الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 84، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح الشيخ أن الإفراط في المزاح يفقد طالب العلم هيبته ويميت قلبه، بينما العسر فيه ينفر الناس، مستشهداً بقوله تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ الداعي للين والاعتدال. ويؤكد على ضرورة ترك الصرامة الرسمية عند دخول البيت ليرضي أهله، مع النهي عن اقتحام حديث اثنين دون إذن تشبهاً بالمتسلق للجدار.
ينهى المتحدث عن اقتحام مجالس الحديث الخاص بين شخصين معتبراً ذلك من خوار المروءة وسوء الأدب، ويشدّد على مراعاة مشاعر الآخرين وتجنب المواقف المحرجة. ويذكر أن طلاب العلم أولى بالتحلي بهذه الآداب لأنهم قدوة للناس.
يختتم الشيخ الجلسة بالاكتفاء بما ذُكر من الآداب والنصائح، ثم يصلي على النبي محمد وآله ويحمد الله رب العالمين. ويفوض العلم لله تعالى مختتماً المجلس بالدعاء والثناء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع خاتمة هذه الحلية المباركة، ألا وهي حلية طالبي العلم للشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ونحن مع نواقض هذه الحلية التي ختم بها المصنف رحمه الله تعالى هذه الحلية، التي لا تزيد طالب العلم إلا حسناً وجمالاً مع حسنه وجماله. ومر معنا من نواقض هذه الحلية فيما مضى: إفشاء السر، وهكذا نقل الكلام من قوم إلى آخرين، وهكذا الصلف واللسانة. وآخر ما مر معنا هو الكلام حول كثرة المزاح، فالمزاح كالبَحْلَحِ في الطعام: إذا زاد أضر، وإذا قل أضر. وهكذا بالنسبة للمزاح لدى المسلم عموماً، وطالب العلم على وجه الخصوص: لا يكثر من المزاح فتقل هيبته وتذهب مروءته، وهكذا لربما يؤدي ذلك إلى أثر في قلبه: يكثر المزاح فيكثر الضحك فيموت القلب. وبالمقابل يا إخوان، لا يكون الشخص عسر المزاح؛ كلما جاء شخص يداعبه وينبسط معه في الحديث: ما في ضحك، ما في مرح، ما في بشاشة. هذا يا إخوان يكون مبغوضاً، لا يحب الناس مجالسته. والنبي صلى الله عليه وسلم أدبه ربه بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. لاحظوا يا إخوان هذه آداب عظيمة. ولهذا مر معنا بعض مزاح النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، إلا أنه كان عليه الصلاة والسلام إذا مزح لا يقول إلا حقاً. حتى الرجل في بيته، في البيت يا إخوان: الأب مع أبنائه، والزوج مع زوجته، وهكذا الابن والأخ، ينبغي يا إخوان أن يكون الشخص سهلاً، أن يكون ليناً رفيقاً، فيدخل السرور والسعادة على البيت وأهله، على البيت وأهله، لا يكون شديد الحزم والصرامة. قال بعض أهل التربية، بل بعض العلماء: إذا دخل الرجل إلى البيت يجعل عقله في زاوية. قد يكون عسكرياً، قد يكون مدرساً، إلى غيرها، يحب الانضباط، يحب الحزم. لكن إذا دخلت إلى البيت لا، ضع عقلك بعيداً، وتعامل مع الأطفال الصغار، تنزل إلى شيء مما يدخل السرور عليهم، مع الزوجة: انبساط ومداعبة وملاعبة، مع الأم: مرح وفرح وسرور. وهكذا يكون الشخص سبباً في إسعاد نفسه وسعادة غيره. قال رحمه الله تعالى: «خامساً: والدخول في حديث بين اثنين». بين اثنين، وهذا يا إخوان من الأمور التي يكرهها الناس: اثنان يتحدثان في موضوع، فيأتي ويدخل بينهم: السلام عليكم، ويدخل بينهم. هذا يصفه شيخ العثيمين رحمه الله قال: «كالمتسلق للجدار، لم يأتِ البيوت من أبوابها». قد يكون معهم موضوع خاص، موضوع خاص لا يحبان أن يطلع عليه شخص آخر. طيب، أنت حين أن تأتي سيسكتان ويقطعان الحديث، ينتظران متى ستذهب وتنصرف، متى تذهب وتنصرف. ولهذا يا إخوان، لو تذكرون في آداب الجمعة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الداخل إلى المسجد: ماذا؟ أن يفرق بين اثنين. اثنان يجلسان جنباً إلى جنب، يأتي فيفرق بينهم. الله أكبر، ويركع أو يجلس. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وهذا يعتبر من خوار المروءة، يعتبر من خوار المروءة. فلهذا يا إخوان، إذا كان اثنان يتحدثان وأنت تعلم أنهما يتحدثان في حديث خاص، غالباً لا يحبان أحداً أن يطلع عليه وأن يسمع له، فهنا يا إخوان يبقى الواحد بعيداً حتى يرى أنهما قد انتهيا من الحديث، فعندها بعد ذلك ممكن أن يأتي ويدخل بينهما. وهذا يا إخوان مما يدخل في باب مراعاة المشاعر، مراعاة المشاعر، وأن الشخص لا ينبغي أن يكون ثقيلاً، لا ينبغي أن يكون ثقيلاً، وإنما يراعي أحوال الناس، يراعي أحوال الناس. وقد بسبب ذلك أنه يدخل في حديث الناس قد يلقى ما لا يسر: فقد يجلس فيقول له أحد الجالسين: «لو سمحت، معنا موضوع». ماذا سيقع في نفسه؟ سيقع في نفسه حرج وضيق، ويغضب: «ليش يقول لي هكذا؟». الخطأ أولاً كان منك أنك أقحمت نفسك في حديثهم ومجلسهم، وهما لا يحبان ولا يريدان أحداً أن يسمع، وفي نفس الوقت لا يريدان أن يقطع الحديث، لربما لأهميته، لأهميته. فهذا من الآداب التي ينبغي أن يراعيها الناس، وطلاب العلم يا إخوان على وجه الخصوص هم أولى وأحرى بالتحلي بمثل هذه الآداب. لا تقس نفسك على الآخرين، لا تقس نفسك على الآخرين، لأن الآخرين هم ينظرون إليك بمنظار القدوة والأسوة، فإذا فعلت عيباً احتجوا بهذا العيب على ماذا؟ على خطائهم وعلى غلطهم، كما مر معنا في هذه الحلية المباركة. وهكذا أيضاً سبق معنا في منظومة الإلبيري رحمه الله تعالى، كذلكم أيضاً أشار إلى أشياء من هذا القبيل. طيب، نكتفي بهذا. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.