المحاضرة بعنوان آيات الحج مسائل وأحكام، مجلس علمي والذي كان بمسجد ابن عباس بمنطقة زغفة بالشحر يوم الخميس 24 ذو القعدة 1446هـ الموافق 22 مايو 2025م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع تفسير آيات الحج في سورة البقرة مبيناً خلاف العلماء في دلالة آية الإتمام على وجوب الحج والعمرة أو مجرد وجوب إتمامهما بعد الشروع. كما يستعرض خلافهم في وقت فرض الحج وهل العمرة واجبة مع ذكر أدلة الفريقين وإجماع العلماء على وجوب إتمام الحج والعمرة لمن شرع فيهما.
يشرح المقطع حكم من جامع زوجته وهو محرم مبيناً بطلان النسك ووجوب البدنة والإتمام والقضاء، ويناقش وجوب إتمام الحج بمجرد الشروع وخلاف العلماء في الإحرام قبل الميقات واشتراط النية. ثم يفصل مفهوم الإحصار بأنواعه وكيفية تحلل المحصر بذبح الهدي في موضعه واختلاف العلماء في وجوبه ومكانه.
يستعرض المقطع محظورات الإحرام من رفث وفسوق وجدال مبيناً أن الجماع هو المفسد الوحيد للحج، ويوضح حكم الفدية بصيام أو صدقة أو نسك لمن ارتكب محظوراً لعذر. كما يبين خيارات فدية حلق الرأس للأذى من صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة مع توضيح مقادير الصاع والمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل أن يسر لنا هذا اللقاء المبارك بإذن الله إن شاء الله تعالى، ويجعله سبحانه وتعالى لقاء فيه نفع وفائدة، وفيه أيضًا بركة. فهذا اللقاء كما قد سمعتم هو تفسير لآيات الحج التي وردت في كتاب الله جل وعلا، ولأن الوقت لا يسع لتفسير الآيات كلها، لكن نأخذ الآيات التي جمعت أحكامًا كثيرة في الحج، وأيضًا بعض الآيات التي أشارت إلى بعض الأحكام قد نأخذها ضمنا في تفسير الآيات، نأخذها ضمنا في تفسير الآيات بإذن الله جل وعلا. وإن شاء الله تعالى نبدأ، لأن الوقت لا يسعفنا، نبدأ إن شاء الله تعالى، ويقرأ علينا أخونا الشيخ أبو خليل حفظه الله هذه بعض آيات الحج التي إن شاء الله تعالى نبدأ في مسائلها وإحكامها. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. فهذه الآيات التي وردت في سورة البقرة في أحكام الحج. فأولًا: قال الله عز وجل: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. وهذه الآية استدل بها بعض العلماء كابن حزم رحمه الله على وجوب الحج والعمرة، وأن وجوب الحج والعمرة بهذه الآية. وكثير من أهل العلم أبوا هذا المفهوم، على أن هذه الآية ليس فيها أمر بالحج والعمرة، وإنما فيها الإتمام، إتمام الحج والعمرة لله جل وعلا. ومن هذا بُنيت مسائل في هذا الباب، من ذلك أولًا: متى فرض الحج؟ متى فرضه الله عز وجل؟ فالشافعي رحمه الله يقول: بهذه الآية هو فرض الحج، مع أن هذه الآية نزلت في صلح الحديبية، في السنة السادسة، في السنة السادسة. وكثير من أهل العلم كمالك وأحمد وغيرهم يقولون: أن فرضية الحج إنما كانت في السنة التاسعة، في نزول قول الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. فهذه الآية قالوا: هي التي أوجب الله عز وجل فيها الحج. ولا شك أن حج بيت الله الحرام من فروض ومن أركان الإسلام، لكن الخلاف حصل في العمرة: هل العمرة واجبة؟ وسواء كانت العمرة مع الحج أو بدون حج، معنى عمرة مفردة، مثلًا من يعتمر في رمضان، فهل العمرة واجبة؟ لابد أن يأتي بالعمرة؟ فهذا فيه خلاف بين أهل العلم. الشافعي وأحمد عندهم أن العمرة واجبة، هو المشهور مذهب أحمد على أن العمرة واجبة. استدل الشافعي بهذه الآية، واستدل أحمد؛ لأن أحمد لا يقول بأن هذه الآية تدل على وجوب الحج والعمرة، وإنما تدل على الإتمام فقط، وأن من شرع في الحج أو في العمرة لا بد أن يتمها ويكملها، لا بد أن يكملهما ويتمهما، وليس فيها الوجوب. لكن أخذ أحمد رحمه الله، ومن كان على هذا المذهب، من بعض الأدلة منها: قول النبي عليه الصلاة والسلام لامرأة لما سألت عن حج أبيها وعمرته، فقال: «حج عن أبيك واعتمري». وأيضًا كذلك استدل بعض أهل العلم بما جاء في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام لما سأله رجل عن الأعمال أو أفضل الأعمال، فقال عليه الصلاة والسلام: «أن تعبد الله وتصلي وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج بيت الله الحرام وتعتمر». وتحج بيت الله الحرام وتعتمر، فذكر العمرة أيضًا كذلك. من هذا أو من الأمور المهمة فذكرها مع الحج، فذكرها مع الحج. وأيضًا استدلوا بما جاء في البخاري وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»، وشبك النبي صلى الله عليه وسلم بين أصابعه: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة». ومعنى ذلك أن العمرة مفروضة كما فرضية الحج، ودخلت أيضًا أعمالها بأعمال الحج. فلذلك فهذه الأدلة التي تستدل بها على وجوب العمرة. وهذا الذي يرجح، أكثر مشايخنا وعلمائنا كالشيخ ابن باز وابن عثيمين واللجنة وغيرهم من أهل العلم يرجحون وجوب العمرة، على أن الإنسان لا بد عليه أن يعتمر ولو مرة واحدة، سواء كانت مع حجته أو سواء كانت عمرة مفردة. أنا مع حجتي إذا كان تمتعًا أو قرانًا، أو أنه يأتي بعمرة مفردة، فلابد أن يأتي بعمرة. وهذه الآية أيضًا في إتمام الحج والعمرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾. قد اتفق العلماء كما ذكر ذلك ابن عبد البر وابن العربي وغيره من العلماء، وكذلك النووي، أن العلماء متفقون على أن من شرع في الحج أو العمرة فيجب عليه إتمامها، ولو فسدت فيجب عليه إتمامهما. وأيضًا ذكر هذا الاتفاق الحافظ ابن كثير عند ذكر هذه الآية، وكذلك القرطبي وغيرهم من أئمة التفسير، ذكروا أنه لا خلاف باتفاق أهل العلم أن من بدأ وشرع في حج أو في عمرة لا بد أن يتم هذا الحج وهذه العمرة، حتى ولو فسد. فلو مثلًا كما جاء عن بعض الصحابة: إذا جامع الرجل امرأته وهو محرم، سواء كان في حج أو سواء كان في عمرة، فإن حجه يكون باطلًا، يفسد هذا الحج، وكذلك تفسد هذه العمرة، وعليه أن يذبح بدنة، يذبح بدنة، وأيضًا كذلك عليه أن يتم حجه أو عمرته، عليه أن يتم حجه أو عمرته، مع أن هذه الحجة غير صحيحة، ويأتي بحجة من قابل، يأتي بحجة من قابل، معنى في العام الثاني يأتي بحجة. وإن كان مثلًا عمرة، فإنه يجب عليه أن يعتمر مرة أخرى، فهذه العمرة باطلة، فيجب عليه أن يعتمر مرة أخرى، إذا كانت هذه العمرة عمرة الإسلام، معنى أول مرة يعتمر العمرة الواجبة. أما إن كان تطوعًا، فلا عليه أن يعتمر، لكن لا بد أن يتمم هذه العمرة. أنا مثلًا لو جاء إنسان مثلًا وذهب إلى مكة لأجل العمرة، وبعد أن أحرم في العمرة وطاف مثلًا، حصل له شيء، معنى جامع امرأته مثلًا، فالآن نقول له: العمرة هذه غير صحيحة، لكن إذا كان طاف يسعى ويحلق ويتحلل، يتحلل بالحلق، وإن كان لم يطف، قلنا له: كمل عمرتك، لا بد أن تكملها، لكن هذه العمرة غير صحيحة. فهذا معنى إتمام الحج والعمرة، وهذا باتفاق أهل العلم على أن من أنشأ حجًا أو عمرة ثم أفسدهما، أو حصر كما سيأتي في الآية، منع، فإنه يبقى عليه أن استطاع أن يتمم الحج والعمرة، فإنه يجب عليه أن يتمم هذا الحج والعمرة. طيب، وهنا أيضًا حصل خلاف في نفس الآية: ما المراد بالإتمام والكمال للحج والعمرة؟ مع أنه كلهم متفقون على أن هذا داخل، من شرع في الحج والعمرة يجب عليه أن يتمهما. ليس مثلًا مثل بعض العبادات، مثلًا خلاف مثلًا بعض أهل العلم في الصلاة، الصلاة بعضهم يقول يجوز مثلًا لإنسان يقطعها إذا كانت تطوع، أو إذا كانت فريضة ثم يحولها إلى نافلة، أجاز كثير من أهل العلم ذلك. وأيضًا بعضهم أجاز أن الإنسان يخرج من الصلاة لأجل الحاجة ولا يكملها، لأن لو خرج فإنه يستأنف صلاة أخرى. بخلاف الحج والعمرة، الحج والعمرة لا بد أن يتم الحج ويكمل بقية الأركان. طيب، ثم أيضًا كما قلنا حصل خلاف: قوله جل وعلا: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾، ما المقصود؟ فمن أهل التفسير من قال: المراد أداؤها، مثل ما جاءت في الكتاب والسنة، مثل معناه أداؤها تامة. وهذا الذي قلناه هنا. وأيضًا من أهل العلم جاء ذلك عن علي بن أبي طالب، وعن جماعة من التابعين، أن قوله جل وعلا: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ أن يهل من بيته، أن يحرم من بيته. وهذا تفسير جاء عن جماعة من السلف، ومن الصحابة، وجاء عن جماعة منهم أنه له أن يهل من قبل الميقات، قبل الميقات. وكره مالك رحمه الله أن يحرم قبل الميقات، وكره مالك أن يحرم قبل الميقات. وتفسير هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم لهذه الآية أن هذا من الإتمام، هو مخالف لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا جاء عن ابن عباس، وعن ابن عمر، وعن غيرهم، أنهم قالوا: لا بد أن يحرم من الميقات، معنى لا بد أن يحرم، السنة أقصد أن يحرم من الميقات. فكره أن يحرم الرجل من غير الميقات. وأجاز أيضًا بعضهم أنه يحرم من بيته، يحرم من بيته. لكن الأفضل والسنة التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن ينشئ الإحرام ونية الحج، أن ينشئها في الميقات، في الميقات، فيقول: «لبيك اللهم عمرة» إن كان متمتعًا، وإن كان قارنًا يقول: «لبيك اللهم عمرة وحجًا»، وإن كان مفردًا يقول: «لبيك اللهم حجًا». فهذا الإحرام، ثم بعد ذلك التلبية تكون في الميقات، كما جاءت في ذلك سنة النبي عليه الصلاة والسلام. لكن من أحرم من بيته، هل إحرامه صحيح؟ نعم إحرامه صحيح. وقد يحتاج الإنسان إلى أن يحرم من بيته لأجل مثلًا أنه لا يعرف الأماكن، أو مثلًا يصعد في طائرة ليس فيها حجاج ولا فيها من المعتمرين، فيحتاج إلى أنه يحرم من مكان أو من المطار، يحرم من المطار، لأنه لا أحد سيخبره بحدود الميقات. وإلا له أن يذهب مثلًا إلى مثلًا إلى جدة، ثم يخرج من جدة إلى الميقات. لكن الأفضل إذا كان هذا الإشكال، فإن له أن يحرم من بيته كما قال كثير من السلف، أو يحرم من المطار الذي يتحرك فيه. طيب، أيضًا استدل العلماء أيضًا بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾، قالوا: فيها وجوب النية، لأن كمال الشيء لا يكون إلا