الدرس في شرح الأصول الثلاثة 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح هذا الفصل مفهوم الشرك والكفر في العبادة، ويبين أن صرف أي نوع من العبادة لغير الله يعتبر شركًا وكفرًا. يُوضح أيضًا أن هذا الحكم يشمل الجميع مع وجود استثناءات مثل الصغار والمجانين.
يتناول هذا الفصل أهمية إخلاص العبادات لله وحده ويشرح أن صرف أي عبادة لغير الله يعد شركًا وكفرًا، مع توضيح موانع التكفير مثل الإكراه وزوال العقل والجهل.
يؤكد هذا الفصل على أهمية العلم في إقامة الحجة على الخصوم ومعرفة الطرق التي تؤدي إلى الكفر أو الشرك، ويشدد على ضرورة استخدام العلم في تمييز الحق من الباطل.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. قلنا: يا إخواني في الله، هذه الفقرة هي تتمة لكلام سبق من المؤلف رحمه الله تعالى، عندما ربط بين الإيمان بربوبية الله جل وعلا وعلاقته بالعبادة، ووجه الرب أن الرب هو المعبود. يا أيها الناس، اعبدوا ربكم، إذن كان لابد من إيمان بحقيقة الربوبية أن نتوجه إلى الله جل وعلا بالعبودية. فكان من المؤلف رحمه الله تعالى أن يوضح للقارئ ما هي العبادة وما أنواع العبادة، حتى يتسنى لنا أن نتوجه بها إلى الله سبحانه وتعالى. فذكر لنا أنواع العبادة، فذكر الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة إلى آخر ما ذكر. ثم قال رحمه الله تعالى: فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر، والدليل ثم ذكر الآية: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. وهنا في قول مؤلف رحمه الله تعالى: فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر، ننبه على بعض المسائل اجتمعتها هذه الفقرة التي بين أيدينا. فقوله رحمه الله تعالى: فمن صرف، وهذا الأسلوب أسلوب الشرط، ومن هنا من الشرطية، من صرف، وأسلوب الشرط عند أهل الأصول يفيد العموم، يفيد العموم، فيدخل في هذا الحكم كائنًا من كان، كل أحد. فقوله رحمه الله تعالى: فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر، أي من صرف هذه الطاعات وهذه العبادات لغير الله فإنه يدخل في حكم الكفر وحكم الشرك. وعلى هذا فالحكم يشمل الجميع، يشمل الذكر والأنثى والصغير والكبير والعظيم والحقير، وكل واحد يدخل في هذا الحكم. لكن بقي ألا يخرج أحد من هذا العموم، ويقال: نعم، هناك أصناف من الناس يخرجون من هذا الحكم، فلو وقع منهم كفر ولو وقع منهم شرك فإنهم لا يؤاخذون على هذه الأفعال وعلى هذه الأقوال. فمن هؤلاء الصغير الذي لم يجري عليه القلم، فإنه يخرج من العموم، وإلا الأصل أنه داخل في العموم، لكن الوجود أدلة أخرى دلت على أن الصغار الذي لم يجري عليه القلم أنه لا يؤاخذون. فلو أن صغيرًا قام وأتى ببهيمة وذبحها وسمى غير الله، ما يفهم ولا يعقل، فعلى ذلك أن نصفه ونلمزه بالكفر والشرك لا، لأن القلم رفع عن هؤلاء. ومن أمثال هؤلاء كذلك المجنون، فلو أن مجنونًا من المجانين أتى بأقوال كفرية أو أفعال شركية فإنه لا يؤاخذ، والدليل ما ثبت في السنن: رفع القلم عن ثلاث، ومنها عن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق. فإذن الأصل العموم جار على عمومه، وأن كل واحد حتى في معشر الإنس ومعشر الجن، ولو كان من الجن، فإن لو أن معشر الجن وهم عالم غيبي نؤمن