الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 17، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع وجوب التسليم للحكم الشرعي الديني وعدم منازعته، مع ضرورة الانقياد لله ورسوله. يُبيّن الفرق بين الحكم الشرعي والكوني.
يشرح المقطع مفهوم الحكم القدري الكوني وضرورة الأخذ بالأسباب، ثم التسليم بقضاء الله بعد بذل الأسباب. يُوضح العبوديات المطلوبة في هذا السياق.
يشرح المقطع العبوديات المطلوبة عند التعامل مع الحكم القدري الكوني، مثل التسليم والمسالمة والرضا بقضائه وقدره. يشير إلى أهمية النظر إلى كمال الرب وعظمته.
يشرح ابن القيم أهمية تطبيق العبودية لله في الحكم بين الناس، ويبين متطلبات ذلك مثل العلم والمعرفة والإرادة والعزم والتوبة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال رحمه الله: «والحكم حكمان: حكم كوني قدري، وحكم أمري ديني». فهذا الذي ذكره الشيخ في «منازل السائرين» وشرحه عليه الشارحون، إنما مراده به الحكم الكوني القدري. وحينئذ فلابد من تفصيل ما أجمله من المساعدة الحكم والاستسلام له، وترك المنازعة له. إن هذا الإطلاق غير مأمور به، ولا ممكن للعبد في نفسه. بل الأحكام ثلاثة: حكم شرعي ديني، فهذا حق أن يتلقى بالمسالمة والتسليم، وترك المنازعة، بل الإنقياد المحض، وهذه تسليم العبودية المحضة، فلا يعارض بذوق، ولا وجد، ولا سياسة، ولا قياس، ولا تقليد، ولا يرى إلى خلافه سبيلاً. وإنما هو الإنقياد المحض والتسليم والإذعان والقبول. فإذا تلقى بهذا التسليم والمسالمة، تقريرًا وتصديقًا، بقي هناك انقياد آخر وتسليم آخر له إرادة وتنفيذ عمل. فلا تكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه، كما لم تكن له شبهة تعارض إيمانه به وإقراره. وهذا ظاهر، فالحكم الشرعي في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجب أن يتلقى بالقبول والرضا والتسليم، وعدم المنازعة والإنقياد. فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولُ﴾ فهذا حقه القبول. وكما ذكر رحمه الله، يتعلق به أمران: الأمر الأول التسليم والمسالمة، أي عدم المنازعة. والأمر الثاني الإنقياد وعدم المعارضة والتأخر عنه، لا بشهوة تنازع المراد، ولا بشبهة تعارض الإيمان. فمن الشهوة ما ذكره: أن يعارض بذوق أو وجد يراد به الشهرة والترأس على الناس، ولا سياسة تعارض به للمحافظة على الكرسي والمنصب والملك، ولا قياس، ولا تقليد يعارض به كذلك الحق من هذا الحكم الشرعي؛ لأجل التعصب لمذهب أو لشخص. فللواجب الانقياد والعمل. قال: «وهذا حقيقة القلب السليم الذي سلم من شبهات تعارض الحق الظاهر، شبهة تعارض الحق». قال: «الذي سلم من شبهة تعارض الحق، وشهوة تعارض الأمر، فلا استمتع بخلاقه كما استمتع به الذين يتبعون الشهوات، ولا خاض في الباطل خوض الذين يتبعون الشبهات، بل اندرج خلاقه تحت الأمر، واضمحل خوضه في معرفته بالحق، فاطمأن إلى الله معرفة به، ومحبة له، وعلما بأمره، وإرادة لمرضاته». فهذا حق الحكم الديني، هذا هو الواجب التسليم وعدم المعارضة لا بشبهة ولا بشهوة. ومن عارض في مثل هذا، فكان فيه شبه بالمنافقين الذين حذر الله عز وجل منهم. الله عز وجل وصف المنافقين بهذا الوصف، الذين قال فيهم: ﴿أَنَّهُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخِلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخِلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخِلَاقِهِمْ وَخَضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ﴾ فلا يجوز لمسلم، علما ما أوجبه الله عليه من الإذعان لشرعه والاستسلام له والعمل به، وعدم منازعته، أن يكون في قلبه شيء، فضلا أن تتأخر جوارحه. قال: «والحكم الثاني الحكم الكوني القدري، الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة، والذي حكم به يسخطه ويبغضه ويذم عليه، فهذا حقه أن ينازع