الدرس في كتاب البيوع 20، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
استعرض الدرس أحكام الهبة محرمًا الرجوع فيها إلا للوالد، وموجِبًا العدل بين الأبناء ذكورًا وإناثًا استدلالًا بقصة النعمان بن بشير. ثم ابتدأ شرح حديث ابن عمر في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر بنصف الثمار، مبينًا سياق الفتح وإجلاء اليهود، ومعرّفًا بالمزارعة والمساقاة كأنظمة مشاركة في الثمر.
فصّل المقطع مفهوم المزارعة في الزرع والبذر والمساقاة في الشجر المثمر، مبينًا أنهما عقدا مشاركة مبنيان على العدل والمصلحة المشروعة عند الجمهور. كما استعرض شروط الصحة كالأهلية والعلم بالعقد والثمرة، وحكم توزيع الحصص مشاعًا، وحقوق الطرفين في الصيانة والفسخ لكون العقد جائزًا غير لازم.
بيّن المقطع أحكام انفساخ العقد قبل ظهور الثمر، حيث يسقط حق العامل إن فسخ هو، ويستحق أجرة عمله إن فسخ المالك، ولا تعويض إن لم تثمر الأرض. ثم انتقل لشرح أحاديث كراء الأرض، محرمًا المزارعة على جزء مجهول (المحاقلة) لجهالة وغرر، ومجيزًا الإجارة بمعلوم من نقد أو كيل محدد.
أوضح المقطع الفرق الجوهري بين المساقاة والمزارعة اللتين تكونان على جزء مشاع من الثمار، وبين الإجارة التي تشترط معرفة الأجرة مقدماً. واستدل بمشروعية الإجارة من القرآن والسنة، مؤجلًا تفصيل شروطها وأحكامها للدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمرحبًا بكم في الدرس الماضي، الكلام حول أحاديث تتعلق بكتاب البيوع من عمدة الأحكام للإمام الحافظ أبي محمد المقدسي رحمه الله تعالى. وهذه الأحاديث تتعلق بالهبة، والهبة كما سبق خلاصتها أنها عبارة عن تمليك في الحياة بلا عوض، أي بلا مقابل، وهي تشمل أنواعًا: تشمل الصدقة، وتشمل الهدية والنفقة، إلى غيرها مما يكون فيه التمليك بلا عوض. ومر معنا مجموعة من الأحكام والمسائل المتعلقة بالهبة، ومن ذلكم أنها مشروعة، وأنها مستحبة، وأنها تعتبر من الإحسان الذي ينبغي أن يبذله المسلم تجاه أو مع الآخرين. وهكذا أيضًا من هذه المسائل المتعلقة بالهبة: أنه لا يجوز أن يعود ويرجع المسلم عن هبته، فالعائد في هبته كالعائد في قيئه. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «كالكلب يقيء ثم يعود إلى قيئه»، وليس لنا مثل السوء. ويستثنى من ذلك هبة الوالد لولده، فإنه يجوز أن يرجع عنها، ولا يدخل في تحريم الرجوع في الهبة. وذكر رحمه الله تعالى ثلاثة أحاديث تتعلق بالهبة: ذكر حديث عمر في قصة فرسه الذي تبرع به وتصدق به على رجل يجاهد في سبيل الله، وأنه وجده معروضًا للبيع وقد ضعف الفرس، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم في أن يشتريه، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تشتره، ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم». وهكذا ذكر حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العائد في هبته كالعائد في قيئه»، وهذا يدل على تحريم العودة والرجوع في الهبة، وهكذا أيضًا في الصدقة. وختم ذلك بحديث أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، وأن أباه بشيرًا أهدى ومنحه أرضًا، فقالت أمه العاقلة والصحابية الفاضلة عمرة بنت رواحة: «لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم». فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي يشهده على تلكم الصدقة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أفعلت هذا بولدك كلهم؟» قال: لا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة فيها تربية، وفيها تعليم وتوجيه: «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم، اتقوا الله واعدلوا في أولادكم». وهذا فيه أمران: الأمر الأول: أنه لا يجوز للوالد، وهكذا الوالدة، أن يميز أحد الأبناء على الآخرين، إلا إذا كان هناك سبب للتمييز والفضل، كأن يكون مريضًا أو كبيرًا يحتاج إلى زواج أو غير ذلك، وإلا فالأصل هو العدل بين الأبناء. ولا يخفى على الجميع أن تفضيل بعض الأبناء على الآخرين يورث الشحناء والبغضاء والعداوة والحسد. ﴿لَيُوسُفَ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾، مع أن نبي الله يعقوب ما كان يفضل يوسف على إخوته في العطاء وغيرها من أوجه التي يجب أن يعدل فيها، وإنما كانت محبة يوسف في قلب أبيه محبة ظاهرة، لكن انظروا إلى ما أدت إليه: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾. الأمر الثاني: أنه يساوى بين الذكور والإناث في الهبة والعطية، وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم، وخالف بعضهم فذهب إلى أنه يعمل بقسمة الميراث في العطية، وأنه للذكر مثل حظ الأنثيين، لكن هذا فيما يتعلق بالميراث وبعد موت الوالد، أما في حياته ومع الهبة والعطية فالتسوية بين الأبناء هي المطلوب. قال رحمه الله تعالى: «عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع». وهذا الحديث حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وفيه أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل وصالح أهل خيبر، وأهل خيبر كانوا يهودًا، وخيبر كما مر معنا تعتبر مركزًا ومعقلًا من معاقل اليهود في شبه الجزيرة العربية، وأن اليهود بعد أن أجلوا من المدينة كثير منهم نزل في خيبر، فأصبحت خيبر مركزًا للمؤامرات ومنطلقًا للدسائس التي يحيكها اليهود تجاه المسلمين. فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من شأن قريش بصلح الحديبية، وكان في آخر السنة السادسة، تفرق بعدها لتأديب اليهود، ففي بداية السنة السابعة من الهجرة حاصر النبي صلى الله عليه وسلم اليهود بخيبر. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورى بغيرها، مثلاً أراد جهة اليهود في خيبر لا يتجه مباشرًا إليهم لكي لا يتهيأوا ويستعدوا، وإنما كان يوري بغيرها، يذهب إلى طريق أخرى ثم بعد ذلك يدور عليهم. وهكذا فعل مع يهود خيبر، ففاجأهم عليه الصلاة والسلام، خرجوا كعادتهم معهم المساحي وأدوات الزراعة من حصونهم إلى مزارعهم، ففوجئوا بالجيش، فرجعوا يقولون: «محمد والخميس»، أي والجيش. ففرض النبي صلى الله عليه وسلم الحصار، وطالت مدة الحصار لأن الحصون كانت قوية ومرتفعة وواسعة، وبها تحصينات اليهود من الطعام والمياه وغيرها، وكانوا فوق المسلمين يرمون من أعلى الحصون. فلما طال الحصار قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث سهل بن سعد: «لأعطين الراية غدًا رجلًا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه». فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح قال: «أين علي بن أبي طالب؟» قيل: هو مريض يشتكي عينيه. الحديث. ففتح الله على المسلمين خيبر، وأصبحت خيبر ملكًا للمسلمين. ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا﴾. فقال اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا محمد، نحن أعرف بالأرض»، فطلبوا منه أن يبقيهم وأن يجعلهم يعملون في المزارع مقابل أن يأخذ نصف الثمار، ويأخذ المسلمون نصفًا من الثمار، لكن الأرض ملكًا للمسلمين. وبقوا على ذلك إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا خلافة الصديق وهي سنتان وبضعة أشهر، إلى خلافة عمر، فأجلَى عمر اليهود من خيبر عملًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب». وأشهد من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بنصف ما يخرج منها من تمر أو زرع. وهنا عندنا أمران: عندنا مزارعة، وعندنا مساقاة. وبعض الشراح ومن اعتنى بعمدة الأحكام جعل لهذا الحديث بابًا مستقلًا، فجعله يتعلق بباب المزارعة والمساقة. أما بالنسبة لي فالمزارعة هي: دفع الأرض لمن يقوم بزراعتها، يدفع الأرض لمن يقوم بزراعتها، وماذا يُعطى مقابل ذلك؟ يعني جزءًا من الأرض أو جزءًا من الثمر التي تخرجها الأرض، يُعطى مقابل ذلك جزءًا من الثمر التي تخرجها الأرض، كالربع أو الثلث أو النصف إلى غير ذلك. وأما المساقة فهي: دفع الشجر المغروس، الأرض مزروعة، الأرض مزروعة لكن تحتاج إلى من يعتني بها بسقيها وغير ذلك، فيدفع هذا الشجر المغروس إلى من يعمل فيه، فيسقيه ويعتني به، ويعطى مقابل ذلك جزءًا مشاعًا معلومًا من الثمرة، أي على حسب ما يتفقان عليه. وما هي العلاقة بين المزارعة والمساقة؟ ما هو الفارق بينهما؟ المزارعة تقع على الزرع كالحبوب وغيرها، يقوم بزراعة الأرض، حرثها، وهكذا إلقاء البذور عليها أو غرس الأشجار فيها إلى غير ذلك. بينما المساقة تكون في الشجر الموجود كالنخيل وهكذا غيره، ويقوم العامل بسقيا الأرض وهكذا بقي ما يتعلق بالعناية بهذه الأشجار الموجودة، وقيل لها مساقة مأخوذة من أهم أعمالها وهي السقيا، سقيا الأرض. وكلا من المزارعة والمساقة من جملة الأعمال التي كان الناس يزاولونها منذ قديم الزمان، وذلك للحاجة إليهما، فكما هو معلوم أن الإنسان قد يكون عنده أرض لكن لا يستطيع أن يزرعها، وقد يكون عنده أرض مزروعة لكن لا يستطيع أن يقوم بسقيها والعناية بها فستفسد الأرض. بالمقابل أيضًا أن هناك من الناس من عنده القدرة على العمل ولديه الرغبة أن يعمل لكن ما عنده أرض ولا عنده مزارع. فهنا ماذا؟ فهنا أبيحت المزارعة والمساقاة لمصلحة الطرفين: صاحب الأرض يجد من يقوم بأرضه ويعتني بها، والعامل الذي لا يجد أرضًا يملكها أو يشتريها سيعطى أرضًا يقوم بالعمل فيها ويعطى مقابل ذلك جزءًا من الثمار التي ستخرج منها. وهكذا يعني كل من التعامل الشرعي فإنه يقوم على العدل وتحقيق المصالح ودفع المفاسد. أكثر العلماء على مشروعية المزارعة، وهكذا أيضًا على مشروعية المساقاة، أكثر العلماء وهم عامة أهل العلم على مشروعية ذلك. وذكر العلماء أن المزارعة والمساقاة كذلك أيضًا تعتبر من عقود المشاركات التي مبناها العدل بين الشريكين، فصاحب الزرع وهكذا صاحب الأرض كصاحب النقود في عقد المضاربة. ما هي المضاربة؟ المضاربة عندنا رجل لديه المال فيعطي هذا المال لشخص يعمل فيه، يعمل فيه، وبعد ذلكم يتفقان على أن الربح بينهما على حسب ما يتفقان عليه، بالنصف، بالثلث، بالربع، على حسب ما يتم الاتفاق. يذهب العامل فيشتغل بهذا المال، فإن ربح اقتسم الربح، وإن خسر فيخسر صاحب المال ماله، ويخسر العامل جهده. وهكذا في المزارعة وفي المساقاة: صاحب الأرض والزرع بمثابة صاحب النقود في عقد المضاربة، والعامل الذي يزرع أو يسقي هذا بمثابة التاجر والعامل الذي يتاجر في ذلكم المال. فالمغنم والمغرم بينهما. وبهذا يعلم أن عقد المساقاة والمزارعة هو يعتبر بعيدًا عن الجهالة والغرر، وأقرب إلى القياس والعدل. ولذا فإنهما ماذا؟ كانا على وفق الأصل، لا كما يقول بعضهم ممن ذهب إلى المنع من المساقاة والمنع من المزارعة. فالأجر هنا معروف، يعني ما سيتحصل عليه المزارع معروف، وهو إما نصف أو ربع أو ثلث إلى غيره مما يتم الاتفاق عليه بين صاحب الأرض وبين المزارع. فكما سبق هي تعتبر من العقود المشروعة الجائزة، وعلى هذا عامة أهل العلم. طيب، وقد ذكر العلماء شروطًا لصحة المزارعة والمساقاة، فمن هذه الشروط: أولاً أن تكون من شخص جائز التصرف، وقلنا جائز التصرف يطلق على المكلف البالغ العاقل أيضًا، بالغ عاقل رشيدًا، وأن يكون حرًا، فالعبد المملوك لا يصح تصرفه. وهكذا أيضًا من هذه الشروط قالوا: أن يكون الشجر معلومًا في المساقاة، وهكذا البذر معلومًا في المزارعة، ما يكون على شيء مجهول، وإنما يكون على شيء معلوم. أيضًا قالوا: أن يكون للشجر ثمر مأكول من نخل أو غيره، لماذا؟ أن يكون له ثمر مأكول لكي يعطى العامل من هذه الثمرة. وهكذا من هذه الشروط قالوا: أن يكون للعامل جزءًا مشاعًا معلومًا مما يحصل من ثمر الشجر أو من الغلة، يعني الشيء الذي سيقطف من المحاصيل والأشجار، لا بد أن يكون للعامل جزءًا معلومًا، مثلاً يقال له النصف كما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل خيبر من اليهود، أو الثلث أو الربع أو نحو ذلك. ولا يجوز يا إخوان أن يجعل للعامل مكان معين، يقال: هذه القطعة للعامل بينما هذا الباقي لصاحب الأرض، هذا لا يجوز. ولهذا الأحاديث الواردة في النهي عن المزارعة والمساقة تحمل على هذا، كما مر معنا فيما يتعلق بالمخابرة والمحاقلة. المنهي عنه هو ما يكون فيه جزء للعامل وجزء آخر لصاحب الأرض، فقد تنبت هذه وتخرج ثمارًا، وقد لا يحصل هذا في الجانب الآخر. هنا ماذا سيحصل؟ إذا أنبتت الأرض التي من نصيب العامل ولم تنبت الأرض التي من نصيب صاحب الأرض، سيقول صاحب الأرض: «مغبون»، سيقول للعامل: «أنت قصدت هذا، اعتنيت في الأرض التي ثمرتها لك وأهملت التي هي لي»، وقد يحصل العكس، التي لصاحب الأرض تنبت وتثمر أكثر، والتي للعامل لا تكون كذلك، فهذا لا يجوز. لكن هناك أمر، ألا وهو أن يكون للعامل جزء مشاع معلوم كربع، ثلث، سدس، نصف إلى غير ذلك، وما تبقى سيكون لمن؟ يا أبا طاهر: للمالك، مالك الأرض. ومن الأحكام المتعلقة بالمزارعة والمساقاة: أولاً قالوا: يلزم العامل أن يعمل كل ما يؤدي إلى صلاح الثمرة، على العامل أن يعمل كل ما يؤدي إلى صلاح الثمرة من حرث للأرض وسقي لها وتنظيف وصيانة وتلقيح للنخل، وإذا احتاج تجفيف للثمر وغير ذلكم مما يؤدي إلى صلاح الثمرة. وهكذا أيضًا قالوا: على صاحب الأرض أي المالك أن يعمل على كل ما يحفظ الأصل، يحفظ المزرعة كحفر البئر وتوفير المياه وإقامة الجدران والحواجز وهكذا. وهكذا أيضًا إذا احتاج أن يجلب الآلات التي يزرع بها ويحرث بها، وهكذا توفير مضخات المياه وغيرها مما يكون به حفظ الأرض. هكذا أيضًا من هذه المسائل والأحكام قالوا: العامل يملك حصته بظهور الثمرة، العامل يملك حصته أي من الثمار بماذا؟ بظهور الثمرة، إذا ظهرت الثمرة وبدأ ظهورها، فيثبت هنا حق العامل في أن يأخذ حصته من هذا الذي يخرج من هذه الأرض من الثمار. وهكذا من هذه المسائل: أنه يجوز لكل أو لكل من المتعاقدين أن يفسخ العقد متى شاء، لأن عقد المساقاة والمزارعة عقد جائز وليس بلازم. فما هو الفارق بين العقد الجائز والعقد اللازم؟ هذا يأتي كثيرًا في أبواب البيوع، يقال: هذا عقد لازم، وهذا عقد جائز، فما هو الفارق بين اللازم والجائز؟ اللازم: ما لا يجوز لأحد من الطرفين أن يتراجع عن العقد. وبعض العقود قد يكون لازمًا في حق طرف وجائزًا في حق طرف آخر، مثل الرهن، قلنا: لازم في حق الراهن وجائز في حق المرتهن، صاحب الدين، صاحب الدين التاجر الغني. وبعضها يكون لازمًا للطرفين كالبيع، إلا إذا اشترط أحدهما على الآخر الخيار. طيب، والجائز يا نجيب؟ هذا اللازم لا يجوز لأحد الطرفين أن يتراجع عن العقد. والجائز عكسه. والجائز معروف، جائز يعني ما هو الذي يجوز؟ يجوز للطرفين التراجع عن العقد وفسخه. فعقد المساقاة والمزارعة يعتبران من العقود الجائزة غير اللازمة. فإن انفسخ العقد وقد ظهر الثمر، فيكون الثمر بين المتعاقدين على حسب ما اتفق واشترط، يعطي صاحب الأرض للعامل ما اتفق عليه من نصف أو ربع أو ثلث أو غير ذلك. طيب، وإن انفسخ العقد قبل بدوء، وقبل ظهور الثمرة، وقبل طلوع الزرع، إذا انفسخ العقد قبل ظهور الثمرة وقبل طلوع الزرع، لاحظوا يا إخوان: إذا كان الفسخ جاء من قبل العامل المزارع، فلا شيء له، لأنه بفسخه للعقد رضي بإسقاط حقه، مثله مثل المضارب: شخص عمل في مال شخص، وقبل أن يأتي شيء ربح، عدنا في أرباح، ما زال في طور التأسيس والإنشاء، يأتي المضارب العامل يقول: «يا فلان، أنا ما أريد أشتغل، ما أريد أعمل معك»، طيب اصبر يا أخي ستأتي الأرباح وتأخذ نسبتك، قال: «لا، أنا ما أريد أشتغل»، ماذا يعطى؟ لا يعطى شيئًا. لكن إذا كان الفسخ من قبل مالك الأرض، صاحب الأرض قال للعامل: «يا فلان، أنت ما تصلح تشتغل في المزرعة، خلاص يلا خذ أغراضك وتوكل على الله وابحث لك عن عمل آخر»، هنا يختلف يا إخوان، هنا يختلف، فيعطى العامل أجرة، أجرة عمله الذي عمله. طيب، وهكذا أيضًا من هذه المسائل ذكروا أن لو حصل العقد بين العامل وصاحب الأرض في مدة، وهذه المدة الغالب أن الثمرة تكمل فيها، تكمل فيها، مثلاً مدة تسعة أشهر، العقد بينهما خلال التسعة الأشهر، مثلاً النخيل قد بدا ثمره وبدا صلاحه وقطعت ثماره، مرت المدة كاملة، فلم تنتج الأشجار ثمارًا، بقي العامل ينتظر: أين التمر؟ لا أصفر ولا أحمر، خلصت التسعة الأشهر، مضى موسم الخريف. طيب، ما هو الحل الآن؟ هل يجب على صاحب الأرض أن يعوض العامل لأن العامل سيخرج وليس معه شيء وإنما جهد وتعب بذله في خلال العمل؟ الجواب: لا، لا يلزم صاحب الأرض أن يعطي العامل شيئًا إذا كانت الأرض لم تخرج ثمارًا، لم تخرج ثمارًا. فهذه مجموعة من الأحكام والمسائل المتعلقة بالمساقاة، ويأتي بعدها ويذكر رحمه الله تعالى أحاديث لها شيء من التعلق بما سبق إلا أنها يتركز الكلام فيها حول الإجارة والكراء، والكراء والإجارة وهي كذلك أيضًا من المباحث التي يحتاج إليها كثيرًا. فذكر رحمه الله تعالى: قال عن رافع بن خديج: «كنا أكثر الأنصار حقلًا، وكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه»، يعني لنا نحن أصحاب الأرض هذه البقعة من الأرض، ولهم أي للعمال والأجراء، أما تلك؟ قال: «فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه»، قال: «فنهانا عن ذلك»، أي النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن ذلك. قال: «فأما الورق فلم ينهنا»، الورق، ما هو المقصود به يا حسن؟ ما هو المقصود بالورق؟ الفضة. أحسن. فإجارة الأرض مقابل الذهب والفضة والمال فهذا جائز، هذا جائز. وولى مسلم عن حنظلة بن قيس، وحنظلة بن قيس هذا الأنصاري الزرقي المدني تابعي ثقة، كان فقيهًا لكنه كان قليل الحديث، روى عن بعض الصحابة كعثمان بن عفان، وروى عنه جماعة من التابعين منهم الإمام الزهري رحمه الله تعالى. قال: «ولى مسلم عن حنظلة بن قيس قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق». كراء، ما معنى الكراء يا أبا أسامة؟ ما معنى الكراء؟ تركب على سيارة من طيبة إلى الشحر يقول لك: «هات الكراء»، تريد الذهاب عمرة من المكلة إلى مكة تحجز تذكرة تدفع الكراء، ما هو الكراء يا عبد الرحمن؟ الأجرة. أحسن. الكراء أي الأجرة. قال: «عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال أي رافع بن خديج: لا بأس به، إنما كان الناس يؤجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما على الماذينات، على الماذي، على الماذيانات». والماذيانات هذا يعني كلمة أصلها ليس بعربي لكن استخدمها العرب وأطلقوها على الأنهار الكبيرة، الأنهار الكبيرة. قال: «وأقبالي الجداول». الجداول جمع ما مفرده؟ الجداول جمع ما مفرده، نعم، جمع ما مفرده جداول، المثنى جدولان، والمفرد جدول. أحسن. فما هو الجدول؟ ما هو الجدول يا أبا ناظم؟ عندكم جداول في الصيق هناك، ما هو الجدول؟ العتم. طيب، ما هو الجدول يا أبا الحسن؟ نعم، أحسن. الجدول هو النهر الصغير، نهر صغير يقال له جدول. وقوله: «وأقبالي الجداول» يعني بداياتها، هذه أماكن غالبًا تكون صالحة لماذا؟ للزراعة، والزراعة بها تكون طيبة. قال: «وأشياء من الزرع، قال: فيهلك هذا ويسلم هذا، ولم يكن للناس كرا إلا هذا، إلا هذا، قال: لذلك زجر عنه، قال: فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به». قال المصنف: الماذيانات الأنهار الكبار، والجدول النهر الصغير، النهر الصغير. وهذه أو هذين الحديثين يتعلقان بحكم كراء الأرض، تأجير الأرض بشيء معلوم، وهكذا بيان الشروط الفاسدة في هذا العقد. وقول رافع بن خديج: «كنا أكثر الأنصار حقلًا»، والحقل يطلق على الأرض التي تزرع، يقال حقل، جمعه حقول، جمعه حقول، وقد يطلق على الزرع نفسه، ومنه سميت المحاقلة التي سبق معنا الكلام عنها. وفي هذين الحديثين بيان لما يتعلق بإجارة الأرض الصحيحة، وما هي الإجارة الفاسدة. وذكر رافع بن خديج أنهم كانوا أكثر الأنصار حقلًا ومزارع وبساتين، فكانوا يكرونها كراء جاهليًا، فيعطون الأرض لكي تزرع على أن للمالك جزءًا معينًا وللعامل جزءًا آخر، الجزء الأحسن والأطيب من الذي سيأخذه المالك أم العامل؟ في الغالب يا أبا أحمد: المالك في الغالب يأخذ الأماكن الخصبة التي تصلح لزراعة وهكذا إنتاج أكثر، إنتاج أكثر، فتحصل المفسدة، لربما ينتج هذا ولا ينتج ذاك، وقد يحصل العكس، وقد يحصل العكس. فانهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه المعاملة لما فيها من الغرر والجهالة، ولما فيها من المخاطرة، فهي تعتبر بابًا من أبواب الميسر، وما دار بين المغنم والمغرم فهذا يعتبر بابًا من أبواب الميسر وهو محرم لا يجوز. إذن ما هو الحل؟ الحل أن الشخص إذا استكرى واستأجر أرضًا فلا بد أن يعلم الإيجار، ما إيجاره؟ قال: إيجارها مثلاً كذا كذا مال، عشر آلاف أو مئة ألف في السنة، أو إيجارها عشرين صاعًا من التمر أو عشر مكاييل من البر، وهكذا يكون شيئًا معروفًا وشيئًا معلومًا، ولا يكون شيئًا مجهولًا. وأما إذا كان سيعطيه الأرض ومقابل ذلك أن العامل يعمل ويشتغل ويأخذ مثلاً النصف ويعطي لصاحب الأرض النصف الآخر، فهذا ماذا يسمى؟ يا سالم، ماذا يسمى؟ أه، إذا كان سيعطي سيعطي العامل والمزارع الأرض ويقول ويقول له: «خذ اشتغل فيها وآخر الموسم أو آخر السنة تدفع مئة ألف ريال يمني أو عليك أن تحضر خمسين صاعًا من التمر أو عشرين مكيالًا من البر»، هذه أجرة، شيء معلوم معروف. لكن إذا قال له: «اشتغل واعمل، وإذا حصدت الإنتاج وجمعت الثمار خذ النصف وهات النصف الآخر»، هذا ماذا يسمى؟ هذا الذي مر معنا في الحديث السابق عبارة عن عقد ماذا؟ عقد طيب. أحسنت، نعم يا أبا عبد الرحمن: عقد مشاركة، ماذا يسمى؟ نعم، ماذا يطلق عليه إذا كان في أرض؟ أحياناً يأتيك صاحب الأرض والأشجار موجودة، يقول: «سق الأرض»، وأحيانًا تجدها أرضًا صافية، يقول: «هذه الحبوب وهذا الماء اشتغل». طيب، أحسنت، قاربت. ولما؟ نعم، أنت جديد صح؟ مرحبا بك، أهلا سهلا. طيب يا أبا خالد، يا أبا خالد، ماذا يسمى؟ أنا بعد المغرب أتكلم في هذا الموضوع، ماذا يسمى عقد؟ إما أن تكون الأشجار موجودة نخل، يقال: «خلاص هذا الماء سقي النخل، وإذا جمعت الثمار فبالنصف أنا وأنت»، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل خيبر، وقد يكون ماذا؟ الأرض صافية، خذ هذه الحبوب وهذا الماء اشتغل، ماذا يسمى هذا العقد من عقود المشاركة؟ مزارعة أو مساقاة. واضح: مساقاة أو مزارعة. فسيكون ماذا من هذا القبيل؟ إذن لا بد نفرق يا إخوان بين الإجارة وبين المساقاة والمزارعة. المساقاة والمزارعة يكون عقد بين صاحب الأرض والعامل على جزء من الثمار أو من الغلة التي تخرج من الأرض، يكون شيئًا مشاعًا معلومًا كربع، نصف، ثلث، إلى غيره مما يتفق عليه. أما إذا قال له: «هذا النخل اشتغل فيه وأريد مقابل ذلك مثلاً خمسة أوسق من التمر»، لا، ما يجوز، لأن النخيل قد يخرج كثير وقد يخرج قليل، ويدور الأمر بين المغنم والمغرم، فيكون بابًا من أبواب الميسر، بابًا من أبواب الميسر. لكن في الإجارة لا بد أن تحدد الأجرة، لا بد: كم الأجرة؟ قال: الأجرة مثلاً عشر جرام ذهب أو خمسمائة جرام فضة، أو مثلاً مئة ألف ريال يمني، أو مثلاً خمسون مكيالًا من البر، أو عشر صاعًا من التمر، شيء معروف، هذا يعتبر إيجارًا. فالإيجار يا إخوان في اللغة مأخوذ من الأجر وهو العوض، ومنه سمي الثواب الذي يناله العامل للعمل الصالح أجرًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، أجر من أحسن عملًا. وفي الشرع عبارة عن تمليك منفعة بعوض، تمليك ليس تمليك الشيء وإنما تمليك الانتفاع بالشيء مقابل عوض. على سبيل المثال: بنى شخص دارًا، قال: «من يستأجر؟» فأتى شخص قال: «أنا أستأجر»، قال: «سآخذ عليك كل شهر خمسين ألفًا». طيب، الآن لما يأخذ منه خمسين ألفًا، هل معنى ذلك أنه باع البيت له؟ الجواب: لا، الدار ملكًا لصاحبها، وإنما ملكه الانتفاع بها، أعطاه المفاتيح، أتى بعفشه وأغراضه، جعل يسكن فيها هو وأسرته وهكذا. فتمليك منفعة بعوض يسمى أجرًا. والإجارة مشروعة، فربنا عز وجل يقول في الأم إذا أرضعت ولدها وبينها وبين والده خلاف: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، فآتوهن أجورهن. وهكذا قوله عز وجل في قصة موسى مع صاحب مدين: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، القوي الأمين. واستأجر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق في رحلة الهجرة رجلًا خريتًا، يعني ماهرًا بطرق الصحراء، خريتًا، وماذا؟ ليدلهم على الطريق، كما في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى. جاء في حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: ثلاثة، أي أصناف من الناس، أنا خصمهم يوم القيامة». الله عز وجل يقول: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فلما استوفى منه عمله لم يعطه أجره، لم يعطه أجره». أخرجه البخاري وغيره. وفي حديث ابن عمر عند ابن ماجه وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». ونقل الإجماع على مشروعية الإجارة، قال ابن قدامة: «وأجمع أهل العلم في كل عصر وكل مصر، أي بلد، على جواز الإجارة، إلا ما حكي أو إلا ما يحكى عن عبد الرحمن الأصم». فنقل الإجماع على ذلك، والحاجة تدعو إلى مشروعية الإجارة، فليس كل أحد يا إخوان يستطيع أن يبني بيتًا، وليس كل أحد سيسافر يملك سيارة أو دراجة أو سفينة أو طائرة، إذن ماذا؟ يحتاج إلى ما يركب، ويحتاج إلى مكان يسكن. وهكذا كم من الناس معهم أموال يبنون بيوتًا ويشترون مركوبات لا يحتاجونها، فتحصل المنفعة من الطرفين، من المؤجر وهكذا أيضًا من المستأجر. وهكذا قل في غيرها من الصنائع: استأجر عامل يبني جدارًا أو نجارًا يصلح بابًا أو حمالًا يحمل أغراضًا، فهذه من المنافع المتبادلة بين الطرفين، ولهذا جعل الله تعالى الإجارة طريقًا للرزق، حتى أن أكثر المكاسب التي يتكسب بها الناس هو من قبيل هذه الحرف وهذه الصنائع التي يُعطى العامل فيها أجرًا. طيب، هناك بعض المسائل وبعض الأحكام والشروط التي تتعلق بالإيجارة، نؤخر الحديث عنها إلى الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرًا، شكرًا، شكرًا.