الخطبة بعنوان صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش بتاريخ 21 ذو القعدة 1447هـ الموافق 8 مايو 2026م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
فرض الحج في السنة التاسعة ولم يحد النبي صلى الله عليه وسلم إلا في السنة العاشرة، وأهمية تعلم أحكام الحج قبل أدائه. النبي صلى الله عليه وسلم لم يحد إلا مرة واحدة في حياته.
استعداد النبي صلى الله عليه وسلم للحج، حيث اغتسل وتطيب قبل الإحرام، ثم أهل بالحج وبدأ التلبية. يشرح أنواع النسك في الحج: الإفراد والقران والتمتع، وأحكام الطواف حول الكعبة.
يتوجه الحاج إلى عرفة ويقف فيها يدعو، ثم يذهب إلى المزدلفة ويصلي فيها المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا، ثم يتوجه إلى منى ويرمي جمرة العقبة. يبين أحكام رمي الجمار بسبع حصيات مع التكبير.
يشرح أحكام طواف الوداع عند مغادرة مكة، ويبين جواز الجمع بين طواف الإفاضة وطواف الوداع، وأحكام طواف الوداع في الحج والعمرة. طواف الوداع واجب على الحاج قبل مغادرة مكة.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم. حج بيت الله الحرام ركن عظيم من أركان الإسلام العظام، وقد فرض الحج في السنة التاسعة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكنه لم يحد عليه الصلاة والسلام إلا في السنة العاشرة، وذلك لأجل أن يهيئ البيت الحرام ومشاعر الحج أن تكون على توحيد الله عز وجل وطاعته، وعلى ما يحب رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يوافق سنته. وإن من أحكام الحج أن يكمله فقيه أيام منى برمي الجمار الثلاث: الصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى، يرمي كل موضع بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويدعو عند الأولى والثانية، ولا يدعو عند الثالثة. وقد روى الصحابة أكثر من عشرين صحابيًا أحاديث صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم. صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم خطبة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الله بن مرعي حفظه الله تعالى، كانت بتاريخ الواحد والعشرين من شهر ذي القعدة في عام ألف وأربع وأربعين وسبعمائة من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش حرسه الله. إن الحمد لله، أحمده تعالى ونستعين ونستغفره، فنعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. يخبر الله عز وجل في هذه الآية العظيمة بوجوب حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا، وأن من لم يفعل ذلك فإنه يكون من الكافرين. والكفر هنا كفران، كفر بنعمة الله عز وجل لمن أعطاه الله عز وجل الاستطاعة ولم يذهب ولم يؤد هذا الركن العظيم من أركان هذا الدين العظام. ويكون كفرًا أكبر مخرجًا عن دين الإسلام، لمن ترك ذلك جحودًا، فمن كان كذلك فهو كافر، كفر أكبر يخرج به من دين الإسلام، لأن حج بيت الله الحرام ركن عظيم من أركان الإسلام العظام. ومن أهل العلم من قال: إن من استطاع ولم يحج، ولم يأبه بهذا الواجب، يكون تعمده تركه للحج كفرًا. والراجح الأول، أيها المسلمون عباد الله، أن حج بيت الله الحرام ركن عظيم من أركان الإسلام العظام. وقد فرض الحج في السنة التاسعة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكنه لم يحج عليه الصلاة والسلام إلا في السنة العاشرة، وذلك لأجل أن يهيئ البيت الحرام ومشاعر الحج أن تكون على توحيد الله عز وجل وطاعته، وعلى ما يحب رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يوافق سنته. ولذلك أمر في السنة التاسعة أبا بكر أن يحج بالناس، وفي هذا إيماء وإشارة إلى أن أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ استخلفه في الحج أن يقوم مقامه في المسلمين. وأمر عليًا معه أن ينادي في الناس: «لا يحج بالبيت مشرك، ولا عريان»، وأمرهم أن يحجوا الحج على سنة أهل الإسلام، وأن ينهوا عن كل ما خالف ذلك. وفي هذا جليل