الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 13، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح ابن القيم أهمية تفريغ القلب من الشوائب وتخليته من الذنوب لكي ينزل غيث الرحمة ويقبل العبد على العبادة بقلب سليم. كما يؤكد على أهمية الطهارة الحسية والمعنوية قبل الدخول في الصلاة.
يُوضح أن التخلية قبل التحلية شرط أساسي لقبول الأعمال وعبادة الله تعالى، ويشبه ذلك بزرع يحتاج إلى تطهير الأرض من الدغل ليستفيد من الماء. كما يبرز أهمية تهيئة البيئة الروحية للاستفادة من العبادات.
يُناقش الموانع التي تمنع الإنسان من الانتفاع بمواسم الخيرات مثل الذنوب والمعاصي والغفلة، ويحذر من صحبة الأشرار لأنهم قد يحرمونك من الانتفاع بخيرات رمضان ويوقعونك في المحرمات. يجب التوبة وتصحيح النفس وتجنب رفق السوء.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في سياق ذكره لبواعث الخلاص من الذنوب: الثامن عشر أن يعلم أن تفريغ المحل شرط لنزول غيث الرحمة، وتنقيته من الدغل شرط لكمال الزرع، فمتى لم يفرغ المحل لم يصادف غيث الرحمة محلا فارغا قابلا ينزل فيه، وإن فرغ حتى أصابه غيث الرحمة، لكنه لم ينقه من الدغل، لم يكن الزرع زرعا كاملا، بل ربما غلب الدغل على الزرع وكان الحكم له. وهذا كالذي يصلح أرضه ويهيئها لقبول الزرع، ويودع فيها البذر، وينتظر نزول الغيث، فإذا طهر العبد قلبه وفرغه من إرادات السوء وقواطعه، وبذر فيه بذر الذكر والفكر والمحبة والإخلاص، وعرضه لمهاب رياح الرحمة، وانتظر نزول غيث الرحمة في أوانه، كان جديرا في حصول المغلب. وكما يقوى الرجاء لنزول الغيث في وقته، كذلك يقوى الرجاء لإصابة نفحات الرحمن جل جلاله في الأوقات الفاضلة والأحوال الشريفة، ولا سيما إذا اجتمعت الهمم وتساعدت القلوب وعظم الجمع، كجمع عرفة، وجمع الاستسقاء، وجمع أهل الجمعة، فإن اجتماع الهمم والأنفاس أسباب نصبها الله تعالى مبتضية لحصول الخير ونزول الرحمة، كما نصب سائر الأسباب مهضية إلى مسبباتها. بل هذه الأسباب في حصول الرحمة أقوى من الأسباب الحسية في حصول مسبباتها، ولكن العبد لجهله يغلب عليه الشاهد على الغائب، والحس على العقل، ولظلمه يؤثر ما يحكم به هذا ويقتضيه على ما يحكم به الآخر ويقتضيه. ولو فرغ العبد المحل وهيأه وأصلحه لرأى العجائب، فإن فضل الله لا يرده إلا المانع الذي في العبد، ولو أزال ذلك المانع لسارع إليه الفضل من كل صوب. فتأمل حال نهر عظيم يسقي كل أرض يمر عليها، فحصل بينه وبين بعض الأرض المعشبة المجدبة سكر وسد كثيف، فصاحبها يشكو الجدب والنهر إلى جانب أرضه، هذا موضع من مواضع إعانة العبد للاستفادة مما يفيض الله عز وجل به من أنواع الرحمات وأسباب رفع الدرجات وتكثير الحسنات. وما يعين العبد على إخلاص العمل لله والخلاص من الذنوب والسيئات، إخلاص العمل لله والخلاص من الذنوب، ووضح هذا بقوله: تفريغ المحل شرط لنزول غيث الرحمة، وهو ما يسميه العلماء بالنفي قبل الإثبات، والتخلية قبل التحلية. فكلمة التوحيد ﴿لا إله إلا الله﴾ لا تتم إلا بركنين عظيمين: الركن الأول النفي، تنفي الألوهية عما سوى الله بلسانك وقلبك وجوارحك، وتثبتها لله عز وجل بلسانك وقلبك وجوارحك، فإذا لم يتم الأول لن يتم الثاني. إذا لم يخلص العبد عبادته لله وقلبه متعلق بغير الله، فكلما كمل العبد بالتخلص من التفاته إلى غير الله، فإنه يكمل تعلقه وتوحيده وتوكله بالله سبحانه وتعالى، وعظمة توحيده وثقته بربه وخالقه بقدر تخليه عما سواه سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك في تفاصيل هذه الشريعة العظيمة، لا يقبل الإنسان على ركن من