الاقبال على الله 14

الدرس في الاقبال على الله 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية التدبر والإقبال على الله

يُبرز أهمية تدبر القرآن في الإقبال على الله والثبات عليه، ويشير إلى أن المتدبرين يجدون دلائل على صدق القرآن. بينما يشكك المنافقون والكفار في مصدره.

إنكار كلام الله وتحريف المفاهيم

يناقش إنكار بعض الجماعات كلام الله في القرآن وتحريفهم لمفهومه، مثل الجهمية والأشاعرة، حيث يعتقدون أنه ليس كلام الله حقيقة بل هو مخلوق أو خلاصة لكلام الله.

القرآن كلام الله غير مخلوق

يؤكد أن القرآن كلام الله تعالى وليس من خلقه، مستدلاً بآيات قرآنية تفرق بين الخلق والأمر، ويؤكد أن القرآن منزل من الله عز وجل وغير مخلوق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فأخذنا من الأسباب المعينة لإقبال على الله عز وجل تدبر القرآن، فهو من أول الأسباب العظيمة التي تعين العبد - بإعانة الله جل وعلا - على الثبات على الإقبال على الله جل وعلا، وكذلك أيضا استمراره على ذلك. وأخذنا أشياء التدبر، وهمية التدبر. والإنسان عندما يتدبر هذا الكتاب العظيم يتدبره بتدبرات كثيرة، وتجد هذه موجودة أيضا في القرآن، لأن المتدبر قد يتدبر هذا القرآن لصدق مخبره؛ لأنه من عند الله جل وعلا، وأنه أنزله الله سبحانه وتعالى، وهذا لا شك فيه عند أهل الإسلام، وقد دلت له دل على ذلك. وإنما فضح الله عز وجل أهل النفاق الذين يدعون الإسلام، وهم يشككون في هذا القرآن العظيم، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾. فالله عز وجل هنا أراد أن يبين سبحانه وتعالى أن هذا القرآن حق، وأنه كلامه جل وعلا، ومنزل من عنده، وأن من يشكك في ذلك فهو ليس على الطريق الصحيح، وليس أيضا من أهل الإسلام. ولهذا فضح الله عز وجل المنافقين بمثل هذه الأمور؛ فهم يشككون في كتاب الله جل وعلا. وأما الكفار فقد ذكر الله عز وجل عنهم أنهم يقولون: «أساطير الأولين»، ويقولون أيضا: «أنه يعلمه بشر»، وغيرها من هذه الأشياء التي ذكرها ربنا جل وعلا عنهم؛ لأجل أن يصرفوا الناس، أو حتى يبينوا أن هذا ليس من عند الله عز وجل، وإنما اخترعه رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن من تأمل هذا القرآن العظيم، وإعجازه، وأيضا كذلك ما فيه مما يصدق بعضه بعضا - كما قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: «أفلا يتدبرون القرآن» قال: «فيرون أنه يصدق بعضه بعضا» - وأيضا فيه أنه - كما قال الله عز وجل: ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ - لهذا قال ابن عباس: «فمن قرأه وتدبره علم أنه من عند الله». ولهذا الله عز وجل تحدى فصحاء العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن، بل تحداهم بأن يأتوا بعشر سور، بل بسورة منه، حتى بسورة لم يستطيع أن يأتوا بسورة من القرآن. وهذا كله يدل على أنه من عند الله جل وعلا. وأشياء كثيرة جدا من الدلائل العظيمة التي لا يحتاجها المسلم؛ أنه من عند الله جل وعلا. لكن العجيب أن يأتي من يدعي الإسلام، ومن هو من أهل الإسلام، فيقول: «أن هذا القرآن ليس كلام الله»، وهذه وليدة التي قبلها؛ معنى الكفار أنكروا القرآن كله، وقالوا: «إنما هو قول النبي عليه الصلاة والسلام، أو