على وجوب تهيئة أداء الواجبات على الوجه الذي لا يكون فيه ما ينافيها للشركيات والوثنيات والبدع والخرافات والمخالفات وأنواع السيئات. فأمرهم أن يطهروا البيت حسًا ومعنى، حتى تأتي السنة العاشرة وقد هيئ البيت لحج بيت الله الحرام. وجاء بصحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله، حديث طويل عظيم، وله روايات في الصحيح وخارج الصحيح، يكمّل صفة حج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد روى الصحابة أكثر من عشرين صحابيًا أحاديث صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم. وأول ذلك ما سمعنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل السنة التاسعة سنة يطهر فيها البيت ومنسك الحج حسًا ومعنى من الشركيات والوثنيات والبدع والخرافات والضلالات والسيئات. وأن يطهر كذلك من سائر ما ينافيه، فيكون قد هيئ أن يحج المسلمون، وهو في غاية القربة الحسية والمعنوية. ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قعد خلال السنة التاسعة يعلم الناس أحكام الحج، ويعلمهم مناسك الحج، كما جاء ذلك عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج للحج بليال، كما جاء في حديث ابن عمر، ومعناه من حديث ابن عباس: كان يجلس بالمسجد فيعلم الناس أحكام الحج، من أحكام المواقيت الزمانية والمكانية ومحظورات الحج وغير ذلك من الأحكام. وفي هذا دليل، معاشر المسلمين، أن من أراد أن يذهب لحج بيت الله الحرام، فعليه أن يتفقه في مناسك الحج، ويتعلم. ويتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «تعلموا مني وخذوا عني مناسككم». لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قعد أشهرًا يعلم الناس أحكام الحج ومناسكهم فيها. وكذلك قعد أياما يكثف التعليم عليه الصلاة والسلام. ولهذا يستحق اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، أن تكون الدورات العلمية للحجاج لمن عزم حج بيت الله الحرام قبل أن يخرجوا إلى الحج ببضعة أيام قبل سفرهم، يعلمون أحكام الحج، ويأخذون دورة تعليمية تفصيلية فيها ما يحتاجونه من الحج، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، إذ كان يجلس في المسجد ويعلم أصحابه أحكام الحج عليه الصلاة والسلام. فلما عزم النبي صلى الله عليه وسلم على الخروج، خرج قبل شهر ذي الحجة بأربع ليال، وأخبر الناس أنه خارج للحج، فتهيأ الناس من كل مكان يخرجون يريدون الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم. منهم الراكب، ومنهم الماشي، فاجتمع جمع غفير مع النبي صلى الله عليه وسلم. قيل: إن من حج مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجته حجة الوداع كانوا قرابة مئة ألف حاج. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذي الحليفة، فصلى بها ركعتين. وكان قد علمهم وأخبرهم أن ذا الحليفة دون سائر المواقيت المكانية واد مبارك، وأن الصلاة فيها فيها فضل. فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن اغتسل وتهيأ للحج، ثم قبل أن يصعد على راحلته تطيب وطيّب، كما قالت عائشة رضي الله عنها: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله قبل إحرامه، وحين أن رمى جمرة العقبة. فتطيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل الإحرام والدخول فيه. والإحرام له معنيان: لباس الإحرام الذي يلبس، وهذا لا يضر في أن يفعل المحرم محظورات الإحرام، وإنما يحرم عليه المحظورات من لبس المأخيط ونحوه، وكذلك مس شعره أو ظهره أو مس القمل. إنما يمنع من ذلك إذا دخل بنسك الإحرام بأن يلبي ويدخل بنية الحج أو نية العمرة. فتطيب النبي صلى الله عليه وسلم، وبقي أثر القمل في نفرق رأسه وشعره ولحيته عليه الصلاة والسلام. ثم أهل بالحج: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك». لبى بالتلبية، والناس يلبون بتلبيته عليه الصلاة والسلام. قال جابر بن عبد الله: فنظرت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم مد بصري الناس بين يديه، وكذلك عن يمينه، وكذلك عن شماله، وكذلك من خلفه. وهذا معناه: أن الناس قد أخبروا وهيئوا للخروج إلى الحج، فكانوا جمعًا غفيرًا، كلهم يريد أن يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم ويقتدي به. