مسائل متعلقة بالعام الهجري 2

مسائل متعلقة بالعام الهجري 2

الدرس في مسائل متعلقة بالعام الهجري 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التحذير من بدع العام الهجري الجديد

يتناول التحذير من تخصيص بداية العام الهجري الجديد بالعبادات وطلب العفو، ويعتبر ذلك من المحدثات التي لا أساس لها في الشرع. يُشدد على ضرورة اتباع السنة النبوية.

بدع الاحتفال والتهنئة بالعام الهجري

يناقش المقطع بدع الاحتفال بالعام الهجري الجديد مثل اعتقاد طي الصحف ورفع الأعمال، والاحتفالات والمهرجانات، ويستند إلى أقوال العلماء في تحريم هذه الممارسات. كما ناقش آراء العلماء حول التهنئة بالعام الهجري الجديد.

آراء العلماء ومحاسبة النفس

تناول آراء العلماء المختلفة حول التهنئة بالعام الهجري الجديد، وقسم العلماء إلى ثلاثة أقوال: المنع، الجواز، والتوسط. كما ناقش حكم استغلال مناسبة العام الهجري الجديد لمحاسبة النفس وتجديد العزم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، إخواني في الله، في درس الظهر كانت الإشارة إلى ما يتعلق بالتاريخ الهجري، وأشرنا إلى نشأته وإلى مسائله وأفضليته، وأنه المقدم على جميع التواريخ، وهذا الذي أجمعت عليه الأمة في عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وأشرنا إلى بعض المسائل، ثم كانت الإشارة إلى أننا في هذا المجلس إن شاء الله سنشير إلى بعض الأخطاء التي يقع فيها الناس، وهي متعلقة بالتاريخ الهجري. إذ أن من هذه الليلة سيدخل علينا شهر الله المحرم، باعتباره من أول الأشهر العربية، بداية للعام الهجري الجديد. من أخطاء الناس، إخواني في الله، ما يقوم به بعضهم من تخصيص هذه الليلة وهذا اليوم بعبادة من العبادات. تجد أن بعض الناس عندما يشيع أن هذا اليوم هو آخر يوم من العام، وسيدخل علينا عام جديد، فيشيعون أن هذا العام الجديد ينبغي أن يستقبل بعبادة، يستقبل بطاعة، فينادون بذلك. فمنهم من يصوم بمناسبة ختام العام، ومنهم -كما سمعتم من بعض الوعاظ- من يحث ويرغب على قيام الليل، على أن هذه الليلة ليلة العام الجديد، ما تدخل إلا وأنت يا عبد الله متلبس بطاعة، فهي نذير خير، ويشار إلى بركة هذا العام عليه. وهكذا بعضهم يحث البعض على الصدقة، وذاك على النفقة، وذاك يصل الأرحام، وذاك يفعل البر والطاعات. وكل هذا من البدع، ما يشرع هذا؟ من أين جاء الناس بتخصيص هذا الزمان وهذا المقام بالطاعات والعبادات؟ وكونه تخصص عبادة، تخصص زمن من الأزمان، أنت الذي تختارها، الشرع ما اختار هذا، ما جاء أبدًا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أن العام الجديد يستقبل بطاعة وعبادة، فهذا -أخوانا في الله- من البدع ومن الأخطاء. وما هو تبع لهذا الخطأ الأول، وهو خطأ لوحده، وهو ما نسمعه من بعض الناس ممن ينادي بمسألة العفو والصفح والمسامحة. وهذا يكثر الآن، من كان عنده منصات التواصل الاجتماعي، يجد بكثرة الرسائل تنهمر عليه مسائل ماذا؟ العفو والمصافحة والمسامحة. نجد أن بعضهم يرسل بمقطع صوتي: "أنا أتأسف، أنا أقول لأصحابي العفو عما وقع مني، والمسامحة مما حصل مني"، ولا زال يطلب العفو. البعض الذي ما يشعر يقول: "إيش قصة العفو هذا؟" يقول: "لا تدري، هذا العام جديد سيدخل على الناس، وهذا الرجل يحاول أن يتحلل مما مضى من ماضيه، ويحاول أن يستقبل هذا العام الجديد بصفحة بيضاء، لا فيها زلل على أحد، ولا عتب على شخص". وهذا -إخواني في الله- كذلك من الأخطاء التي ما أنزل الله عز وجل بها من سلطان. وإن الإنسان -إخواني في الله- إذا شعر من نفسه أنه قصر في حق غيره، وأن الأمر يحتاج إلى المسامحة وطلب العفو، كان ينبغي في حينه، لا أنك تؤخر، لا أنك تؤخر إلى هذا اليوم بالذات. كان ينبغي أنك تتحلل من المظالم متى ما وجب عليك التحلل، لا أنك تؤخر على حد زعمك إلى نهاية العام، كهذا اليوم، ثم ترسل المقاطع والصوتيات والمنشورات، وتطلب العفو من فلان ومن الأصدقاء ومن الأرحام ومن القرابة. ثم ماذا عسى؟ ثم ماذا عسى يا عبد الله؟ هل الناس يعفون عنك؟ قالوا: ربما وقعت في أمر ما أعفى عنك بعض هؤلاء. وهذا يذكرني كذلك بمسألة الحج، بعض الناس نعم زل وأخطأ وقصر في حق بعض الناس، فلا زال ماسكًا عن الاعتذار وعن التحلل من المظالم حتى يمن الله عليه بحج أو عمرة. في حينه يبدأ بالتحلل، لماذا تتأخر؟ لماذا تتأخر؟ تمسي حقوق الناس يا عبد الله إلى أن تأتي مناسبة من المناسبات فتؤدي حق الناس عليك؟ هذا لا يجوز، هذا لا يجوز. فالشاهد -إخواني في الله- أن ما يفعله بعض الناس كهذا اليوم بالذات من إرسال المقاطع الصوتية أو الرسائل النصية التي مفادها العفو والصفح والعفو بمناسبة دخول العام الجديد، هذه من المحدثات، ما أنزل الله جل وعلا بها من سلطان. كذلك من الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس ما يتفوه به بعض الوعاظ -كما سمعت من بعضهم- أنه لربما ينبري على المنابر وفي الدروس ويتكلم على أن هذا العام الجديد وأنه تطوى به الصحف، تطوى به الصحف؟ من أين جئت بهذا؟ أنا والله قد سمعت بهذا، سمعنا بهذا من بعض الوعاظ، لربما يتكلم ويتكلم ويخيل للناس أن هذا عام سينصرم وعام سيأتي، وأن الصحف أعمال العباد ستطوى وترفع إلى الله جل في علاه. فينبغي أننا ننشغل بالأعمال الصالحات، وينبغي أن كذا، فهو ما قال لك يا عبد الله أن الصحف تطوى وترفع إلى الله، هذا ما أنزل الله به من سلطان. والذي قد دلت عليه الأدلة ما جاء في حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام أن شهر شعبان نعم ترفع فيه الأعمال إلى رب العباد، في شهر شعبان هذه ترفع الأعمال. أما أنك تدعي بأن هذا العام في هذه الليلة مثلًا تطوى صحف الأعمال وترفع إلى الله جل في علاه، هذا يحتاج إلى دليل يا عبد الله، حديث إما آية وإما نص. لأن هذا من علم الغيب، وهو ليس بحديث، كله يدعي ذلك حتى تنمق الكلام، فتفتري على الله وعلى رسوله. ما عندي شيء اسمه طي الصحف ولا رفع الأعمال، هذا لم يثبت بحال، وإن هذا من البدع المحدثات التي ابتلينا بها في مثل هذه الأوقات بالذات. كذلك من البدع التي صرح العلماء ببدعيتها ما يكون من الاحتفالات، ما يكون من الاحتفالات أحيانًا في هذه الليلة، وأكثره يوم غد بمناسبة العام الهجري الجديد، بمناسبة العام الجديد، بمناسبة ماذا؟ يقع الاحتفالات والمهرجانات والحفلات، كل ذلك تحت ما يسمى بمناسبة العام الهجري الجديد. هذه المسألة قال عنها الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: "قال وأما الاحتفالات بمناسبة العام الهجري الجديد فهي محرمة، إما للبدعة وإما للتشبه". فكذا قال رحمه الله: "هي محرمة"، أي احتفال يقوم به من يقوم، فردًا كان أو شعبًا، حكومة أو محكومين، من أنزل من جعل احتفالًا عيدًا يحتفل به، ما أنزل الله به من سلطان، هذه من البدعة. قال الشيخ العثيمين: "ومن أقام الاحتفالات بمناسبة العام الهجري الجديد فهي محرمة، إما للبدعة وإما للتشبه"، إما لأنها بدعة فهي محرمة، أو أننا شابهنا غيرنا، لأن الكفار ممن هم يتقلبون بالعام الميلادي هم كذلك عن رأس العام الجديد يحتفلون، فنحن عملناهم بالمثل، هم يحتفلون نحن نحتفل، تحتفلون بعامكم الجديد نحن نحتفل بعامنا الجديد، فوقعنا في التشبه، فهذا محرم، وهذا لا يجوز. فهذه -والحمد لله- أربعة أمور أشير إليها، قد جاء كلام العلماء في المنع منها وتحريمها وعدم مشروعيتها، من تخصيص عبادة لانصرام هذا العام المنصرم، أو كذلك طلب العفو والمسامحة، أو هكذا ما يكون من إقامة الاحتفالات والمهرجانات بمناسبة العام الجديد، أو اعتقاد أن الأعمال ترفع وأن الصحف تطوى، كل هذا لم يأت به دين، ولا شريعة. وبالمقابل هناك مسائل وقع فيها الخلاف بين أهل العلم، وهي مما يتعلق بمناسبة العام الهجري الجديد. المسألة الأولى التهنئة، نعم، يبدأ الناس الآن، تجد الناس يتبادلون التحايا والتهاني: "كل عام وأنتم بخير، عام جديد علينا وعليكم"، سأل الله أن يتقبل، فتجد الناس يتبادلون إما مشافهة عند اللقاء، وإما في التواصل. افتح الآن المنصات، تجد التهنئة هنا وهنا، بالألوان المزركشة والألوان المزخرفة، "كل عام وأنتم بخير وتقبل الله"، "وعام جديد علينا وعلى الأمة المحمدية"، ويأتي من يأتي بالتهاني. ما حكم التهنئة بالعام الهجري الجديد؟ هذه مسألة -إخواني في الله- من باب وضع الأمور في نصابها، وقع فيها الخلاف بين علمائنا من أهل العلم. من منع تمامًا هذا الباب، وأنه لا يجوز لمسلم ولا مسلمة أن يهنئ بعضهم بعضًا بمناسبة العام الهجري الجديد، تحت أي عبارة كانت، وذلك لعدة أمور. الأمر الأول قالوا: إن هذا التاريخ الهجري -كما أشرنا إليه في درس الظهر- وهكذا يقال في العلماء: هذا العام الهجري ما أقيم لأجل مناسبة، وإنما أقيم لأجل حاجة، حاجة قد وقعت اضطر المسلمون إلى أن يضعوا هذا التاريخ الهجري، حاجة لتنظيم حياتهم، ترتيب أعمالهم، لجدولة ما يكون من شؤون أمورهم. هذا الحاجة الذي لأجلها وضع التاريخ الهجري ما هي مناسبة؟ قال: إذن فلماذا نهنئ بعضنا بعضًا؟ هذا الأمر الأول. الأمر الثاني قال العلماء بمن يفتي بالمنع من التهنئة: أن تهنئة بعضنا لبعض بمناسبة العام الهجري الجديد كأننا أنزلنا هذه المناسبة كمنزلة العيد، وما هناك عيد لأهل الإسلام إلا عيد الفطر وعيد الأضحى فقط. ثالثًا: أننا بهذه التهنئة لو فتحناها فإننا شابهنا أعداء الدين، النصارى يهنئون بعضهم بعضًا إذا دخل العام الجديد عليهم، وهنا نحن سنكون مثلهم، سنهنئ بعضنا بعضًا إذا دخل العام الهجري الجديد، إذن وقعنا في التشبه. رابعًا قالوا: إننا إذا فتحنا باب التهنئة فإن هذا سيفتح علينا أبوابًا، أبوابًا إذا انتهى هذا العام، وكله قد هنئ بعضنا بعضًا، ما يدريك إلا ويأتي ما يسمى بعيد الاستقلال، يهنئ بعضنا بعضًا، يأتي بعيد الثورة أو ثورة يهنئ بعضنا بعضًا، أو يأتي بعيد كذا يهنئ، أو مناسبة كذا نهنئ، إذن أصبح كل شيء تهنئة، تهنئة، سنفتح بابًا على أنفسنا، ولهذا تغلق هذه الأبواب. فالشاهد أن من أهل العلم من شدد ومنع، ومن من صرح بالتحريم، العلامة الفوزان رحمه الله تعالى حفظه الله، بل وجعل أنها من البدع، التهنئة من