بما يكون من قيام بشروطه، والنية من شروط الحج. وهناك فرق بين النية وبين الإحرام، هناك فرق بين النية والإحرام. النية شرط عند أكثر أهل العلم، بل بعضهم ذكر إجماعًا، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». وأما الإحرام فعند بعض أهل العلم أنه شرط، وبعضهم قال: ركن، وبعضهم عندهم ليس بشرط ولا بركن، لكنه واجب. وهذا الصحيح: أن الإحرام واجب، قولك: «لبيك اللهم عمرة»، هذا يعتبر واجبًا من واجبات الحج، وهو الإهلال بالإحرام، الإهلال بالإحرام. أما النية فلابد منها، النية لابد منها. فلو أن رجلًا حج بدون نية، فحجه غير صحيح. لو مثلًا إنسان أو اعتمر إنسان مثلًا ذهب إلى مكة، قال: ما دمت الآن في مكة سأعتمر، وهو معنى مر من الميقات وليس عنده نية العمرة، فهذا عمرته غير صحيحة، عمرته غير صحيحة، إلا إذا خرج إلى الميقات ونوى العمرة مرة أخرى، معنى نوى العمرة، فيذهب إلى الميقات ثم بعد ذلك يؤدي عمرته. أو إذا كان حجًا أيضًا كذلك. وإلا لو مر من الميقات وهو لم ينو الحج والعمرة، فحجته وعمرته غير صحيحة. أيضًا من أخذ العلماء من هذه الآية أيضًا: قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. بعدما ذكر تمام الحج والعمرة أنه لا بد أن يتمها، إلا إذا حصل له شيء من ذلك. قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، إذا حصل لكم الحصر، والحصر هو المراد به المنع. الحصر المراد به المنع. لكن هل المراد المنع يمنعك عدو، أو يمنعك مرض، أو غير ذلك من الأسباب؟ هذا فيه خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من قال: المانع هو العدو، وهذا قول الشافعي رحمه الله، وجاء ذلك عن ابن عباس: «لا حصر إلا حصر العدو»، قال ابن عباس: «لا حصر إلا حصر العدو». وقال بعض أهل اللغة: أنه أن الله عز وجل قال: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، ولا يقال أحصر إلا إذا كان هناك عدو، وأما إذا لم يكن عدوًا وإنما من مرض، فيقول: حصر. وبعضهم ذكر العكس أيضًا. فالمهم أن هناك من العلماء من قال: أن الإحصار هنا إحصار العدو. إذا أحصر عدوًا، معناه هناك من منعه من قطاع الطريق، أو من الأمراء الذين مثلًا لهم السلطة، فمنعه منعه من الحج، فهذا يسمى إحصار. وهل يسمى المرض وغيره إحصارًا؟ هذا عند أبي حنيفة، وهو قول أيضًا مشهور في مذهب الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام وغيرهم من العلماء، على أنه أيضًا يدخل المرض، يدخل المرض، بل ويدخل أيضًا عند كثير من العلماء أيضًا ما يكون مانعًا من الحج والعمرة. واستدل على هذا القول بما جاء عند أبي داود وغيره من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من مرض أو كسر فقد حل»، أو قال: «من حج فمرض أو كسر فقد حل»، يعني يحل في ذلك المكان، يحل في ذلك المكان. وهذا دليل على أن الكسر والمرض يدخل في الإحصار. وأيضًا مما يدل على ذلك أيضًا ما جاء في الصحيحين في حديث عائشة في البخاري، وحديث ابن عباس في مسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل على ضباعة، ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، بنت الزبير بن عبد المطلب، معنى بنت عم النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت امرأة كبيرة، فدخل عليها النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج وإني أشتكي، معنى أني مريضة، وأريد الحج، تخاف أن يمنعها ذلك المرض من الحج. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أحرمت فاشترطي»، إذا أحرمت فاشترطي. فقالت: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال: «قولي بعد لبيك عمرة أو لبيك حجًا»، قال: «قولي: اللهم محلي حيث حبستني، اللهم محلي حيث حبستني». فهذا الحديث يدل على أن من حصر بمرض أو بغيره، فإنه يعتبر ممن أحصر. وما فائدة هذا الحصر؟ معنى الله عز وجل يقول هنا: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، معنى من لم يتمكن من الحج، من لم يتمكن من الحج أو من العمرة، منعه مانع أو مرض، سوى كان عدوًا أو مرضًا أو غيره، فإنه يتحلل بهدي، يتحلل بهدي، معنى يذبح هديًا ويكفيه. وقد جاء في الحديبية لما أحصر النبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية، وهذه الآية كما قلنا نزلت في الحديبية، أحصر النبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية، أي منع، منعه كفار قريش أن يعتمر في تلك السنة، في السنة السادسة، وصار بعد ذلك فيها صلح الحديبية. فلما أتم النبي عليه الصلاة والسلام الصلح مع كفار قريش، أمر أصحابه أن يحلقوا ويذبحوا، أن يحلقوا ويذبحوا، وهذا كان تحلله عليه الصلاة والسلام، ومن كان معه. فتحلل النبي عليه الصلاة والسلام بالذبح، كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، لأنه كان محرمًا قد أحرم من ذي الحليفة، وتحرك من ذي الحليفة، فلما جاء إلى الحديبية، جاء أن قريش أرسل من يقول له: أنك لا تدخل إلى مكة. أولاً أرسل الحليس بن علقمة، لكنه كان رجلًا سيئًا، ثم أرسل عروة بن مسعود الثقفي، لكن أيضًا لم يحصل بينه وبينه صلح، حتى أرسل سهيل بن عمرو، فأصطلح معه النبي عليه الصلاة والسلام. فلم يذهب بعد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام إلى مكة، وقال: «والذي نفسي بيده، ما يسألونني خطة يعظمون فيها حرم الله إلا أجبتهم عليها». فلذلك كان في الحديبية أن النبي عليه الصلاة والسلام تحلل بالذبح، وهذا معنى الآية: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. ثم قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. طيب، هنا كما ذكرنا أن من أحصر عليه هدي، وهذا قول جمهور العلماء. لكن مالك يقول: إذا ساقه معه، إذا ساق الهدي معه، فإنه يكون عليه هدي، وإذا لم يكن معه هدي لا عليه. لكن الآية فيها الإطلاق: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. لكن إذا أحصر وفاته الحج، بماذا يتحلل؟ إذا أحصر وفاته الحج، ليس العمرة، وإنما فاته حجه، فبماذا يتحلل؟ فإن كان قد أدرك، أدرك الحج، مثلًا منع، جاءه مرض، فأدخل المستشفى، ثم ما قام إلا أو مثلًا صار هذا المرض فيه إلى أيام الحج. فهناك من العلماء من قال: يؤخذ ولو كان مريضًا إلى عرفة، وينعج فيها، ينعج فيها، معناه يحاول أنه يقيمه، وكذا يكون صاحيًا، ما يكون مغمى عليه، ثم بعد ذلك إن استطاع أن يكمل بقية الأركان وبقية الحج، وإلا أكمله بعد أن يذهب ذلك المرض منه. ويقولون أن حجه يكون صحيحًا. وأما إذا لم يستطع أن يذهب إلى عرفة، لم يستطع، أو أنه أفاق بعد أداء الحج، فهناك من العلماء من قال: يتحلل بعمرة، وهذا قول الشافعي رحمه الله، أنه يتحلل