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة حتى قرب من مكة عليه الصلاة والسلام والصحابة معهم رضي الله عنهم وأرضاهم. وكان دخل مكة لأربع من ذي الحجة، يعني أخذ ثمانية أيام بين خروجه من المدينة إلى وصوله إلى مكة عليه الصلاة والسلام. وفي الطريق إذا صعد منضدًا كبر، وإذا نزل سبح. ولا يزال يلبي ويلبون بتلبيته. وكلما مر بمكان قال: «كأني بموسى هاهنا يلبي». ولأجل جؤار يذكرهم بحج رسل الله عليه الصلاة والسلام، وأن يقتدوا بهم في التلبية ورفع الصوت في التلبية لمن لا يشق عليه ذلك. حتى إذا قرب عليه الصلاة والسلام من مكة أمرهم عليه الصلاة والسلام أن يتهيأوا للدخول إلى مكة. وبدأ يمهد لهم في فضل العمرة لمن لم يسق الهدي. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ساق الهدي، أي أنه أخذ هديه الذي سيدفعه وينحره في مكة معه من المدينة عليه الصلاة والسلام. وكذلك عليه جاء من اليمن كما صح ذلك عنه. وفي حديث جابر ومعه هدي. وكان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله: «بماذا أهللت يا علي؟» قال: «قلت أهللت بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم». فأمر النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة من كان قد ساق الهدي يبقى على إحرامه، ومن لم يسق الهدي فإنه يحل ويجعلها عمرة. وعلم العلماء من هذا ومن أحاديث أخرى: أن الحج ثلاثة أنساك: الإفراد، وهو أن يفرد بالحج لمن كان قد أتى بالعمرة من قبل، أو ينوي أن يأتي بها من بعد. وهذا يبقى على إحرامه حتى ينتهي من الحج كاملًا. والثاني القران، وهو كذلك مثل الأول، إلا أنه يأتي بعمرة يدخلها على الحج، ويشترط له أن يكون قد ساق الهدي. قال بعض أهل العلم: ذلك والصحيح أنه لا يشترط له، بل يجوز القران لمن لم يسق الهدي، ولكن من ساق الهدي فلا يسعه إلا القران كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لو استقبلت من أمري ما استقبلت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة». والثالث وهو الأفضل التمتع، وهو أن يأتي بعمرة يتحلل منها قبل يوم التاسع، ثم يأتي بالحج بعد ذلك، فيكون بين العمرة والحج تحللًا. وهذا هو التمتع، ويكون على المتمتع هديا، وعلى القارن هديا، وليس على المفرد هدي كما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن ضاق عليه الوقت أو صار له مرض أو المرأة كذلك أصابها الحيض، فإنها تدخل العمرة على الحج كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر عائشة حين حاضت أن تدخل العمرة على الحج، فتكون قارنة. وإن كانت لم تسق الهدي. وفي قول: أنها ساقت الهدي. والصحيح أنها لم تسق الهدي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أمرها بالتحلل، ولكن لأنها حاضت أمرها أن تدخل العمرة على الحج. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها عند ذلك أن تكون قارنة لهذا العذر. أيها المسلمون، هذا بعض من الأحكام ينبغي أن نتعلم وأن نتفقه في هذه الأحكام لنقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في أداء هذه الفريضة على أكمل وجوهها. فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بدأ به أنه اغتسل قبل أن يذهب بات بها ليلة في مدخلها. فلما أصبح اغتسل عليه الصلاة والسلام لأجل أن يذهب إلى البيت وهو قد تطهر حسًا ومعنى. وتجهز للطواف، وهذا من التجمل الذي يحبه الله سبحانه وتعالى كما قال جل وعلا: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. وفيه كذلك عدم إيذاء الطائفين بالروائح التي قد تكون مرافقة للمسافر. فينبغي لمن أراد أن يدخل بيت الله الحرام ويستحب له أن يتطهر ويغتسل، ويتأكد ذلك إن كان فيه آثار السفر وروائحه وغير ذلك. فإن هذا من التجمل والتعظيم لحرمات الله وشعائر الله. ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم من باب منى الشيبي والذي يسمى اليوم باب السلام. وكل موضع يكون أيسر لمن يدخل البيت الحرام يكون ذاك هو المستحب. ثم يأتي إلى موضع الحجر الأسود ويبتدئ به فيقبله إن استطاع، أو يقبل بيده أو بالعصى التي معه أو يشير إشارة ويقول: «بسم الله» في أول شوط «الله أكبر» معلنا أن الله أكبر من كل شيء. ويطوف سبعة أشواط يبتدئ بالصفا يبتدئ بالحجر وينتهي إليه. وبين الركنين اليمانيين يقول: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». يرمل في الأشواط الثلاثة ويمشي في البقية الأربعة. فإذا انتهى فإنه يأتي إلى صلاة ركعتين يجعل المقام بينه وبين البيت إن استطاع، أو صلى في أي مكان كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويتلو الآية كما جاء في رواية بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. فإذا صلى ركعتين صلى في الركعة الأولى بقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وفي الثانية بقول: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. ثم يرجع إلى البيت فيستلمه ويستلم الحجر إن استطاع. وإن لم يتيسر له أو شق عليه بسبب الزحام فلا حرج في ذلك. وكل هذا قد روي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم يتجه للصفا فيقرأ الآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. ثم يستقبل البيت ويقول ثلاثًا: «لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك له الحمد وهو على كل شيء قدير». ثم يرفع يديه فيدعو دعاء قويًا ويكرر ذلك ثلاثًا. وفي هذا الموضع ليس في «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» قوله: «يحيي ويميت»، بل بدون قوله: «يحيي ويميت». فينتبه لهذا. ثم يسعى فينزل من الصفا. فإذا وصل الوادي سعى سعيًا قدر استطاعته. حتى إذا انتهى من الوادي وبدأ يصعد فإنه يمشي مشيته التي كان يمشيها. ويفعل هذا سبع مرات يبتدئ بالصفا وينتهي بالمروة. من الصفا إلى المروة شوط، ومن المروة إلى الصفا شوط. حتى ينتهي من سبعة أشواط يفعل بكل شوط كما فعل من قبل. وبين العلمين وهو الموضع الذي عليه الضوء الأخضر وجعل له علامات الآن يسعى اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم واقتداءً لأم إسماعيل عليه الصلاة والسلام. فإذا انتهى من ذلك فإن كان متمتعًا فإنه يتحلل بالحلق أو التقصير. فإن كان الحج قريبًا فإنه يقصر، وإن كان بعيدًا فإنه يحلق. وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثًا. فإذا انتهى من ذلك فإن المتمتع يتحلل، والقارن والمفرد يبقى على إحرامه كما سمعنا في هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته. فإذا كان يوم الثامن وكان النبي صلى الله عليه وسلم وعلم أصحابه ذلك بعد الانتهاء من العمرة. يخرج من الحرم ونزل عليه الصلاة والسلام بالأبطح. والأبطح هو موضع بين منى وبين الحرم، وهو اليوم ما يسمى بمسجد الأبطح أو يسمى بالمعابدة. فإن ذلك الموضع هو الذي نزل فيه النبي صلى الله عليه وسلم لأجل أولًا أن يرفق بمن يريد العمرة أو يريد الطواف حتى لا يكون الزحام في البيت. وكذلك لأجل أن يتفرغ للدعاء والعبادة وغير ذلك. وكان ربما زار البيت في المساء عليه الصلاة والسلام كما كان يفعل أيام إمارة مكة. وكذلك في الأبطح كما روينا. وهكذا إذا كان يبقى على هذا حتى إذا كان يوم الثامن ذهب قبل الظهر إلى منى عليه الصلاة والسلام. فصل الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر من يوم التاسع كل صلاة في وقتها. ويقصر الرباعية. والصحيح من أقوال أهل العلم أن هذا القصر قصر نسك وليس قصر سفر. ولذلك قصر وصل بأصحابه ولم يفرق بين أصحاب مكة وغير مكة. وأمر الجميع بهذه السنة عليه الصلاة والسلام. فعلم أن القصر في هذا الموضع هو قصر نسك وليس قصر سفر. فالمكي إذا أتى