البدع، ولا يجوز لمسلم أن يهنئ مسلمًا بهذه المناسبة، هذا القول الأول. القول الثاني يقابله قال: إن هذا الأمر ليس فيه شيء، التهنئة بمناسبة العام الجديد، تقول لصاحبك لأخيك: "كل عام وأنت بخير"، قال: هذا لا بأس به، وأن هذا يجري مجرى العادات لا العبادات، مجرى العادات، ولا نحكم عليها بأن هذا مشروع، ولأن هذه سنة الدين ما له علاقة بهذا، وهذا أمر عادي، تهنئ بعضنا بعضًا، قال: ما فيه شيء. وهذا الذي ذكره العلامة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، قال: "إن تركها فلا أشك أنه أولى، أولى لا تركها، لكن إن فعلها قال: ما فيه شيء، يقول: لا بأس به، ويكرر: لا نجعلها دين، لا نجعل التهنئة سنة، ولا نجعلها مشروعة، وإنما اجعلها من الأمور المباحة"، هذا المذهب الثاني. المذهب الثالث وهو قول وسط، مفاده أننا لا نبتدئ الناس بالتهنئة، لكن من هنأك نرد عليه، وهذا الذي يقول سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله، يقول: "لا نبدأ الناس بالتهنئة"، لماذا لا نبتدئ؟ قال: "لأن هذا ليس عليه عمل السلف، ليس عليه عمل السلف أنهم كانوا يهنئون"، ما نهنئ، ولا نبدأ بالتهنئة لأن هذا ليس بالمناسبة شرعية حتى تكون تبادل التهاية والتحاية فيها. لكن إذا أحد هنأك، إذا أحد هنأك، ما قال سماحة الشيخ، قال: "فلا بأس رد عليه مثل قولك، آمين، سأل الله ذلك"، قال: "هذا ليس فيه شيء"، وهكذا. وهذا القول قد نقل عن ابن عثيمين قول مثل هذا القول، أنه يرى هذا على أنك لا تبتدئ، لكن ترد. فهذه -إخواني في الله- ثلاثة أقوال للعلماء في مسألة التهنئة بمناسبة العام الهجري الجديد، منها من منع، ومنها من جوز، ومنها من توسط، بأنك لا تبتدئ بالإطلاق والقول، وإنما تكتفي بالرد. المسألة الأخرى التي وقع فيها الإشكال أن تستغل مثل هذه المناسبة بما يقال عنها بمحاسبة النفس. نعم، يوجد أن بعض الناس لربما يستغل هذه المناسبة بمحاسبة النفس: "وأنا ينبغي أن نحاسب أنفسنا على ما كان من هذا العام المنصرم إلى غير ذلك". ما حكم هذا؟ نعم، من أهل العلم من أجاز من يجيز هذا، قال: "لا بأس، لا بأس أن نفعل". ومن أهل العلم قال: "لا، لم يعرف هذا عن رسول الله ولا عن صحبه الكرام، ولا عن الخلفاء من لدن عمر الذي أرخ هذا التاريخ، ما كان من بعده يجعلون هذا التاريخ فيصل للمحاسبة والنظر"، قال: "ما أثر هذا؟" فبقى. لكن من أهل العلم من أجاز هذا، لكن بشرط أن لا يستمر هذا ديدنًا، بحيث يتوقع الناس أن هذه سنة من السنن، لا ما نجعلها سنة من السنن، نستمر على ذلك، فلا بأس. وهذا كما قلنا محل إشكال بين العلماء، لأن بعض يرى أن هذا ما كان عليه معمولًا به. لكن لو أن إنسان استغل هذا المقام مثلًا بمسألة سرعة انقضاء الليالي والأيام، وانقضاء العمر، وأن الإنسان ينظر إلى ما مضى من حياته بشكل عام، هذا لا بأس به. وهذا الإنسان جائز، نحن إذا مرت حتى أيام وليالي نذكر أنفسنا بما مضى من أعمارنا، حتى يتفكر الإنسان ويتفكر، هذا لا بأس به، هذا لا بأس به. فالشاهد -إخواني في الله- أن هذه ملابسات أذكرها في هذا المقام، لأن هذا أوانها، وخاصة ما يتعلق بالأمر الأول مما يفعله الناس من إحداث البدع، وهكذا التخصيص للعبادة والطاعة، وهكذا من الاحتفالات، فإن هذا لا يجوز، وليس ذلك من دين الله. أسأل المولى أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.