شرح السنة للإمام البربهاري 145

شرح السنة للإمام البربهاري 145

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 145، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير السلف من البدع وأهلها

يستمر المؤلف في سرد الآثار عن سلفنا الصالح في التحذير من البدع وأهلها، ويشرح أثر الفضيل بن عياض الذي يحث على مفارقة أهل البدع. يشدد على خطورة مخالطتهم ومجالستهم.

كيفية التعامل مع المبتدعة

ينبغي للمسلم أن يقطع حبال الاتصال بأهل البدع ويظهر لهم المهانة، مع الحفاظ على الهجر الجميل. يجب معاملتهم بالهوان والذل دون إساءة أو تجاوز.

الهجر الجميل وأخلاق السلف مع المخالفين

يُناقش مفهوم الهجر الجميل وأهمية التحلي بالأخلاق الحسنة في التعامل مع المخالفين، ويستشهد بأقوال السلف الصالح مثل ابن تيمية وابن القيم. يُظهر كيف كان السلف يمارسون الهجر الجميل.

ختام الكلام في المسألة

يختم المتحدث كلامه حول مسألة معينة بالإشارة إلى نهج السلف الصالح وموقفهم منها، ويذكر كلام القاضي الفضيل بن عياض.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال الفضيل بن عياض: من جلس مع صاحب بدعة في طريق، فجز في طريق غيره. في هذا الفصل، والذي لا زال فيه المؤلف رحمه الله تعالى يورد لنا الآثار المروية عن سلفنا الصالح في بيان ما يتعلق بمفهوم أهل السنة وتحذيرهم من البدع ومن أهلها، فهذا الأثر هو من الآثار التي تعبد ما مر من الآثار من التحذير من مجالسة ومخالطة أهل البدع. فقال رحمه الله تعالى: من جلس مع صاحب بدعة في طريق، فجز في طريق غيره، أي أنك مر يا عبد الله في طريق غير طريقه، وهذا كما قلنا من المفارقة. وهذه المفارقة تحمل على أمرين اثنين، إما أنها تحمل من باب الحذر منه، أنك تحذر منه وتحذر من شره وتحذر من خبثه وتخشى كذلك من مكره وكيده، فلا تمر أمامه ولا تمر بجانبه حتى تسلم منه. ومن هنا تأتي مسألة، وهذا فيه بيان على حسم مادة اللقاء، أي أمر وأي طريقة أو سلوك يؤدي إلى ملاقات أهل البدع، فإنك تقطعها ولو كان المرور فقط المرور، وهذا المرور يؤدي إلى أن تتلاقى معه في وسط الطريق، فاترك هذا الطريق له، وهذا من باب تحذير السلف وعظم تحذيره من شر المبتدعة. وأنك لا تجعل أي حبل من حبال اللقاء معهم، إذا كان ذلك في الطريق المار، ومع ذلك حذّر السلف من مجاراتهم ومن مجانبتهم، فما ظنك يا عبد الله بما أبعد من ذلك من الملاطفة والمجالسة والمؤانسة؟ فإن ذلك أعظم وأخطر وأنكى. فهذا المحمل الأول يا عبد الله يحمل على أنك تخالف أهل البدع في طريق غيره، أنك تحذر من شرهم فلا تغتر، وكم من الناس قد اغتر بما اغتر من أهل البدع، إما اغتر بملبسهم أو اغتر بسمتهم أو اغتر كذلك بسمته وهديه. فلهذا أخواني في الله، فمن قطع باب الطريق حتى لا يغتر أحد بهؤلاء، فلا يبقى هناك طريق معهم إلا وقطع، فلا مؤانسة ولا مجالسة ولا كذلك مخاطبة، وغضّ على ذلك يا عبد الله، ما مر قلنا الأدلة كثيرة من الكتاب والسنة تدل على هذا المعنى على عدم مجالسة ومخالطة لأهل البدع، كما قال عليه الصلاة والسلام: من سمع بالدجال فلينأ عنه. فولو كنت على علم ولو كنت على ثبات يا عبد الله، فكذلك احذر، لا تركا لعقلك ولا تغتر بذكائك وبعلمك، فأخشى على نفسك يا عبد الله، فكما قال أهل العلم وكما قال أهل السنة: القلوب ضعيفة والشبه خطافة. ولنا عبر إخواني في الله، كانوا أعظم منا يقينا وأكثر