعلم أن كل ما جاء به الله هو الخير وهو الذي لا بد أن يكون في معناه. ينشر بين الناس الآن حتى هذه الفرق المعاصرة تجد أنهم أيضا عندهم هذا، وهو أنهم ما ينظرون إلى شريعة الله عز وجل بالكمال، ولهذا يبتكرون طرقا يظنون أنها تنفع، بل بعضهم يرى أنها أنفع من النصيحة وأنفع من كذا. يبتكروا الأناشيد، يبتكروا التمثيليات، أن يمثلون يقولون دعوة الذي يمثل يحمل رسالة ويحمل دعوة. بل وكذلك بالأناشيد، وهذا مسألة الأناشيد هو أصلا مسلك صوفي، وهذا قبله أيضا مسلك نصراني. فلم يأت في الشرع أبدا أن الأناشيد تكون من باب الدعوة إلى الله جل وعلا. ممكن الإنسان ينشد عادي ما فيه شيء، يأتي بشعر مباح ما فيه شيء. لكن أنه يجعله من أمور الدعوة ومن وسائل الدعوة فهذا المحظور، كأن الدعوة تحتاج إلى شيء يكملها، فأتوا بمثل هذه الأناشيد وغيرها. فلهذا فهذه الأشياء كما قلنا بسبب أنهم ما نظروا إلى شريعة الله عز وجل بعين الكمال. والوجه الثاني: وهو أن ينظر المسلم أو الشخص إلى شريعة الله جل وعلا بأن ينظر إلى نصوص الكتاب والسنة بأنها لا تعارض بينها أبدا، بأنها لا تعارض بينها أبدا، بل يفسر بعضها بعضا ويوضح بعضها بعضا، فيؤمن بمحكمها ومتشابهها. فإذا فعل ذلك فإنه ينجو أيضا من الأهواء، لأن من علامة أهل الأهواء والتي ميزوا بها أنهم يتبعون المتشابه ويتركون المحكم. وهذا أيضا كما قلنا بسبب أنهم ما نظروا إلى الشريعة أنها لا تعارض بينها، فأخذوا -بل نظروا إلى أن هناك تعارض- فأخذوا المتشابه وتركوا المحكم، وابتدعوا في دين الله عز وجل ما ليس منه. وهذا نص قول الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾. فلهذا فهؤلاء الذين يتبعون ما تشابه منه هم أهل الأهواء. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم»، أولئك الذين سمى الله -أي في الآية آل عمران-. قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كلاما معناه: «كف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا». أي القوم يريد به السلف الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم ما وقفوا إلا عن علم. فلهذا لا ينبغي للإنسان أن يخترع. لهذا يقول شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: إذا جاء عن السلف في المسألة قولان فلا ينبغي للشخص أن يأتي بقول ثالث، لا يأتي شخص بقول ثالث لأنه قد وقفوا على علم، قالوا ببصر نافذ، كفوا. أي ما كفوا عن هذه البدع والاختراعات إلا لأنهم عندهم علم عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا لا يجوز. قالوا لهم على كشفها، كانوا أقوى. أن لو كانت هذه البدع والأهواء تزيد لشرع الله عز وجل بشيء لكانوا أقوى الناس بها وكشفها. قالوا بالفضل، لو كان فيها أحرى. أي لو كان فيها فضل لكان السلف هم أحرى الناس بهذا الفضل. لهذا الحافظ بن كثير لما ذكر البدع فقال: «لو كان خيرا لسبقون إليه»، أي السلف، لو كان خيرا لسبقون إليه، فهم أحرى الناس بالفضل. فلو كان في البدع والمخترعات فيها شيء من الفضيلة لتسابق إليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر الآن مثلا على سبيل المثال لا الحصر، هذه الموالد. الموالد ما وجدت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ولا في عهد الصحابة ولا في عهد التابعين ولا أتباعهم، ولا أيضا حتى في عهد الأئمة المتبعين، لا الشافعي ولا مالك ولا غيرهم، ولا أحمد ولا غيرهم من أئمة الإسلام المعروفين. ما جاءت، أول ما ظهرت إنما عند العبيديين حكام مصر الروافض الباطنية، هذا أول من ظهرت عندهم هذه الموالد. ثم قام بها بعض الملوك الجهلة الذين ليس لهم في العلم عندهم صلاح، لكنهم جهلة بالعلم، فنشروا مثل هذه الموالد وانتشرت في جزيرة العرب أو في أهل الإسلام. فمثل هذه الموالد الآن لو كانت خيرا لسبقنا إليها السلف، لو كان خيرا وشيء فضل لكان السلف أكثر الناس تمسكا بهذا. لهذا قالوا بالفضل لو كان فيها أحرى. فلا، إن قلتم حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من خالف هديهم. لو قال الإنسان هذا الشيء أحدثه المتأخرون وهو شيء طيب وبدعة حسنة، فقال رد على هذا: «فما أحدثه إلا من خالف هديهم ورغب عن سنتهم». ولقد وصفوا منه ما يشفي وتكلموا منه بما يخفي. طيب، إن شاء الله وتعالى نقف إلى هذا الحد ونكمل في درس لاحق.