منى وإن لم يكن سفرًا فإنه يقصر كذلك اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. فإذا كان يوم التاسع فإنه عليه الصلاة والسلام توجه حين أسفر إلى عرفة. وأمر من يسكنه أن يضرب له قبة في نمرة. ونمرة واد قبل دخول عرفة. أي أنه يستحب للحاج إن استطاع أن ينزل في غير عرفة قبل دخول وقت الزوال. فإذا جاء وقت الزوال دخل إلى عرفة وبقي فيها يدعو. والنبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. وكل ما فعله قال: «أنه لا حرج لمن فعل غير ذلك فيما هو أيسر». فاليوم الحجاج قد رتبت لهم منازلهم في منى وفي عرفة وفي مزدلفة. فكذلك يفعلون لأن ذلك الأيسر بهم. فصل بهم النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جمعًا وقصرًا. ثم خطب عليه الصلاة والسلام خطبة عظيمة التي سميت بخطبة عرفة. وفي آخرها وفيها قال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم لحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا». إلى أن ختم خطبته. ثم قال: «إن الله سائلكم عني فما أنتم قائلون؟» قالوا: «نقول شهدنا أنك بلغت وأديت الأمانة». فقال: «اللهم اشهد». فرفع أصبع السبابة إلى السماء وينكثها عليهم يستشهد بقول الصحابة رضي الله عنهم الله عز وجل أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة. ثم نزل من موضعه وتوجه إلى صحراء عرفة. وقال: «وقفتها هنا». وعرفة كلها موقف. فلا يلزم الحاج أن يقف عند الصحاري أو ما يسمى بجبل الرحمة. بل عرفة كلها موضع. ولا ينبغي أن يشق على نفسه ويشق على غيره لتخصيص ذلك المكان. فلما وقف في ذلك الموضع استمر في الدعاء عليه الصلاة والسلام. وأتي له بلبن فشرب لأجل أن يبين للناس أنه مفطر وأنه ليس بصائم. وقد أرشد عليه الصلاة والسلام أن الصيام بعرفة لا يشرع ولا يستحب. من قوله وفعله. وأبان أن صيام عرفة إنما هو لغير الحاج حتى ينال غير الحاج فضل الأعمال الصالحة التي يدرك بها بعض ما يدرك الحاج. ومن ذلك الأعمال الصالحة في عشر ذي الحجة كما جاء بحديث ابن عباس وغيره من الفضائل. فلما غربت الشمس انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وهو يأمر بالسكينة والرفق. حتى أنه شد عنق راحلته فوصل رأسها إلى ركبته. فإذا وجد مكانًا وحبًا يريد الصعود أرخى لها قليلًا. وإذا وجد المكان مستويًا شد عليها حتى لا تؤذي من أمامها. وأمر الناس بالرفق وعدم الإشقاق على أنفسهم وغيرهم بالشدة. فلما وصل مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا. أي قصر العشاء الرباعية. ثم صلى نافلة بين الصلاتين. ثم بقي ليلته عليه الصلاة والسلام. ورخص في تلك الليلة للعجزة والضعفة والنساء ورفقتهم أن يخرجوا بعد منتصف الليل كما جاء معناه في حديث ابن عباس بن عمر وغيرهما رضي الله عنهم وأرضاهم. فإذا خرجوا كذلك القول الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجوز لهم أن يرموا قبل طلوع الفجر. لأنهم رخص لهم بالخروج قبل الفجر. وأما من ليس له عذر فالأفضل هو الأكمل. وقال بعض أهل العلم: بل هو الواجب. والصحيح الأول أن يبقى حتى يصلي الفجر في مزدلفة ويبقى قليلًا ويدعو حتى يسفر جدًا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. ودعا النبي صلى الله عليه وسلم عند المشعر الحرام مستقبل القبلة. وقال: «وقفتها هنا». ومشعر كلها موقف. يعني لا حرج أن يقف الحاج بأي موضع آخر. فلما أتى منى وقبل دخولها مر بوادي محسر فأسرع عليه الصلاة والسلام. وقيل: أنه الموضع الذي عذب فيه أصحاب الفيل. وكان النبي صلى الله عليه وسلم من سنته أنه إذا مر بمواقع أهل العذاب كان يسرع عليه الصلاة والسلام. فلما وصل منى خارجًا من مزدلفة رمى جمرة العقبة. ولا يرمى في اليوم العاشر إلا جمرة العقبة بسبع حصيات. يكبر مع كل حصاة. وبهذا تحلل التحلل الأول على القول الصحيح من أقوال أهل العلم لحديث عائشة المتقدم. فإنه يحل بذلك وتطيب. وطيبت عائشة رضي الله عنها وأرضاها. ثم عمل أعمال اليوم العاشر من