أركان الإسلام العظام إلا بقدر ما يتخلى عما يضاد ذلك الذي أمر به في تلك الفريضة والركن. فمن أقبل على الصلاة بقلبه وقلبه مشغول بما هو خارج الصلاة، فإن قلبه لن يستطيع أن يتفرغ لهذه الصلاة، بل لا بد أن يتخلى عن كل ما هو خارج الصلاة حتى يستطيع أن يستفيد من هذه الصلاة فيقبل على الله عز وجل بها. ولهذا جعل الله عز وجل لهذه الأركان شروطا وواجبات وأركانا لا تتم إلا بإتمامها، فأمر بالطهارة الحسية، وهذا من التخلية ومن النفي الذي يتقدم الإثبات، حتى يدخل بجسد طاهر، لأن الجسد الطاهر النقي يعين على أن تكون هذه الصلاة طاهرة خالصة لله. وكذلك أمر العبد إذا أراد أن يدخل إلى الصلاة أن يتطهر الطهارة المعنوية، بأن يخلص قلبه لله عز وجل في الإقبال على هذه الصلاة، ﴿فطهر والرجز فاهجر﴾، فأنت مأمور بالطهارة الحسية والمعنوية، وهذا من التخلية لأجل أن تتحلى بمنافع هذه العبودية لله عز وجل في الصلاة وفي غيرها. وكذلك من أراد أبواب الرحمات ومواسم الخيرات والارتقاء في الدرجات، فعليه أن يخلي جوارحه: لسانه، وقلبه، وسائر جوارحه مما يكدر ذلك الصفاء الذي لا يمكنه أن يصل إليه، فيستفيد من تلك الرحمات ومواسم الخيرات إلا بالتخلي عنها. ومثل رحمه الله بثلاثة أمثلة: المثال الأول الزرع الذي ينتظر الماء، الأرض الذي يريد صاحبها أن يزرعها زرعا وتكون الأرض غاية في العطش وتنتظر الغيث، هذه الأرض إذا جاءها الغيث من السماء وصاحب الأرض لم ينق هذه الأرض مما فيها من دغل، فإن هذه الأرض لن تنتفع بهذا الماء إذا جاء. ولذلك أهل الزراعة ماذا يفعلون إذا قربوا موسم الأمطار؟ يقلبون الأرض يقلبونها حتى يستطيع الماء أن يدخل إلى جوف الأرض، فتنتفع الأرض من هذا الماء، ولا يقلبون فقط، يقلبون الأرض فبدل من أن تكون أرضا صلبة تمنع دخول الماء جزئيا أو كليا، يقلبونها حتى تكون متفككة فيدخل بينها الماء فتنتفع وتروى ويبقى فيها الماء فترة أطول، فيكون ذلك أنفع لهذه الأرض. بل كذلك يزيلون ما فيها من دغل، المراد بالدغل كل الشوائب التي تمنع انتفاع هذه الأرض الانتفاع الكامل من الماء، مثل الحشيش اليابس والأخضر والأشجار الصغيرة التي إذا كبرت ضايقت الزرع الذي يريد أن ينبته صاحبه، فهذا الدغل إذا لم ينق فإن الماء سيكون الانتفاع منه إما معدوما وإما أن يكون كذلك ليس كاملا بل جزئيا. ومثل بمثال آخر كذلك الريح الطيبة التي تأتي فتكون هذه الريح معينة لانتفاع الأشجار، وهكذا كذلك حتى الإنسان ريح حسية ومعنوية، فهذه الريح إذا لم يهيأ لها ما تنتفع به الأشجار فإن الأشجار لا تنتفع من هذه الريح. مثاله من يريد أن يلقح الأشجار وينتظر الموسم الذي يكون فيه ذلك، فإنه إذا لم يهيئ المكان المناسب من أن يكون المكان مفتوحا، وكذلك دخول الريح يكون فيه بسهولة، فإنه لا يحصل المقصود. ولذلك بعض الأشجار التي تحتاج إلى تلقيح يدوي، ماذا يصنعون؟ يأخذون ما هو من فحل الأشجار إلى أنثاها ثم يضعونه، فيكون التلقيح، وهذا من الأخذ بالأسباب، فكما يفعل الناس هذا في الأسباب الحسية، فكذلك ينبغي نحن أن نفعل في الأسباب المعنوية. وكذلك المثال الثالث: نهر بجانب أرض يمر عليها وعلى غيرها من أراضي الناس المجاورة لهذا النهر، إذا كانت الأرض غاية في العطش ولكنها قد سكرت الطرق الموصلة إليها، ووجد سدود كثيفة كثيرة أو قليلة، فإن الأرض قد تجذب وهي بجانب النهر، السبب أن الماء لم يستطع الوصول إلى هذه الأرض. فإذا جعل الطريق الذي يوصل الماء إلى هذه الأرض وأبعد الدغل، فإن الأرض تنتفع من هذه النهر، وإلا فإن الأرض التي بجانب النهر تكون ميتة وهي بجانب النهر. وكذلك رب إنسان يكون القرآن في بيته، ولكنه لوجود