قول من حكاه عنه يعلمه بشر». لكن هؤلاء أيضا تفرعوا من هذا القول، فقالوا: «أن هذا القرآن ليس كلام الله». وأول من قال هذا الجهمية - أخزاهم الله - هم أول من نشر هذه البدعة الكفرية، وقالوا: «أن القرآن ليس كلام الله»، وأن الله عز وجل لا يتكلم، وإنما خلق هذا الكلام في الهواء، فسمعه النبي عليه الصلاة والسلام، والتوراة سمعها موسى في الهواء؛ سمع الهواء، لم يسمع صوتا أو لم يسمع صوت الله، إنما سمع صوت الهواء. ولهذا كان السلف يقولون: «هل الهواء أو الشجرة - كما قال بعض الجهمية أن الذي تكلم هو الشجرة - فقال بعض السلف: هل الشجرة تقول: إنني أنا الله؟ هل الشجرة تتجرأ أن تقول: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري؟». فهؤلاء ذهبت عقولهم حتى قالوا مثل هذا القول؛ فهم أرادوا أن يفروا من شيء، فوقعوا بما هو أعظم منه. أرادوا أن يفروا من عدم تشبيه الله عز وجل بالمخلوقين، وظنوا أنهم ينزهون الرب جل وعلا بهذا، فقالوا: «أن الله عز وجل لا يتكلم بصوت»، وإنما كلامه كلام نفسي، أو كما يقول هلاك أهل البدع وأهل الباطل. فلهذا قالوا: «أن هذا القرآن ليس كلامه»، وإنما هو حكاية عن كلام الله، أو أنه وقع هذا الكلام في نفس النبي عليه الصلاة والسلام، أو أنه وضعه في نفس جبريل، ثم جبريل أعطاه للنبي عليه الصلاة والسلام. وهذا كله من الباطل الذي يشكك في القرآن. ولهذا تجد الأشاعرة - كما قال الإيجي في المواقف، وهذا كتاب المواقف كما قلنا هو دستور الأشاعرة، والذي يمشي عليه الأشاعرة خاصة من المتأخرين - فقال هذا الإيجي: «قال نحن لا نقول... أو قال نحن حقيقة قولنا أن القرآن ليس من كلام الله»، هكذا يقول؛ لأنهم يقولون: «هو عبارة عن كلام الله، خلاصة كلام الله». هذا القرآن ليس هو الذي تكلم به، فقال: «لأننا قولنا أو حقيقة قولنا هو أن القرآن مثل كلام الجهمية؛ لا ليس من كلام الله». لكن قال: «خشية تشكيك الناس في القرآن»، فنقول: «أنهم من كلام الله». معنى ما نتجنى أن نقول: «أنه ليس كلام الله»، مثل ما نتجنى الجهمية والمعتزلة؛ هم يخفون هذا، لكن قال: «حقيقة قولنا هذا»؛ لأنهم يقولون: «عبارة عن كلام الله، ليس هذا هو نفسه كلام الله، وإنما عبارة أو خلاصة ما تكلم الله عز وجل به في التوراة وفي الإنجيل وفي كذا؛ خلاصة هذا القرآن». هكذا قالوا، وهذا قول باطل. وأيضا حقيقته أيضا القول بأن القرآن ليس كلام الله المنزل من عند الله جل وعلا، فلهذا وقعوا في أشد مما أرادوا أن يبتعدوا عنه. فهذا القرآن يتدبر لأجل أن يعرف أنه من عند الله، وأنه من كلام الله سبحانه وتعالى، وهذا من أعظم التدبر الذي يحاج به أهل النفاق وأهل الشرك، وكذلك أهل البدع الذين قالوا بأن هذا القرآن ليس كلام الله. مع أن الله عز وجل يقول: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾، فهذا من أمر الله، وليس من خلقه؛ ألا له الخلق والأمر، ففرق بين الخلق والأمر. وقال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾؛ حتى يسمع كلام الله. فلا شك عند أهل الإسلام، وخاصة أهل السنة، أن هذا القرآن كلام الله، منزل منه جل وعلا، غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود جل وعلا. ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.