الدرس في قصة لوط عليه السلام 1، لوط - عليه السلام - ودعوة قرية سدوم . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
قصة لوط عليه السلام ودعوته لقومه إلى توحيد الله في قرية السدوم وما حولها. كان قومه مشركين ولا يعبدون الله عز وجل.
قوم لوط ابتلوا بأفعال شنيعة مثل اللواط وقطع الطريق، وكانوا يرتكبونها علانية دون حياء. دعا لوط قومه إلى ترك الرذائل لكنهم لم ينصتوا له.
حذر لوط قومه من أفعالهم المشينة لكنهم هددوه بالطرد، وطلبوا تعجيل العذاب. تم تأجيل تفاصيل الإيمان والعذاب لدرس قادم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في دروس خلت كان الفراغ والانتهاء من ذكر قصة إبراهيم عليه السلام كما جاء في القرآن الكريم، وها نحن ننتقل إلى نبي آخر من أنبياء الله، لكننا لن نبعد عن إبراهيم عليه السلام، لأننا قد أشرنا حين تناولنا إبراهيم عليه السلام، ذكرنا بعض الأنبياء جاء ذكرهم في خضم قصته، وأشرنا حينها بأننا سنعود عليهم بشيء من التفصيل، ومن هؤلاء نبي الله لوط عليه السلام، فهو نبي من أنبياء الله، وقد ذكرناه استطرادًا في دروس مضت، وهذا أوان ذكر لوط عليه السلام على حدة في معرفة دعوته، وبالذي أرسل إليه، ومن أرسل إليهم، وكيف كانت المآلات. لوط عليه السلام ذكر في القرآن في عدة سور، وبلغ تعداد اسمه في القرآن سبعة وعشرين مرة، ذكر في القرآن سبعة وعشرين مرة، وجاء ذكره في سور عديدة من القرآن، في سورة الأعراف، والشعراء، والعنكبوت، وفي سورة هود، وغيرها من السور، تارة تأتي قصته مفصلة، وتارة تأتي مختصرة مجملة. إبراهيم ولوط عليه السلام له علاقة قرابة بإبراهيم، فهو ابن أخيه، ذكر المؤرخون أن لإبراهيم عليه السلام أخ يقال له هاران، وهذا الأخ له ابن وهو لوط، وهو لوط إذن يعتبر ابن أخ إبراهيم، فيقول لوط لإبراهيم: «عم»، هذا عمي، فإبراهيم عليه السلام له علاقة قرابة بلوط عليه السلام. بدأ عندما ظهرت الدعوة لإبراهيم عليه السلام، وفي قضية الإحراق التي مضت معنا، ظهر صيته عليه السلام، فكان من أول من آمن بمعجزته، وبهذه الآية العظيمة لوط عليه السلام، فكان أول من آمن بإبراهيم، بل إن صح التعبير لا نقول أول من آمن، بل نقول هو الوحيد الذي آمن، هو الوحيد الذي آمن كما قال العلماء، فآمن لوط عليه السلام بإبراهيم، وذهب معه مهاجرًا إلى بلاد الشام، كما قال سبحانه: ﴿فآمن له لوط﴾. وحين استقر المقام بإبراهيم عليه السلام في فلسطين، وكان لوط معه، نزل الوحي على لوط لأنه حينها عندما هاجر لم يكن من أنبياء الله، وإنما كان من الأتباع، فلما استقر المقام بإبراهيم في أرض فلسطين، تنزلت النبوة على لوط عليه السلام، كما قال سبحانه: ﴿ولوٓطًا آتيناه حكمًا وعلما﴾، فحينها لما تحمل الرسالة، انتقل لوط عليه السلام داعيًا إلى منطقة ثانية، وهي صوب جهة الأردن، إلى جهة الأردن، إلى هذه المنطقة ما بين أردن وفلسطين، في قرية أو قرى يقال لها السدوم. وفي الحقيقة كما سيأتي معنا، هي عدة قرى عدة قرى متقاربة، لكن كان من أعظمها هذه القرية قرية السدوم، هذه نزل فيها لوط عليه السلام يدعو الناس إلى الله عز وجل، إلى توحيده، لو نظرنا إلى حال هذه القرية التي أرسل إليهم لوط عليه السلام، كانوا أولًا من الكفرة، وكانوا من المشركين، فما كانوا يعبدون الله عز وجل، ولهذا حرص لوط عليه السلام إلى دعوتهم إلى توحيد