الموانع لا ينتفع من هذا القرآن، أو يدركه موسم من مواسم الخيرات وأبواب الرحمات، ولكنه لأنه موجود بجسده لا بروحه، لا ينتفع من هذا الموسم لوجود تلك السدود التي أغلقت قلبه وروحه من أن تنتفع من هذا الموسم وهذه الرحمة. أو كذلك وجود الدغل الذي يشوش ويعطل حتى إذا وصل وصل ضعيفا، فلذلك لا بد من أن يخلي العبد جوارحه وقلبه، وكذلك ظاهره وباطنه من أن تكون هناك موانع تمنع من الاستفادة من أسباب الرحمات ومواسم الخيرات وإفضال الرحمن سبحانه وتعالى إلى ما يعين هذا العبد للانتفاع من ذلك كله. ومن ذلك الذنوب والمعاصي، فإذا من لم يتب ولم يقلع لم ينتفع، وإذا كانت الكبائر فإنها أعظم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «الصلاة الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن»، متى؟ إذا اجتنبت الكبائر، لماذا؟ لأن الكبائر من الحجب، من السدود، من الدغل الذي يمنع الانتفاع من هذه الحسنات. فإذا تاب من هذه الكبيرة توبة صحيحة كاملة، فإنه بإذن الله فتح طريقا لأن ينتفع من هذه الخيرات وهذه الطاعات. وهكذا كذلك من ذلك الغفلة، الغفلة بالتشاغل عن الأهم إلى المهم، أو عن الأفضل إلى المفضول، وهذا أقل أحواله، وهي أحد مراتب الشيطان في إشغال هذا الإنسان. أنت عندك عمل مهم، لكن إذا جاء موسم الخيرات فعندك ما هو أهم، أنت طالب علم ما شاء الله تريد أن تكتب وتريد أن تسمع وتقرأ، لكن إذا جاء رمضان فهناك شيء أعظم من هذا، وهو صلاح قلبك وإصلاح روحك وإقبالها على الله سبحانه وتعالى. فجعل تزكية النفس الأولوية في مواسم الخيرات حتى لا يشغلك فيمر عليك الموسم وأنت لم تنتفع من هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات. كذلك انتفع بأسباب الرحمة التي جعلها الله عز وجل مصاحبة بمواسم الخيرات وأنواع الطاعات، من ذلك ما ذكره رحمه الله مواضع اجتماع الناس، فالإنسان في مواضع اجتماع الناس في الطاعات ينتفع بأن ينشط لهذه الطاعات ويجتهد فيها، ما لم يكن لو كان وحده. أضف إلى ذلك الدعاء مع الناس أنفع، فرب دعوة نالها من بعض الحاضرين تعينك على إصلاح نفسك، فلذلك شرع الله عز وجل أنواعا من الطاعات والعبادات والأدعية في جماعة، لينفع الناس بعضهم بعضا ويشفع الناس بعضهم لبعض. فأنت حين تقول مع المؤمنين «آمين»، كل منكم يعضد تأمينه تأمين الآخر، ليس مثل أن تقول وحدك «آمين»، فحين تقول مع الناس «آمين»، فتأمينك وتأمين إخوانك ينفع بعض الناس بعضا. وهكذا كذلك من ذلك، وكما تقدم من باب أولى ما دون ذلك من الانشغال بالمباح عما هو أولى، أو الانشغال بالحرام عن الحلال، أو الوقوع في الصغائر أو الكبائر أو البدع أو الشركيات، وكلها درجات يدرج الشيطان بها الإنسان حتى يخرجه عن الخير الذي أراده الله له وأحبه الله سبحانه وتعالى لخلقه. ومن ذلك كذلك أن الإنسان يعتني بالأسباب التي تعينه على أن ينتفع من هذه المواسم، مثل إزالة الجهل بالعلم، والغفلة بالحضور، وكذلك الاعتناء بالاقتداء بالصالحين ورفقتهم، فكلها من الأسباب التي تعين. وفي مقابل هذا التخلية والنفي، فلا تصحب الأشرار، لأن صحبة الأشرار تنفع من الانتفاع بأبواب الخيرات، يأتيك رمضان ورفقاء السوء يشغلونك بأنواع الشواغل التي تحرمك هذا الموسم، لو لم يكن إلا بعض المباحات التي ليس وقتها شهر رمضان، كالبيع والشراء، مباح لكن ليس هذا وقته. أو أعظم من ذلك أن يوقعك في بعض المحرمات التي ربما كان السبب فيها رفق السوء، وكذلك من هذا المعنى كل ما يحول بينك وبين الانتفاع من أسباب الخيرات ومواسم الطاعات والرقي بنفسك للعلو في أعلى الدرجات. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.