بوجودهم وهم موجودون على أرض الدنيا وفي أرض البسيطة، لو أحد من أهل الجن وقع في الشرك فصرف طاعة لله جل وعلا، فإنه يقع في الشرك. فإن الجن هو عالم كذلك مكلف، حال كحال الإنس، وأن منهم المسلمون ومنهم القاصطون، فمن أسلم فقد تحروا رشدًا، وأما القاصطون فكانوا لجهنم حطبًا، هذا هم أهل الجن، فهم يدخلون ويعاقبون ويدخلون النار، وإذا آمنوا وأسلموا وفردوا الله بالوحدانية فإنهم يدخلون الجنة. فهذه الآية، أخواني في الله، تبقى على عمومها، وقصد عبارة مؤلف على عمومها: ومن صرف شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر. وقوله رحمه الله تعالى: فمن صرف منها، أي هنا من التبعيضية، ومعناها أن ليس من اللازم حتى تكون أو حتى يقع الإنسان في الكفر والشرك أن يصرف الدين برمته لغير الله، ليس هذا الشرط، بل لو كنت يا عبد الله موحدًا في كل أبواب الطاعة وأبواب الدين إلا في عبادة واحدة فقط أخرجتها عن الوحدانية وصرفتها لغير الله، فإنك تدخل في حد الشرك وتدخل في حد الكفر. وإلى هذا ألمح المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: فمن صرف منها شيئًا، شيء واحد منها شيئًا لغير الله فهو مشرك. فما يظنه بعض الناس أنه لابد حتى نرمئ الناس بالكفر أن يكونوا ملاحدة أن يكونوا زنادقة، هذا ليس بشرط، قد نأتي إلى إنسان عندهم من الطاعة وعندهم من الدين وعندهم بالتمسك بأصل الإسلام، لكن وقعت منه زلة أن صرف شيئًا لغير الله من الطاعات، فإن هذا يلحق بالكفار كما أرشد إلى ذلك المؤلف رحمه الله تعالى. قال: فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر، وهذه فائدة من المؤلف رحمه الله تعالى نستفيد بعض الضوابط الذي يقع فيها الإنسان الكفر والشرك. فالناس إخواني في الله في موضوع الكفر والشرك يتفاوتون تفاوتا عظيما، بينا في هذا الباب لدرجة أن بعض الناس يرى أن الكفر والشرك إنما ينطوي تحت حكم واحد وهو في حق من قال: لا رب في الدنيا، لا إله في الدنيا، يقول هذا كافر، وما سواه لا يعرف شيء يدخل في اسم الكفر، لا يا عبد الله، المؤلف رحمه الله تعالى محى لك بقاعدة، بضابطه بها تتعرف من الذي خرج من الإسلام ودخل في الكفر. فإن من القواعد التي بها يقع العبد في الكفر أنك تصرف شيء من الطاعات لغير الله جل وعلا. وهذا إخواني في الله إن دل على شيء دل على وجوب الاعتناء بعباداتنا وطاعاتنا وأن تكون كلها لله جل وعلا. وقد مر معنا أن العبادات منها ما هي ظاهرة قولية وفعلية، ومنها ما هي باطنة من أعمال القلوب، كل هذا وكل ذاك ينبغي أن يصرف جميعًا لله، كل يصرف جميعًا لله جل وعلا، لا يشذ منها شاردة ولا واردة. فأي عبادة أي عبادة قولية أو فعلية أو باطنة صرفت لغير الله ولو كانت منفردة، فإنك يا عبد الله دخلت في هذا الحيز، في هذا الضابط، فحين تكون في عداد الكفار وفي عداد المشركين. قال: فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر. والمؤلف رحمه الله تعالى استخدم الوصفين الشرك والكفر، فيحمل ذلك على أن ذلك من باب التأكيد، فإن ترادف الألفاظ يراد منه التوكيد ويراد منه التأكيد، فهو مشرك كافر. لأن من أقوال العلماء في التفريق بين الشرك والكفر منهم من لا يفرق، يجعل الكفر والشرك بمعنى واحد، واستدل بما ثبت عن نبينا في قوله عليه الصلاة