الله سبحانه وتعالى. أضف إلى ذلك أن هؤلاء ابتلوا ببعض الأفعال الشنعاء التي تستنكر والتي تستقبح، ومن أعظم ما يذكر عنهم من الأعمال الشنيعة ما كان من فعلهم لفاحشة اللوط، ما كان من فعلهم لفاحشة اللوط، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ولوٓطًا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة﴾، مع بيان على أن هذه الفاحشة التي صدرت منهم تعتبر أول قوم قد أظهرها، لم تكن تعرف من قبل، لم يكن الأسلاف ولا الأمم تعرف هذه القبيحة وهذه الدسيسة الخبيثة. فقال لوط: ﴿ولوٓطًا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾، ما هناك أحد من الأمم والحضارات كان يفعل ذلك حتى جئتم أنتم وفعلتم هذه الفعلة الشنيعة، ولم تكن هذه الفعلة التي تواطؤوا عليها يفعلونها بالستر أو بشيء من التخفي، بل كانوا يبدونها نهارًا جهارًا، كما قال سبحانه: ﴿ولوٓطًا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون﴾، يعني تفعلون هكذا، يعني ويكأنها من الأمور العادية الاعتيادية التي لا نكير على فاعلها، وهذا إن دل دل على عظيم تفشي هذه الفاحشة المنكرة بينهم. وهذه الفاحشة ليست هي الوحيدة، بل هناك أفعال مما ذكر عنهم من أفعالهم ما كان من قطع السبيل، من قطع الطريق، فكانوا يقطعون الطريق على المسافر، قيل أن قطع السبيل كان له علاقة بأمر الفاحشة، فقيل مثلًا ما قاله جماعة من المفسرين أنهم كانوا يقطعون السبيل فيغتصبون الرجال، وقيل أنهم كانوا يقطعون السبيل فلا يدعون أحدًا يمر على قراهم حتى لا يفتضح أمرهم، حتى لا يفتضح أمرهم عند الناس، فكانوا يمنعون المارة، ما أحد يمر، فكان الناس يمرون من بعيد. قيل هذا وهو القول الثاني على أنهم قطعوا السبيل عن الناس حتى لا يمروا بين جنبات بيوتهم فيرون هذا المنكر الفضيع، وذكر ابن كثير رحمه الله تعالى ما هو على ظاهر الحقيقة، على أن قطع السبيل أنهم كانوا يقتلون الناس ويأخذون الأموال، يقتلون الناس ويأخذون الأموال، فكان هذا هو قطع الطريق والسبيل. كذلك من فعل هؤلاء من أفعال الشنيعة أنهم كانوا يأتون في ناديهم المنكر، والنادي يطلق على مجلس القوم، مجلس القوم المكان الذي يجتمع فيه الناس، كما يقال الديوانية، كما يقال محل الاجتماعات، وغير ذلك من الأماكن التي يجتمع فيها الناس، في هذه الأماكن والأصل فيها أن الناس يظهر محاسن الآداب ومكارم الأخلاق، وما يستحسن ذكره وفعله، إلا أن هؤلاء طمست بصائرهم، فكانوا يفعلون في ناديهم المنكر كل ما يستقبح ويستشنع فعله أو قوله، كانوا يفعلونه في النادي، أي في هذا المجمع. واختلف المفسرون ما هذا المنكر الذي كان يصدر منهم في تجمعاتهم، قيل العري، كانوا يتعرون، وكل آخر يرى عورة الثاني، لا حياء ولا خجل، ومنهم من قال أنهم كانوا يفعلون هذه الفاحشة، فاحشة اللواط، يفعلونها فيما بينهم، لا عتب على أحد منهم، وقيل أنهم كانوا يتضارطون، أي الفساء والضراط، وكانوا يتضاحكون، نقل هذا في كتب التفاسير عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن هذا هو المنكر، لكن الإسناد ضعيف، لم يثبت هذا عن عائشة رضي الله تعالى عنها بأن هذا هو المنكر. وقيل أنهم كانوا في ناديهم المنكر كانوا يناطحون بين الكباش، ويناقرون بين الديكة، وهذا العمل لا زال في بلاد الغرب والكفر مسابقات نطح الكباش والمناقرة بين الديكة، هكذا كانت