الطواف والحلق والذبح. وطواف الإفاضة هو الطواف الذي يتحلل به الحاج التحلل الأصغر فيحل له كل شيء إلا النكاح. وأما النكاح فيحل بالتحلل الأكبر وهو طواف الحج الذي إذا طافه تحلل التحلل الأكبر. فمن فعله في اليوم العاشر تحلل التحلل الأكبر في اليوم العاشر. ومن أخره للمشقة والسفر فإنه يبقى يجوز له التأخير. ولكنه لا يتحلل التحلل الأكبر. وهل يجوز الجمع بين طواف الإفاضة وطواف الوداع؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجوز. والأفضل أن يجعله على طواف الإفاضة. وإذا خرج من مكة وقبل خروجه يطوف طواف الوداع. نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في أمور شرعنا وأن يبصرنا في أمور ديننا ونجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين. «وإن من أحكام الحج أن يكمل بقية أيام منى برمي الجمار الثلاث: الصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى. يرمي كل موضع بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويدعو عند الأولى والثانية، ولا يدعو عند الثالثة». ويستحب كما جاء بحديث جابر رضي الله عنه وغيره أن يتقدم قليلًا يبتعد عن الزحام إلى اليمين فيدعو عند الأولى. ويتأخر بعد الرمي عند الوسطى ويبتعد عن الزحام قليلًا إلى جهة الشمال ويدعو دعاء طويلًا كما فعل في الأولى. وإذا أتى الجمرة الثالثة وهي الكبرى فما رميها بسبع حصيات. وليس عندها دعاء. يفعل ذلك ثلاثة أيام. وهذا هو الأفضل والأتقى. ومن تعجل لسبب أو لآخر فلا حرج عليه كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾. فعلم أن التأخر بثلاثة أيام أفضل وهو الأقرب للتقوى. ولكن من أراد أن يتعجل فعليه أن يخرج قبل غروب الشمس أن يرمي قبل غروب الشمس. فإذا غربت الشمس قبل أن يرمي فعليه أن يبقى اليوم الثالث. أما إذا رمى قبل غروب الشمس ولأجل الزحام لم يستطع الخروج من منى إلا بعد غروب الشمس فلا حرج عليه ولا يلزمه البقاء. وهكذا ينبغي عليه بعد ذلك إذا انتهى أن يطوف طواف الوداع. ويكون بهذا قد انتهى من الحج ومناسكه. وقد خفف عن الحائض وأهل الأعذار طواف الوداع. والصحيح من أقوال أهل العلم أن طواف الوداع إنما شرع في الحج. ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مشروعيته والأمر به في العمرة كما صح بذلك الأدلة الصحيحة الكثيرة. ولم يذكر فيها طواف الوداع في عمرة من العمرات مع كثرة عمرات النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة. وينبغي أن نعلم أن الحاج يحتاج إلى أحكام كثيرة يحتاج أن يتفقهها. ولذلك ينبغي أن يرافق معه في تنقلاته بعض الكتب المختصرة التي تعينه على التفقه والنظر فيها إذا احتاج إلى أن يتأكد من مسألة من المسائل. وكذلك يستعينه بنقاط الفتوى والاستفتاء الكثيرة الموجودة في مواضع تنقلاته. وقد هيئت ذلك بفضل الله سبحانه وتعالى. أيها المسلمون عباد الله، هذه فريضة الحج على وجه الاختصار كما حجها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام. فمن أراد الحج فعليه أن يتفقه في الدين وأن يميز بين الأركان والواجبات والمستحبات. وأن يتعلم الأنساك وكذلك المحظورات والمواقيت الزمانية والمكانية. حتى يؤدي هذه الفريضة على الوجه الذي يحبها الله سبحانه وتعالى. ولا يستوي من أدى عبادة بعلم ومن أدىها بجهل كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فنسأل الله عز وجل أن يفقهنا وإياكم المسلمين وأن يبصرنا أمور شرعنا والدين. ويجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. اللهم أصلح أحوال المسلمين لكل مكان. اللهم أصلح أحوال المسلمين في بلادنا هذه خاصة وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم أصلح أمتنا ولا تؤمرنا واجعل ولايتك بمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم اغفر لنا والمسلمين الأحياء والميتين. اللهم اغفر لنا والمسلمين والأحياء والميتين. اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.