بعمرة، بالطواف والسعي، ويأتي بحجته في السنة الثانية، فعن هذه السنة فاتت الحجة، لكن يتحلل بعمرة، تكون هذه العمرة بعد أن يفيق. وأيضًا ذكرنا مسألة الاشتراط، وصحيح أن الاشتراط قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما قد ذكرنا، حديث ضباعة رضي الله، وحديث عائشة في ضباعة بنت الزبير. طيب، قال جل وعلا: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. ومعنى هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، أي حتى لا تحلق رأسك حتى يبلغ الهدي مكانه الذي يذبح فيه. لكن اختلف العلماء هنا: هل هذه الآية على المحصر الذي يحصر، أو هو عام، سوى كان يحصر أو لم يحصر، على أنه لا يحلق حتى يكون الهدي معه وفي المكان الذي سيذبحه فيه؟ فأكثر أهل العلم على أن هذه الآية في المحصر، على أن هذه الآية في من منع من الحج، فإنه يذبح هديه، يذبح هديه، ويكفيه، هذا على الصحيح يكفيه في التحلل، يكفيه في التحلل. ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، ومعنى الآية ليس معنى أنه لا تحلق حتى تذبح، لا، وإنما المراد أنك لا تحلق حتى يكون الهدي موجودًا في المكان الذي ستذبحه فيه، تحلق ثم تذبح، مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. فلذلك فقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، المراد به حتى يكون هذا المكان أو هذا الهدي الذي ستذبحه في المكان الذي ستذبحه. وما هو محله؟ محله بعض أهل العلم قال: هو مكان الحصر، المكان الذي يحصر فيه ومنع فيه، فيكون الهدي يذبح ذلك الهدي في ذلك المكان، سوى كان في حل أو في حرم، سوى كان في حل أو في حرم. واستدلوا بما فعله النبي عليه الصلاة والسلام لما ذبح في الحديبية، والمكان الذي كان فيه النبي عليه الصلاة والسلام من الحديبية كان في الحل، كان في الحل، وليس في الحرم. وهناك من العلماء كأبي حنيفة وغيرهم قالوا: لا، لابد أن يذبحه في الحرم، لم يستطع يرسله إلى الحرم. لكن قالوا: لأن هذا الهدي هو موصول إلى الحرم، هديًا بالغ الكعبة، هديًا، وقال الله عز وجل أيضًا في آيات الحج: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، أي محل هذا الهدي إلى البيت العتيق. لكن كما قلنا أن هذا الهدي ليس هو هدي التمتع، وليس هو هدي العمرة، ولا هدي الحج، وإنما هو هدي الإحصار، فهذا هدي الإحصار يذبح في مكانه، في مكان الإحصار الذي حصل. عن إنسان منع مثلًا، منع وهو في مثلًا جدة، منع أن يذهب إلى الحج، منعه مثلًا منعته الدولة، ما عنده التصريح، أو أن تصريحه غير صحيح، فمنع. فهنا يذبح هديه في ذلك المكان الذي يمنع، مثلًا منع في بعض النقاط التي قبل مكة، قبل أن يدخل مكة، فالذي معنى عليه أنه يأتي بهدي، يشتريه مثلًا من البدو أو غير، ويذبح هديه في ذلك المكان، وليس معنى أنه في نفس المكان في النقطة، لا، يذهب مثلًا منطقة قريبة ويذبح هذا الهدي الذي معه أو الذي سيشتريه. ثم قال ربنا جل وعلا، وهناك قول ابن عباس رضي الله عنه في هذه المسألة، أنه قال: إذا كان يستطيع البعث به إلى الحرم، فوجب عليه، وإلا ينحره في مكان إحصاره. إن كان يستطيع أن يبعثه إلى الحرم، فهذا واجب عليه، وإلا فإنه ينحره في مكان إحصاره. وهذا قول يوفق بين القولين الأولين، من اشترط أن يذبح في الحرم، من اشترط أن يذبح في الحرم، فإن استطاع