منا علما، لكنهم عندما خالطوا المبتدعة إن غمسوا في ضلالاتهم وتلبسوا بكثير من شبههم، فما عادوا إلى أهل السنة عودا حميدا، إما أنهم يرتكسوا على أم رؤوسهم وإما أنهم يرجعوا بمنهج ملفق، وذلك على إثر ما أخذوه من شبه أهل بدع بعد مجالستهم ومؤانستهم. فالسلام يا عبد الله، وسلام لقلبك، وسلام لدينك، أنك تقطع حبال الود، بل أي حبال ليس حبال الود، بل أي حبل من حبال اتصال بأهل بدع، عليك أن تقطعها كما قال فضيل رحمه الله تعالى: قال فجز في طريق غيره. قلنا هذا المحمل الأول، وهو يحمل على التحذير، يحمل على التحذير منهم. وكذلك هناك محمل آخر يحمل عليه هذا الأثر، وهو أنه يحمل على إظهار المهانة لأهل البدع، وهم ليس لهم كرامة وليس لهم حفاوة أبدا، وهذا الذي ينبغي أن يتعامل به المسلمون مع أهل الأهواء. ألا نجعل لهم التكريم ولا التشريف، بل أظهر لهم يا عبد الله أنهم في رتبة دون هذه الرتبة، وأعلمهم بأنهم كذلك ليسوا محل عظم وتشريف. ولهذا كان من أثر سلفنا الصالح أنهم يفعلون أفعالا فيها يظهرون هوان المبتدعة. فترى المبتدع من طريق، أعرض عنه وذهب في طريق غيره، وبهذا يحس أنهم في مقام ليس بمقام محمود وليس بمقام يرغب به. وهذا طريق من الهجر الذي كان عليه سلفنا الصالح، فالعرّاب عنهم وترك حلقاتهم وترك مجالسهم، فإن قام قائم منهم في مكان، فاخرج من هذا المكان، هذا هوان له. وإن رأيته تجمع عليه الناس، فاذهب في طريق غيره، وهكذا. فيحمل هذه الآثار كذلك مع الحذر والتحذير من شبههم، يحمل كذلك على أنك تعطيهم شيئا من الهوان والذل. وكيف لا، وكيف ينعم أهل البدع في هذه الدنيا، وهم قد فعلوا في دين الله ما فعلوا من التلاعب والانغماس في الشهوات والتطاول على دين الله جل وعلا بالتحريف والتأويل والتعطيل؟ فلابد أن يعرفوا أن منزلتهم في مجتمع المسلمين ماذا؟ المجتمع المرتبة الدنيا، وليس لهم مرتبة العليا، فلا حفاوة ولا كرامة لهم حتى يتوبوا وينيبوا ويرجعوا إلى الله جل وعلا ويتركوا هذه الضلالات. مع التنبيه إخواني في الله، أنه مع هذا الفعل ومع هذه المعاملة من هجران أهل البدع، إلا أنه ينبغي أن يتحلى من هجر المبتدع أن يتحلى بالخلق العظيم، بالخلق العظيم، وهذا الذي سماه ربنا جل وعلا بالهجر الجميل. فالأسف أن بعض من الناس فهم من هذه المسألة مسألة الهجران وإظهار الهوان لأهل البدع، أنه اتخذ طريقة ليست بالطريقة الصحيحة التي أرشد إليها ربنا جل وعلا، وكان عليه عمل سلفنا الصالح في الصدر الأول وإلى يومنا هذا. فإن بعض الناس لربما يتخذ من الهجر ما فيه إساءة لدينه وما فيه إساءة لخلقه. مثاله تجد أن بعض الناس يريد أن يظهر الهجران لأهل البدع ويريد أن يظهر الهوان لأهل البدع، فما الذي يفعله؟ فتجده يفعل أشياء تخل بدينه، مثاله كما نرى من بعض الناس، ترى إذا مر مبتدع عمامته، تراه يسبه ويلعنه ويشتمه. أنت يا ابن كذا يا ابن كذا، ثم بل يأتيه بأوصاف قبيحة بذكر أوصاف الحيوانات، الكلاب والبهائم والدواب والأفاعي والعنز والمعز، ما هذا؟ ما يجوز هذا؟ يقول هذا من باب الولوج والولوغ في الهجران، لا يا عبد الله، هذا ليس بالهجران الذي أمر الله جل وعلا به. أمر ربنا جل وعلا به الهجر الجميل، وقد قال من قال من أهل السنة ومن أهل السلف من علامات تفسير في قوله تعالى: الهجر الجميل، قال هو الخالي من الذنب والإساءة. الهجر الجميل هو الخالي من ذنب وإساءة، هذا هجر تهجر بحيث لا تذنب ولا تفعل أشياء تسئ في دينك. يعني انظر ما الذي فعله القاضي الفضيل، قال: إذا رأيت مبتدعا في طريق، هل قالك تدخل وتضيق عليه في طريق، تجعله على الحائط وترمي به في الأرض؟ قال: أجز في طريق غيره، هذا هجران لا أكون بجميل، بحيث لا يلحقك ماذا؟ مذمة في دينك أو في خلقك أو في أدبك. ولهذا سيقول ابن القيم رحمه الله تعالى كما في بدائع الفوائد، قال: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول عن قوله سبحانه وتعالى: الصبر الجميل والهجر الجميل والصفح الجميل، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: الصبر الجميل الذي لا شكوى معه، والهجر الجميل الذي لا أذى معه، والصفح الجميل الذي لا عتاب معه. قال: الصبر الجميل الذي لا شكوى معه، والهجر الجميل الذي لا أذى معه، والصفح الجميل الذي لا عتاب معه. شاهدونا الهجر الجميل، وهو الذي لا أذى معه، اهجر لكن بغير أذية. انظر كيف كان سلفنا يأتيه مبتدع، يا إمام كلم يقول لا، ولا كلمة، لا يسبه لا يصفعه لا يضربه لا يفعل كما يفعل بعض الناس إذا مر أحد المخالفين. تنخب بصقه تحت قدمه، ما شهد هذا، هذا ليس هجرا جميلا. ما كان سلفنا صالح سلفنا صالحهم الذين أغير الناس على دين الله ومن الذين أدرى أدرى بشرع الله عز وجل، ما قام بهذا الهجر، هجروا ترك المجالسة عدم المؤانسة الخروج عنهم عدم الكلام معهم أخذوا طريقة غير طريقهم، هذا هو الهجر الجميل. أما التعدي ما يخل بالأدب ما يخل كذلك بكمال الآداب إذا أمرنا بها، ما ينبغي هذا. فيعبد الله أهجر لكن هجرا جميلا. وللأسف نرى بعض الناس ما يتزم بهذه الآداب ولا بهذه الأخلاق، كما قلنا إن تكلم عن المخالف ما رعى فيه إلا ولا ذمة، تكلم في دينه وتكلم في عقله وتكلم في عرضه واستهزأ به واستخف به واشبه بالحيوانات. ونهى عن باقي النجاسات، ذكر البراز وذكر الفساء وذكر البول، ما هذا يا عبد الله؟ ما ينبغي هذا، ما كان هذا عليه عمل سلفنا الصالح. نعم نحن أمرنا بالهجر لكن بالهجر الجميل، كما قال العلماء هو الخالي من ذنب وإساءة. لأن عبرة ولأنه كما قال أمثال كثير من حال سلفنا الصالح ابتلاهم الله بعتات المبتدعة، كيف كانوا معهم بالتحذير؟ بل كما قد مر معنا بل حتى اللعن كما قلنا اختلف العلماء في لعن المبتدع بعينه هل يلعن أم لا يلعن؟ من أهل علم من ترك هذا الباب، لماذا؟ قلنا قال صون اللسان. كما نقع إمام أحمد رحمه الله تعالى لما قيل له كما قال ابنه: يا أبتي لماذا تلعن رؤوس المبتدعة؟ قال: متى رأيت أباك يلعن أحدا؟ ما كان هذا من سمت أهل السنة أو سمت أهل إيمان أن يكثر من اللعن، فبعضهم احترز عن اللعن لا لأن هؤلاء لا يستحقون اللعن، بل يستحقون اللعن لكن صون اللسان حتى لا تقع اللسان فيها ماذا؟ هذه الصفة التي تكون شبه ديمومة اللعن والسب، فما يجوز. فإخواني في الله، فينبغي أن أفهم من هذه الآثار كيف كان سلفنا الصالح هم نعم أظهروا مفارقتهم لأهل البدع مفارقتهم لأهل أهواء، لكن انظروا مر مبتدع في طريق، جز أنت في طريق غيره، إما حذرا من شبهه وإظهارا بهوانه، لكن هل أنك تمر ثم تجرف وتضرب وتصفع وتنظر أهل أحد عن يمينك أو عن يسارك ثم تتنخم في وجهه؟ لا يا عبد الله، ما هذا الذي كان عليه أمر سلفنا الصالح. فهذا إخواني في الله ما يتعلق بهذه المسألة وما يتعلق بهذا المبحث من كلام القاضي الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى إلى هنا والله تعالى أعلم.