اجتماعاتهم على هذه الأعمال الرذيلة، وقيل أنهم كانوا يؤذون المارة، يؤذون المارة برميهم بالحصى وبالأذى وبالكلام والسباب، ويتضاحكون على هذا الفعل السخيف. فالشاهد ليس عندنا نص صريح صحيح في بيان ما هو المنكر، لكنها كلمة عامة تحمل في طياتها كل ما يستقبح فعله أو قوله، كانوا يأتونه في ناديهم، وفي مجامعهم، أي ما عندهم لا خلق ولا عندهم أدب أبدًا. أمام وخضم هذه الرذائل والفواحش انتدب لوط عليه السلام بدعوة هؤلاء، بدعوة الناس إلى وحدانية الله جل وعلا، وإلى ترك الرذائل، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون﴾، كان لوحده عليه السلام أمام هذا المجتمع الضال المنحرف الشاذ، أخذ يذكرهم بالله جل في علاه، ويخبرهم بأنه مبعوث من عند الله رسول أمين، أمنه الله على الوحي، وأنه لا نجاة ولا نجاح مما هم فيه إلا بالتوبة إلى الله، فاتقوا الله وأطيعون، أطيعوني بما عندي من الوحي، سأدلكم على طريق النجاح مما أنتم فيه. وكان كذلك من دعوته أنه كان يحذرهم من هذه الأفعال التي فعلوها، قال: «إنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر»، فكذلك مع الدعوة إلى توحيد الله، حريص على أنه يربيهم على البعد عن هذه الأمور النكرى. لكن قومه ومن بعث إليهم كيف كان أمرهم؟ أمرهم أنهم قد بلغوا في الغي مبلغًا عظيمًا، قد أشربوا في قلوبهم الشهوات والنزوات، وحب الفواحش والرذائل، ولهذا لم ينصت للوط عليه السلام، وإنما هددوه، وإنما هددوه، كما قال سبحانه وتعالى حاكيًا عنهم: ﴿قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين﴾، سنخرجك، سنطردك من قريتنا، فرد عليهم: «إني لعملكم من القالين»، قال بمعنى أني مبغض لعملكم، لا تظنون إن سكت، إن سكت ليس سكوتي عن رضا عن فعلكم، بل إني بريء من أفعالكم، ولأبغض ما تأتونه، إني لعملكم من القالين. فانظر يا عبد الله إلى ردة هؤلاء، هددوه بالخروج، على ماذا؟ على ماذا يهدد بالخروج؟ ما الذي فعل؟ هل آذاهم بقوله؟ هل آذاهم بفعل؟ حسبه أنه يدعوهم إلى ما فيه الصلاح لهم في دينهم، ولكذلك في دنياهم، في دنياهم بأن يرتفعوا عن هذه الرذائل، كما قال سبحانه في آية أخرى: ﴿أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون﴾، وهذا من الأعاجيب أن تكون العفة تهمة، العفة تهمة، إنهم أناس يتطهرون، أي هذا الذي يتطهر يترفع عن الرذائل، هذا يخرج، ما نريده، إذا ما الذي يبقى؟ يبقى الفاحش، يبقى المتفحش، يبقى الرذيل الخبيث. وهكذا هي المجتمعات إذا استمرت الفواحش، فإنها ما تعيش إلا عليها، كالحشرات والميكروبات الذي ما تعيش إلا في المجاري، ما تعيش إلا في المجاري، وبعض الحيوانات ما تعيش إلا في الظلام، إن أخرجت إلى النور ما تعيش، وهذا الذي يعيش في المجاري إن أخرج إلى مياه صالحة للشرب مات، وهكذا هم أهل الشهوات، فيرون أن بقاءهم هي حياتهم في هذه الرذائل. فقالوا: «أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون»، وسيأتي معنا بإذن الله في درس غد كيف إسلام أو إيمان من آمن معه، إذ أنه لم يؤمن مع لوط إلا القلة من من آمن به، وسيأتي معنا ما يتعلق بإتيان الملائكة، إذ أنهم أي أن قوم لوط طلبوا من لوط عليه السلام أن يتعجل لهم بالعذاب، فكان الأمر كما كان بإذن الله، نلقي الأضواء على هذه المسائل في درس غد. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.