ويدافع بكل ممكن، ولا يسالم البتة. بل ينازع بالحكم الكوني أيضا، فينازع الحكم الحق بالحق للحق». ومعناه: أن الحكم الكوني القدري من قدر الله، وأنت مأمور أن تصل إلى ما فيه منفعة لك في دينك ودنياك، كذلك بقدر الله. ابذل ما استطعت من الأسباب في مدافعة الحكم القدري الذي نافى ما علمت من دين الله، وما كان فيه مصلحة لك في دنياك لدينك أو دنياك كذلك بقدر الله. فأنت تنازع وتدافع لحكم الحق بالحق للحق، ومعنى أن هذا هو حكم الله الذي يحبه الله، وبالحق بالعدل الذي لا ينافي شريعة الله، وللحق أي لله عز وجل. قال: «ويدافع به وله، كما قال شيخ العارفين في وقته عبد القادر الجيلاني: «لَي ناس إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وانفتحت لي فيه روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق». وهذا هو ما تقدم. قال: «والعارف من يكون منازعًا للقدر، لا واقفًا مع القدر». انتهى. وسيأتي تفسير هذا: منازعة القدر، ليس معناها عدم الرضا به، ولكن معناه أن تعمل الأسباب الشرعية المأذون فيها في مدافعة القدر. فلا يرد القضاء إلا الدعاء. وهكذا كذلك سيأتي معنا: أننا أمرنا شرعًا بالأخذ بالأسباب في دفع ما نكره. قال: «فإن ضاق ذرعك عن هذا الكلام وفهمه، فتأمل قول عمر بن الخطاب، قد عوتب على فراره من الطاعون، فقيل له: أتفر من قدر الله؟ فقال: نفر من قدر الله إلى قدر الله». وأصله القصة في الصحيحين: حديث بن عباس، لما أراد عمر رضي الله عنه وقد لاقى جيش أبي عبيدة ومن معه في أطراف الشام أن يدخل الشام، فبلغه أنه وقع الطاعون في الشام، فجمع عمر رضي الله عنه بعد أن اختلف الصحابة: ماذا يصنعون؟ هل يدخلون والطاعون يهلك الناس في الشام، أو يرجعون ويقفون؟ فبعض الصحابة رأى هذا، وبعضهم هذا. فجمع عمر من معه من الصحابة، فدعا المهاجرين أولا، فاستشارهم رضي الله عنه أرضاه، فاختلفوا. فمنهم من أمر بالإقدام، ومنهم من أمر بالإحجام. ثم جمع الأنصار، فاختلفوا. فمنهم من أمر بالإقدام، ومنهم من أمر بالإحجام. ثم دعا مشيخة قريش ومهاجرة الفتح، فأدخلوا عليه، فلم يختلفوا عليه. فقالوا: يا أمير المؤمنين، لم يبق معك إلا هذه البقية من الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن نرى أنك إن دخلت بهم أهلكتهم، ولم يبق في الناس أحد من أصحاب وبقية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاستحسن هذا الرأي رضي الله عنه أرضاه، فأمرهم أن لا يدخلوا، ولم يبلغهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك حينها. فقال له أبو عبيدة: أفرارًا من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر رضي الله عنه: «بل نفر من قدر الله إلى قدر الله». أفرأيت إن كان رجل في أرض وعنده إبل، وفي الأرض موضع مخضر وآخر غير ذلك. أفرأيت إن رعى إبله في الأرض المخضرة أو تركها إلى الأخرى؟ فعلى ذلك بقدر الله. فكذلك ما صنعت أو ما نصنعت. والمعنى: أنت تختار ما ينفعك، وأنت تختار ما يضرك، فكله بقدر الله. فحينها جاء عبد الرحمن بن عوف، وقال: إني سمعت حديثًا من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر الحديث: «أن الوباء إذا وقع والطاعون إذا وقع بأرض، فلا يدخل إليها، ومن كان فيها فلا يخرج منها». فعملوا بهذا الحديث، وفرح به عمر رضي الله عنه ومن معه من الصحابة. فالشاهد هذه الكلمة صارت قاعدة في هذا الباب: «نفر من قدر الله إلى قدر الله». وهذا هو ما ذكره الشيخ رحمه الله هنا، وأراد أن يفصله في مسألة الحكم القدري الكوني، وهو أنه ينظر إليه بنظرين: النظر الأول: ما أمكن مدافعته وأخذ الأسباب بعدم وقوعه، لدفع ضرره، فهذا مأمور به شرعًا، ومطلوب كونًا. وأما بعد بذل الأسباب والاجتهاد، فلم يجد بدًا إلا أن وقع، وقد وقع. فعند ذلك يكون التسليم والرضا بقدر الله عز وجل. وهذا هو محل الرضا بقضاء الله وقدره، أي بعد بذل الأسباب في دفعها، ثم وقعت. ولو وقعت على خلاف ما تحب، وعلى ما تكره. فبعد وقوعها، وبذل الأسباب في دفعها، ولم يمكن. فعند ذلك يكون ماذا؟ الرضا بقضاء الله وقدره. قال رحمه الله تعالى: «ثم كيف ينكر هذا الكلام من لا يبقى له في هذا العالم إلا به؟» ومعنى: من لا يبقى إلا بمدافعة القدر. كيف يبقى الإنسان في عالم مليء بالمخاطر إلا أن يدفع هذه المخاطر كذلك بالقدر؟ قال: «ولا تتم له مصلحة إلا بموجبه». فإنه إذا جاءه قدر من الجوع والعطش والبرد، نازعه وترك الإنقياد له ومسالمته، ودفع بقدر آخر من الأكل والشرب واللباس، فقد دفع قدر الله بقدره. وهكذا إذا وقع الحريق في داره، فهو بقدر الله. فما باله لا يستسلم له ويسالمه، ويلقاه بالإذعان؟ بل ينازعه ويدافعه بالماء والتراب وغيره، حتى يطفئ قدر الله بقدر الله. وما خرج في ذلك عن قدر الله. وهكذا إذا أصابه مرض بقدر الله، دافع هذا القدر ونازعه بقدر آخر، يستعمل فيه الأدوية الدافعة للمرض. فحق هذا الحكم الكوني أن يحرص العبد على مدافعة ومنازعته بكل ما يمكنه. فإن غلبه وقهره، حرص على دفع آثاره وموجباته بالأسباب التي نصبها الله لذلك. فيكون قد دفع القدر بالقدر، ونازع الحكم بالحكم. وبهذا أمر، بل هذا حقيقة الشرع والقدر. وهذا ظاهر. قال: «ومن لم يستبصر في هذه المسألة، ويعطيها حقها، لزمه التعطيل للقدر أو الشرع، شاء أم أبى». فما للعبد ينازع أقدار الرب تعالى بأقداره في حظوظه وأسباب معاشه ومصالحه الدنيوية، ولا ينازع أقداره بأقداره في حق مولاه وأوامره ودينه؟ وهل هذا إلا خروج عن العبودية، ونقص في العلم بالله وصفاته وأحكامه؟ ولو أن عدوًا للإسلام قصده، لكان هذا بقدر الله، ويجب على كل مسلم دفع هذا القدر بقدر يحبه الله، وهو الجهاد باليد والمال أو القلب، دفعًا لقدر الله بقدره. فما للاستسلام والمسالمة هنا مدخل في العبودية؟ اللهم إلا إذا بدل العبد جهده في المدافعة والمنازعة، وخرج الأمر عن يده، فحينئذ يبقى من أهل الحكم الثالث، وهو الحكم القدري الكوني الذي يجري على العبد بغير اختياره، ولا طاقة له بدفعه، ولا حيلة له في منازعته. وهذا هو ما تقدم من التفصيل في باب القدر. وقد أشار الشيخ رحمه الله في أول هذا الكلام: أن الصواب تقسيم الحكم إلى ثلاثة أحكام: حكم شرعي لا يعارض، وحكم كوني يعارض، وحكم كوني لا يعارض. فأما الحكم الكوني الذي يعارض، وهو ما كان في الإمكان مما أذن الشرع بل أمر الشرع بمدافعته. وأما الأمر الكوني والحكم الكوني الذي لا يعارض، فهو بعد وقوعه وبذل أسبابه. فنعلم أن ما اختاره الله لنا خير مما نختاره لأنفسنا، خير مما نختاره لأنفسنا. وهذا هو هذا محل اللبس عند بعض المتصوفة والمعطلة في باب القدر. قال رحمه الله تعالى: «قال: فحينئذ يبقى من أهل الحكم الثالث، وهو الحكم القدري الكوني الذي يجري على العبد بغير اختياره، ولا طاقة له بدفعه، ولا حيلة له في منازعته. فهذا حقه أن يتلقى بالاستسلام والمسالمة، وترك المخاصمة. وأن يكون فيه كالميت بين يدي الغاسل، وكمن انكسر به المركب في لجة البحر، وعجز عن السباحة، وعن سبب يدنيه من النجاح». فها هنا يحسن الاستسلام والمسالمة. وهذا بعد بذل الأسباب، ليس قبل بذل الأسباب. هو لا بد من التفريق. وأما من فعل هذا قبل بذل الأسباب، كان معطلاً للقدر، ضالاً مضلاً، منحرفًا عن شريعة الله. وأما بعد بذل الأسباب، فهو من الحق والرضا بقدر الله سبحانه وتعالى الواجب. قال رحمه الله تعالى: «مع أن عليه في هذا الحكم عبوديات أخر سوى التسليم والمسالمة، وهي أن يشهد عزة الحاكم سبحانه بحكمه وعدله في قضائه، وحكمته في جريانه عليه». وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وأن الكتاب الأول سبق بذلك قبل برء الخليقة، فقد جف القلم بما يلقاه كل عبد. فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط. والمعنى: لا يقف علمك في هذه المسألة، وهذا القسم الثالث عند المسالمة والتسليم للقدر. بل المطلوب منك عبوديات أخرى، وهي الشهادة بعظيم حكمة الله وحكمه، والرضا كذلك بقضائه وقدره. وكذلك التسليم بما كتبه الله في الكتاب الأول. وكذلك ما يكون معه من الاعتراف: أن ما أصابك مما كرهت فهو بعدل، وما أصابك مما تحب فهو بماذا؟ بفضل من الله سبحانه وتعالى. فإن أعطى أعطى بفضله، وإن منع منع بعدله. فأنت تنظر دائمًا إلى كمال الرب سبحانه وتعالى وعظمته وحكمته، وتنظر دائمًا إلى نقصك وفقرك. وكذلك يعني تفريطك. فما أصابك فهو من نفسك، وما أكرمك الله عز وجل فهو ليس من نفسك. وإن من فضل الله سبحانه وتعالى عليك. فأنت تنظر دائمًا في القدر إذا قد وصل إلى هذه المرتبة الثالثة والحكم الثالث بهذا الاعتبار. قال رحمه الله: «ويشهد أن القدر ما أصابه إلا لحكمة اقتضاها اسمه الحكيم جل جلاله، وصفة الحكمة». وأن القدر قد أصاب مواقعه، وحل في المحل الذي ينبغي يحل فيه. لأنك تعلم علم اليقين: أن ما اختاره الله لك خير مما تختاره لنفسك. وأن ما أصابك فهو ليس فيه أدنى تعدٍ أو ظلم، بل هو محض عدل من الله سبحانه وتعالى. قال: «إذ هو موجب الحكمة البالغة، والعلم المحيط، والعزة التامة. لم يخطئ مواقع الحكمة، ولم يتعد منازله التي ينبغي له أن ينزل بها». وأن ذلك أوجبه عدل الله وحكمته وعزته وعلمه وملكه العادل. فهو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلاء. فله عليه أكمل حمد وأتمه، كما له الحمد على جميع أفعاله وأوامره. وإن كان حظ العبد من هذا القدر الذم، فحق الرب جل جلاله منه الحمد والمدح؛ لأنه موجب كماله وأسمائه الحسنى وصفاته العلاء. وهو موجب نقص العبد وجهله وظلمه وتفريطه. لأنك تعلم: أن ما أصابك فمن نفسك، وما أعطاك فمن فضل الله. قال: «فاقتسم الرب والعبد الخطتين في هذا القدر، فكان للرب تعالى فيه الحمد والنعمة والفضل والثناء الحسن. وللعبد خطة الذم واللوم والإساءة واستحقاق العقوبة». بل الأمر أعظم من ذلك: العبد إذا كملت عبوديته لله، لم ينظر إلى الأمر أنه فيه فضل وعدل فحسب. بل يرى أنه فيه فضل وفضل وعدل، فضل وفضل وفضل وفضل وعدل. هناك قسمتان: قسمة فيها فضل، وهو ما أعطاك مما تحب. وقسمة فيها فضل وعدل، وهو ما أعطاك مما لا تحب. ما أعطاك مما لا تحب كيف ذاك؟ ذاك: أنك إذا نظرت إلى كمال الرب وعظيم حكمته، وكذلك عظيم صفاته وأسمائه. فإنك تعلم علم اليقين: أن ما اختاره الله لك خير مما تختاره لنفسك. فبذلك يكون الرضا، ويكون النظر إلى الفضل. ولو كان فيه ما تكره. قال: «وللعبد خطة الذنب واللوم والإساءة واستحقاق العقوبة، كما قال القائل: استأثر الله بالمحامد والفضل، وولى الملامة الرعاء». والمعنى: أنه يبين فيه ما يجب مع قدر الله. فالمحامد كلها لله، وما وقع مما يكره الإنسان فهو منه. قال: «ويشفيه في هذا المقام أربع آيات: أحدها قول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ والثانية قول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ والثالثة قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ والرابع قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُمْسِسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وإذا تأملت هذه الآيات، ترى أن العبد في قدر الله بين فضل وعدل. أن العبد في قدر الله بين فضل وعدل. فإن أصابك ما تحب فهو فضل من الله، وإن أصابك ما تكره فهو عدل من الله. بل الأمر أعظم من ذلك مما تقدم. فما أصابك مما تحب فهو فضل وفضل، وما أصابك مما لا تحب فهو فضل وعدل. قال رحمه الله: «فمن نزل هذه الآيات على هذا الحكم علمًا ومعرفة، وقام بموجبها إرادة وعزما وتوبة واستغفارًا، فقد أدى عبودية الله في هذا الحكم». وهذا قدر زائد على مجرد التسليم والمسالمة. وهو كما قال رحمه الله؛ لأنه لله عبوديات أخرى في هذا المقام. قال: «والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله». إلى هنا إن شاء الله.