أن يبعثه، مع ناس، يقول لهم: خذوا هذا الهدي واذبحوه في الحرم، أو يوصي مثلًا من ذاهب، من ذاهب إلى الحرم، ويقول له: اشتر لي هديًا واذبحوه هناك. ثم قال جل وعلا: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾. قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ * فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. هذه الآية، هذه الفقرة التي ذكرها ربنا جل وعلا، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، فهذه في ما يحصل من المحظورات، ما يحصل من المحظورات التي تكون في الإحرام والحج. وقد ذكر ربنا جل وعلا في الآية التي ستأتي جملة من المحظورات، وهي قوله جل وعلا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. الرفث هو الجماع، وما كان نحوه من الكلام الفاحش، أو الكلام الذي يدل على الوطء، معنا حتى لو كان مع زوجته، فيجب عليه أن يبتعد عن الكلام الرفث، الذي يكون في الجماع، مع يكلم زوجته في ذلك، فإنه يجب عليه أن يبتعد عن ذلك. بل أن أكثر العلماء يقولون: في هذه الآية في الرفث: الجماع وكل مقدماته، وما كان من مقدماته كالتقبيل والمباشرة والكلام وغير ذلك، فإنه لا بد أن يبتعد عن ما يجعله يقع في هذا المحظور، وهو الجماع. وليس هناك محظور يبطل الحج إلا الجماع، ليس هناك محظور يبطل الحج إلا الجماع. فإذا جامع، فحج، معنا المحرم أقصد، إذا جامع المحرم وهو في إحرامه ولم يتحلل بعد، فإنه يكون حجه باطل، إذا لم يتحلل بعد. أما إذا تحلل التحلل الأول، فحجه صحيح، لكن عليه أشياء ذكرها العلماء. فلذلك كما قلنا أن المحظور المفسد في الحج هو الجماع، لا يجوز للمحرم ما دام في إحرامه. أما إذا تحلل، مثلًا إنسان متمتع، ذهب وأحرم من الميقات، ثم طاف وسعى وحلق، فتحلل من العمرة، فيبقى على إحلاله إلى وقت الحج، إلى أن يحرم بالحج في اليوم الثامن. ففي هذا الوقت له أن يأتي أهله، وله أيضًا أن يلبس ما شاء، وله أن يتطيب، وله أشياء من المحرمات، لأنه قد حل. وهذا التحلل يعتبر التحلل بعد العمرة تحللًا أكبر، وهذا للمتمتع فقط. وأما القارن، ليس له تحلل بين العمرة والحج، وكذلك المفرد، يبقى منذ أن يحرم وأن يهل بالإحرام، يبقى على إحرامه إلى اليوم العاشر. فلذلك فهذا الذي معناه: ارتكب شيء من هذه المحظورات، وخاصة كما قلنا الجماع، فهو يفسد حجه. وأيضًا من المحظورات التي ذكرها الله عز وجل: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾، الفسوق هو المعاصي جميعها، فالله عز وجل حذر من أن يأتي الإنسان بمعصية في حرم الله جل وعلا، وخاصة إذا كان حاجًا، فإن حجه لا يكون مبرورًا. والله عز وجل قد قال أيضًا: ﴿فَمَنْ أَرَادَ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. فعن الله عز وجل يقول: من يرد في هذا البيت أو في هذا الحرم بظلم، فإن الله عز وجل يعاقبه. حتى قال مجاهد: قال: لو همّ من عدن أبي بمعصية، لدخل في هذه الآية، لجعله الله عز وجل نكالًا، دخل في هذه الآية، الذي يهم بعدن، أبي هو في عدن، لكن يقول: معنى يقصد في بلاده، لكن يقول: سأفعل كذا، أو في نيته أنه سيفعل كذا في الحرم، ومن الأمور التي يريد أن يفعلها في الحرم كذا وكذا شيء من المعاصي، فهو يعذبه الله عز وجل. ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. طيب، أيضًا قوله هنا: من المحرمات: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، الجدال الذي يكون بالباطل، أو جدال يكون فيه رفع الأصوات، وأيضًا كذلك فيه من التسخط، ومن السب، وغير ذلك. أما إذا كان نقاشًا علميًا ليس فيه شيء من هذا، فقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يتناقشون في مسائل الحج، وكان النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا يسأل في مسائل الحج، فهذا جائز. لكن المراد هنا: المجادلة التي يكون فيها شيء من هذه الأمور التي ذكرناها، فهذا لا، لا يجوز للمسلم أو للحاج أن يفعلها في حجه، يبتعد عن الخصومات، يبتعد عن الخصومات التي تحصل. فالمجادلة هنا أيضًا من ضمن ها الخصومات، الصياح، ولا يبغي أنه معنا يتصايح مع الناس، سوى كان مع صاحب الفندق أو مع غيرهم من هؤلاء، يحاول أنه يبتعد عن هذا، وإن حصل له شيء من الإشكال يعالجه بالهدوء والرفق، وما يكون فيه صلاحًا. وأما المجادلات التي تحصل من كثير من الناس في حج بيت الله الحرام، مثلًا بعضهم يتجادل لأجل أمور حصلت في الرحلة، بعضهم يتجادل لأجل الأمور مثلًا حصلت في دفع المال، وهكذا، فهذه تدخل أيضًا في الجدال، فالخصومات لها أثر في هذا. فالواجب على الحاج أن يبتعد من هذه الخصومات. فقوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، معنى: من كان مريضًا، ف، من كان مريضًا فأراد، أو هذا مرضه حمله على أن يرتكب شيئًا من المحظورات، أن يرتكب شيئًا من المحظورات، محظورات الإحرام. وهنا قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. يفسر هذا ما جاء في الصحيحين في حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه، فقال كعب: «حملت إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والقمل يتناثر من رأسي»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يؤذيك هوام رأسك؟» قلت: نعم. وجاء في رواية: قال النبي عليه الصلاة والسلام لكعب: «ما أظن أن يبلغ بك هذا المبلغ»، ثم قال له: «احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو اذبح شاة». قال النبي عليه الصلاة والسلام تفسيرًا لهذه الآية: الله عز وجل قال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، قال النبي عليه الصلاة والسلام لكعب: «صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين». وجاء في رواية: «أطعم ستة مساكين بثلاثة آصع». وجاء في رواية أنه قال: «وأطعم ثلاثة آصع»، أو «أطعم بثلاثة آصع»، معنى كل مسكين بنصف صاع، كل مسكين يعطى نصف صاع، مدان من الطعام. والصاع هو أربعة أمداد، بكفي الرجل المعتدل، كما ذكرنا وذكر غيرنا، أنها إما بالكيل، فكال العلماء المد بقصعة السريلاك، أو الكويكر، أو ما كان يشبه هذه العلب، فيكون مد، هذا العلب ملأ تكون مدًا، فأربع منها يكون صاعًا، إثنتان منها يكون نصف صاع. فلذلك فيخرج، فيصوم ثلاثة أيام، أو يصوم، فيصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين، كل مسكين نصف صاع من بر، أو من شعير، أو من غيرها من الأقوات. وأيضًا قال: «أو يذبح شاة»، قال: «أو يذبح شاة». وهذه الأشياء في الفدية مخير، الإنسان أو من حصل له شيء من هذا فاضطر، فاضطر إلى أن يحلق رأسه، أو أن يداوي نفسه، أو مثلًا تشقق الثوب الذي فيه، الذي أحرم فيه، فما وجد إلا ثوبًا