والسلام: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر، وفي رواية: فقد أشرك، من تركها فقد كفر، وفي رواية: فقد أشرك، فاستدل العلماء على أن استخدام الألفاظ هنا وهنا على معنى واحد، دل ذلك على أن كلها على مدلول واحد، وأن منها يراد بها التوكيد. ومن أهل العلم من فرق، فجعل الكفر في الذي لا يؤمن بالله، وجعل الشرك لمن آمن بالله وجعل معه الأوثان والأنداد، فهذا من التفريق ممن فرق بين الكفر وبين الشرك. الكفر الذي لا يؤمن بالله، وأما الشرك وهو الذي يؤمن بالله إلا أنه جعل مع الله شركاء من أنداد ومن أوثان، هذا في حق من غير. والمؤلف رحمه الله تعالى وإنما هنا ما غير، وجعل الكل بمعنى واحد، وهذا مستساغ عند العلماء، فإن الشرك والكفر على قول بمعنى واحد. قال: فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر. نأتي الآن إخواني إلى الأمثلة المهمة، وهي متعلقة بعبارة المؤلف رحمه الله تعالى: من صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر، إذن علمنا أن المخاطب في هذا الباب هو كل مكلف، وهو البالغ العاقل، ذكرًا كان أو أنثى، فإنه إن صرف شيئًا لغير الله فقد أشرك وقد كفر. وهل معنى ذلك أن كل صرف لعبادة من عبادات يلحق صاحبها بعداد الكفار والمشركين مباشرة؟ العلماء في هذه المسألة يفصلون، يقولون: باعتبار القول وباعتبار الفعل، فهو كفر، فمقولة الكفر كفر، ما يمكن أن تأتي إلى كلمة كفر ونقية، لست بكفر، الكفر كفر، والفعل الكفري هو كذلك كفر، فعل الشرك شرك، فعل كفر كفر. فمن حيث القول، من حيث هو كقول، ومن حيث الفعل كفعل، هو شرك كفر، متى ما دل الدليل على كفر ذلك وعلى شرك ذلك. لكن بقي الإشكال في الفاعل، في الفاعل لهذه المقالة، وهو القائل، والفاعل لهذا الفعل، هل مباشرة يلحق بمقولته فيقال: كل من تلفظ بالكفر فهو كافر، ويلحق كذلك بفعله فيقال: كل من فعل فعلًا فهو فعله كافر؟ لا، العلماء ليس على هذا التقييد وعلى هذا الإلحاق، بل إنهم يميزون وذلك بما يسمى بموانع التكفير أو بموانع التكليف. فإن الرجل لربما يصدر منه مقالة شركية ويصدر منه فعل شركي، ومع ذلك لا يكون في عداد الكفار ولا في عداد المشركين. فهذه مسألة ينبغي أن يتنبه فيها. والشراح لعبارة المؤلف رحمه الله تعالى، دائمًا يحرصون على التفصيل في هذه المسألة. فقول المؤلف رحمه الله تعالى: فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر، فإنما هذا يتنزل فيمن انتفت عنه الموانع، انتفت عنه الموانع. أما من تلبس بمانع من موانع التكفير فإنه لا يكفر. وهنا قد يأتي السؤال ويقول قائل: ما هي موانع التكفير؟ ما هي الموانع الذي إن تصف بها إنسان من الناس فوقع في كفر ووقع في شرك لا يكفر ولا يشرك؟ قال علماء: من هذه الموانع الإكراه، الإكراه كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، هذه الآيات نزلت في حق الصحابة ممن أوذوا وعذبوا ونكِّلوا في ذات الله جل وعلا، وأمروهم الكفار أن ينطقوا بالكفر حتى يطلق سراحهم. فكان من بعض الصحابة كما فعل عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه أن تلفظ بمقالة الكفر فأطلق سراحه، فكان في نفسه ما كان كيف أنه نطق بكلمة الكفر، فذهب إلى نبينا وأقره رسول الله على ذلك، ونزلت هذه الآيات إقرارًا لفعله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. وطبعًا تحت الإكراه مسائل، ولو تذكرون في مسائل القديمة ودروس قد مضى، تكلمنا عن الإكراه وعن شروط الإكراه وصوره، فلا داعي للإعادة لأنه قد يأخذ من وقتنا، لكن يراجع تلكم الدروس. ولكن في مسألة مهمة وهي مسألة تناسب مقام التوحيد وهذه الرسالة، هل يشترط في الإكراه أن يكون بالتهديد أم لابد من مس عذاب؟ هل يكفي بالإكراه التهديد أم لابد أن يمس عذاب؟ جئ أبي مسلم فقيلوا: أكفر بالله؟ قالوا: إن لم أفعل، قالوا: لنفعلن ولنفعلن بك، سنعذبك، سننكلك، سنمزقك، سنقطعك، تهديد، فهذا الذي هدد وهدد، طبعًا التهديد له شروط، أن يكون هذا المهدد قادر على الإيقاع، وأن هذا الذي هدد به لا يمكن أن يدفع، فإذا كان التهديد محققًا، فهل هذا التهديد بحد ذاته، هل مسوك بشعره؟ إنما تهديد باللسان، قد قلبوا وجوههم وحمروا أعينهم وأرعدوا وأزبدوا وبعدوا: سنفعلن ولا نفعلن، هل هذا التهديد منهم كافي بأن تنطق بالكفر حتى تسلم من شرهم؟ أم لابد أن تمس العذاب أن يقع الضرب أن يقع الجلد أن تحس بوقع الأخدام والأصياط في ظهرك؟ اختلف العلماء. جمهور العلماء على الأول، جمهور العلماء يرون أن الكافر وأن المسلم إذا هدد إذا هدد بتهديد حقيقي وهو لا يقدر على أن يصبر عليه، قال: هذا كفيل بأن يكفر بالله. وأما إمام أحمد رحمه الله تعالى ما يرى ذلك، الإمام أحمد يرى أنه لابد من مس العذاب، لابد أن تمس العذاب، بعد ذلك اعتذر بالإكراه. ولهذا ترون قول إمام أحمد رحمه الله تعالى في فتنة خلق القرآن، أن إمام أحمد شد النكير على جماعة من العلماء أنهم قالوا بخلق القرآن، تأويلًا طبعًا وهروبًا. قالوا: بقول خلق القرآن من باب الإكراه، الإمام أحمد مرتضى ذلك منهم، قالوا: كيف تقول بهذه المسألة وأنتم ما أكرهتم أصلًا؟ ما عذبتم؟ ما نكل بكم؟ فكان إمام أحمد من مذهبه يرى أن الإكراه ما ينفع إلا إذا مسست العذاب، وازدل بقصة عمار بأن عمار ذاق العذاب وذاق الألم بعد ذلك نطق بالذي نطق به. فهذه مسألة خلافية، ولكن جمهور العلماء يرون أن الإكراه وما يدخل فيه مسمى، فإنه يمكن لصاحبه أن يتعذر به ولو كان إكراه باللسان، لكن بشروط، وأن يكون إكراه محققًا، وأنك لا يمكنك أن تدفع ما أكرهت عليه، وأنك لا تصبر على ذلك، فحين لا بأس أن تنطق بالكفر. فشاهد إخواني في الله أن نعلم أن الإكراه صور من صور موانع التكفير، فمن قال مقالة الكفر لإكراه وصله، فلو قالها فهذا لا يؤثر عليه في دين، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. المانع الثاني إخواني في الله: زوال العقل، فإذا زال العقل بحيث أنك ما تستشعر بما تنطق بما تفعل، فحينها هذا يعفى صاحبه، ولو كان الكلام الذي نطق به مما يوقعه في الكفر ويوقعه في الشرك. وزوال العقل سواء كان من شدة خوف أو من شدة غضب أو من شدة فرح، فإن إنسانًا إذا بلغ إلى شدة الشيء في عقله، لو ربما ما يحس بباقي أركانه، ما يحس بفلتات لسانه، ما يحس بحركات يده، ما يحس بشيء. مثاله ما وقع لموسى عليه السلام، أنه ألقى الألواح عندما رأى بني إسرائيل تركهم قد عادوا إلى عبادة العجل، من شدة غضب، فعل حتى أن الألواح المقدسة سقطت وألقاها من غير الشعور، وهذا ما يسمى كفرًا، لأن هذا مع زوال العقل. وهكذا بما جاء في الصحيحين في قصة ذاك الرجل الذي ضاعت عليه دابته وفيها حمولته، فيها طعامه وزاده، فيأس من الحياة واستسلم للموت، بل افترش التراب منتظرًا الموت، فبينما هو على هذه الحالة من اليأس، إذ بالناقة فوق رأسه وعليها زاده وعليها الطعام وشراب، فاستيقظ وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، كفر، عبارة كفرية، لكن ماذا قال نبينا؟ قال: أخطأ من شدة الفرح، أخطأ من شدة الفرح. فدل ذلك على أن من موانع التكفير إذا زال شعور العقل، وذلك من شدة غضب أو من شدة فرح، وهكذا. قال ألحق العلماء من موانع التكفير كذلك الجهل، ويعبرون دائمًا يمثلون بمن نشأ في بادية بعيدة، نشأ في أماكن بعيدة، ليس فيها علم، وليس فيها علماء، وليس فيها من يبلغ دين الله أو يعلمهم شعائر الدين أو معالم التوحيد. فهؤلاء قد ينشأون على عبادات كفرية وعلى مقالات شركية، لكنهم لا يؤاخذون، لماذا؟ لأن الله جل وعلا قد عذرهم بعدم بعثة الرسل إليهم، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا. فهذا إخواني في الله مسائل مهمة تقيد لنا كلام المؤلف رحمه الله تعالى، لأن كلام المؤلف يقول: فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر، كأي من كان، فمن صرف الطاعات والعبادات يدخل في الشرك والكفر. لكن دل ذلك على أن هذا يتنزل في حق من ارتفعت عنه موانع التكليف والتكفير، فإنه يقع في الكفر، لكن من وقع في هذه الكفريات وفيه شيء من موانع التكليف والتكفير فإنه لا يكفر. قال رحمه الله تعالى: والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. هنا كذلك من، وقد مر معنا أن من من أسلوب الشرط، وأسلوب الشرط يستفاد منه العموم، فمن دعا غير الله كائنًا من كان. وهنا قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾، هذه الصفة يسميها العلماء صفة كاشفة، وصفة الكاشفة إنما تأتي مبينة، لا تأتي مقيدة، صفة الكاشفة يذكر العلماء في كتب الأصول أن المراد من صفة الكاشفة أن يراد منها تبيين الأمر لا تقييد الأمر، هذا واضح. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، فسمى ربنا جل وعلا من دعا غير الله سماه كافرًا، وهذا الذي أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن صرف الطاعات والعبادات لغير الله فإن صاحبه يكون من عداد الكافرين. وهنا تأتي مسألة نختم بها هذا المقام، وهو أسلوب علمي، وهو كيف نتوصل كيف نتوصل أن صرف الطاعة أن هذه الطاعة قد تكون طاعة ليس لها دليل مخصوص بنفسها، فكيف نستدل على أن هذه الطاعة أو تلك الشعيرة أو تلك القربة أن صرف لغير الله كفر وشرك؟ لك يا عبد الله في ذلك طريقان. إما أنك تستدل بالآيات التي فيها التصريح بأن صرف هذا الشيء كفر، استدلال من الآية والحديث على أن هذه العبادة بخصوصها دل الدليل على أن صرفها كفر. وأما الطريقة الثانية أنك تستدل أن هذه العبادة وأن هذه طاعة هي مما يحبه الله ويرضاه، مما يحبه الله ويرضاه، فمتى ما سلم لك المسلم أن هذه الفعلة وأن هذه المقالة مما يحبه الله ويرضاه، إذن تستدل بعد ذلك على أنها تكون من العبادات، وصرف الطاعات لغير الله من الشرك. فهذا طريق وهذا طريق، والكل يحتاج عليه طالب العلم في إقامة الحجة على الخصوم، وفي معرفة من الذي يوصل إلى الكفر ومن الذي يوصل إلى الشرك. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.