الدرس في من سنن الفطرة 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول شرح حديث النبي حول الختان كجزء من الفطرة، ومعناه لغة واصطلاحا، وأحكامه الشرعية. يُوضح أن الختان مشروع في الإسلام ولا خلاف بين العلماء في ذلك.
يتناول آراء العلماء حول حكم الختان وتوقيته، حيث يُعد واجبًا عند البلوغ. يُذكر أن بعض العلماء يرون أنه مستحب في اليوم السابع من الولادة، بينما يرى آخرون عدم وجود وقت محدد.
يجب على المسلم إزالة شعر العانة، والأفضل حلقه، ويجوز استخدام طرق أخرى. وردت أحاديث تحدد وقتًا لقص الشارب وتقليم الأظافر وإزالة شعر العانة.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَفِي الدَّرْسِ الْمَاضِي -رِعَاكُمْ اللَّهُ- تَكَلَّمْنَا حَوْلَ مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- فِي قَوْلِ نَبِيِّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ». وَبَيَّنَّا الْمَسَائِلَ الْعَامَّةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْفِطْرَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَقْسَامِهَا، وَبِمَعَانِيهَا، وَمِنْ آثَارِهَا، وَحُكْمِهَا. وَمُوَاصِلَةً مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي ذِكْرِ الْمُفْرَدَاتِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ-، وَأَمَّا قَوْلُهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ» لَيْسَتْ حَصْرًا، لَيْسَتْ فِيهَا هَذِهِ الْفِصَالُ مُحْصورة فِي هَذَا الْعَدَدِ. وَسَأَتِي -بِإِذْنِ اللَّهِ- مَعَكُمْ بِبَعْضِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا بَيَانٌ لِأَعْدَادِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيهَا خِصَالُ الْفِطْرَةِ. أَوَّلًا نَنْتَهِي أَوْ نَقِفُ عِنْدَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِذَا انْتَهَيْنَا مِنْهُ نَأْتِي بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي تُعْتَبَرُ مُكَمِّلَةً لِهَذَا الْخِصَالِ. فَقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «الْخِتَانُ». ذَكَرَ نَبِيُّنَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ الْفِطْرَةِ، وَمِنْ خَصَائِصِ الدِّينِ، وَاَلَّتِي عَلَيْهَا الْأَنْبِيَاءُ، وَاَلَّتِي عَلَيْهَا الرُّسُلُ، هِيَ مَاذَا؟ الْخِتَانُ. وَهُنَا مَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْخِتَانِ نَذْكُرُهَا عَلَى عَجَلَةٍ حَتَّى نُعْطِيَ الْمَوْضُوعَ حَقَّهُ، فَمِنْ ذَلِكَ: مَا مَعْنَى الْخِتَانِ؟ قَالَ عُلَمَاءُ اللُّغَةِ: الْخِتَانُ مِنْ «خَتَنَ» أَيْ بِمَعْنَى قَطَعَ، فَالْخَتْنُ بِمَعْنَى الْقَطْعِ. وَأَمَّا مَعْنَاهُ اصْطِلَاحًا: الْخِتَانُ هُوَ قَطْعُ الْقَلَفَةِ الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَةَ. قَالُوا: مَعْنَى الْخِتَانِ هُوَ قَطْعُ الْقَلَفَةِ الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَةَ. وَالْقَلَفَةُ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ جِلْدَةٍ، وَأَمَّا الْحَشَفَةُ فَهِيَ رَأْسُ الذَّكَرِ، أَيْ هَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ. فَالْقَلَفَةُ هِيَ جِلْدَةٌ تُغَطِّي رَأْسَ الذَّكَرِ، فَهَذِهِ الْقَلَفَةُ تُسْتَأْصَلُ وَتُقْطَعُ حَتَّى يَظْهَرَ الْحَشَفَةُ، أَيْ يَظْهَرَ رَأْسُ الذَّكَرِ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْخِتَانِ. فَهَذِهِ الْعَمَلِيَّةُ عِبَارَةٌ عَنْ طَرِيقَةٍ بِهَا تُسْتَأْصَلُ تِلْكَ الْجِلْدَةُ، وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْقَطْعِ أَنْ تَظْهَرَ الْحَشَفَةُ. وَهُنَا تَأْتِي مَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْخِتَانِ، مِنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْخِتَانِ أَنْ نَفْهَمَ أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ مُشْرَعٌ، أَيْ مُشْرَعٌ فِي دِينِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ لِمَشْرُوعِيَةِ هَذَا الْأَمْرِ كَأَصْلٍ. أَصْلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَأَصْلُ هَذَا الْأَمْرِ هُوَ مُشْرَعٌ، وَتَمَّ الْخِلَافُ فِيمَا بَيْنَهُمْ: هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ؟ هَذَا أَمْرٌ آخَرُ. لَكِنَّ هَذِهِ الْعَمَلِيَّةَ، وَهَذَا الِاسْتِئْصَالَ هُوَ أَمْرٌ مُشْرَعٌ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ هُوَ مِنْ مَظَاهِرِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ صِفَاتِ الْمُسْلِمِينَ. بَلْ إِنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ قَرْيَةٌ مِنْ الْقُرَى مِمَّنْ تَدَّعِي الْإِسْلَامَ أَنَّهَا تَوَاطَأَتْ عَلَى تَرْكِ الْخِتَانِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَاتِلَهَا. قَرْيَةٌ مُسْلِمَةٌ فَتَآمَرَتْ وَاجْتَمَعَتْ وَتَكَالَبَتْ وَتَوَاطَأَتْ عَلَى أَنَّهَا لَا تُخْتَنُ لِأَنْفُسِهَا، فَهَذِهِ الْقَرْيَةُ إذَا بَلَغَ أَمْرُهَا لِلْحَاكِمِ فَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَهَا؛ لِأَنَّهَا تَرَكَتْ شَيْئًا اعْتُبِرَ مِنْ صِفَاتِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ هُوَ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَلَا وَهُوَ الْخِتَانُ. وَمِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تُذْكَرُ فِي هَذَا الْبَابِ: مَتَى يَكُونُ وَقْتُ الْخِتَانِ؟ مَتَى يَكُونُ وَقْتُ الْخِتَانِ؟ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ -رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّ لِلْخِتَانِ وَقْتَيْنِ: وَقْتَ اسْتِحْبَابٍ، وَوَقْتَ وُجُوبٍ. وَقْتٌ يَكُونُ فِيهِ الْأَمْرُ مُسْتَحَبًّا، وَوَقْتٌ لَابُدَّ مِنْهُ، أَنْ تُوقِعَ هَذِهِ الْعَمَلِيَّةَ. أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتِ الِاسْتِحْبَابِ، قَدَّرَ الْعُلَمَاءُ عِنْدَ اللِّبَاءِ إلَى مَا قَبْلَ سِنِّ الْبُلُوغِ. قَالُوا: هَذِهِ الْفَتْرَةُ يَكُونُ فِيهَا الِاسْتِحْبَابُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ أَنْ يُخْتِنَ لِصَبِيِّهِ مُسْتَحَبٌّ، لَا يَلْزَمُ فِيهَا، إِنَّمَا يُسْتَحَبُّ. وَاسْتَدَلَّ مَنْ اسْتَدَلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ هَذِهِ الْفَتْرَةِ بِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ فِيهَا الصَّحَابِيُّ -وَمُرَوَّحٌ بْنُ عَبَّاسٍ-: «وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ لِلرَّجُلِ حَتَّى يُدْرِكَ». وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ لِلرَّجُلِ حَتَّى يُدْرِكَ، وَفُسِّرَ هُنَا أَنَّ «يُدْرِكَ» الْاحْتِلَامُ. فَكَانَ هَذَا مِنْ فِعْلِ الْأَوَائِلِ، وَمِنْ فِعْلِ السَّلَفِ -رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّهُ مَا كَانُوا يُخْتِنُونَ حَتَّى سِنِّ الْبُلُوغِ فَيُخْتَنُ. فَقَالُوا: هَذِهِ فَتْرَةُ اسْتِحْبَابٍ. وَأَمَّا فَتْرَةُ الْوُجُوبِ: عِنْدَ الْبُلُوغِ، عِنْدَ الْبُلُوغِ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُخْتِنَ. ثُمَّ نَأْتِي إلَى مَنْ قَالَ بِالِاسْتِحْبَابِ، أَيْ فِي فَتْرَةِ الِاسْتِحْبَابِ مِنْ الْوِلَادَةِ إلَى مَا قَبْلَ الْبُلُوغِ، هَذِهِ فَتْرَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ. بَقِيَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ: هَلْ مُسْتَحَبٌّ فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ يُخْتَنُ فِيهِ لِلصَّبِيِّ؟ ذَهَبَ الْعُلَمَاءُ إلَى التَّحْدِيدِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ: أَنَّهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْتَنَ لِلصَّبِيِّ. وَاسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلَى بَعْضَتِ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ، كَمَا جَاءَ مِنْ الْحَدِيثِ: «جَابِرٌ» وَجَاءَ كَذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَحَادِيثَ مَرْفُوعَةٍ وَمَوْقُوفَةٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اسْتَحَبَّ الْخِتَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ. فَعَنْ مَنْ قَالَ بِتَصْرِيحِهَا، وَعَلَى تَحْسِينِهَا، فَيُعْمَلُ بِهَا، وَيُصَرَّحُ بِاسْتِحْبَابِ وَاخْتِيَارِ هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنْ بَيْنِ ثَالِثِ الْأَيَّامِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ قَدْ اسْتَظْهَرَهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- كَمَا فِي «تَمَامِ الْمِنَّةِ». فَلَوْ بَحَثَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَامَ بِتَحْسِينِ أَوْ تَحْسِينِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ، وَاسْتَخْلَصَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ: عَلَى أَنَّهُ اسْتَحَبَّ التَّحْدِيدَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ لِلْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ وَالْآثَارِ الْمَنْقُولَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى تَضْعِيفِهَا، فَجَعَلَ الْأَمْرَ عَامًّا، الْأَمْرَ جَعَلَهُ عَلَى عُمُومِهِ: فَلَا كَأَنْ تُخْتَنَ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ، الْمُهِمُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الْبُلُوغِ، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الْبُلُوغِ. وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي عَدَمِ تَحْدِيدِ الْأَيَّامِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُقَدِّرَ وَيَكُونَ فِي بَالِهِ أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَ عَجِلَ فِي أَمْرِ الْخِتَانِ كُلَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ. كُلَّمَا عَجِلَ فِي بَابِ الْخِتَانِ كُلَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْجِلْدَةَ تَتَقَوَّى مَعَ الْكِبَرِ، كُلَّمَا كَبِرَ الرَّجُلُ أَوْ طِفْلٌ فِي السِّنِّ، وَدَخَلَ فِي الْعُمُرِ فَإِنَّ هَذِهِ الْجِلْدَةَ تَغْلِبُ. فَاسْتِئْصَالُهَا فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ مَعَ الْكِبَرِ فَإِنَّهَا تَأْتِي بِالْمَضَرَةِ، وَتَأْتِي بِالتَّعَبِ عَلَى هَذَا الصَّغِيرِ. وَلِهَذَا يَنْبَغِي لِلشَّفْقَةِ أَنْ يُعَجَّلَ. وَعُمُومًا يَنْبَغِي أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ حَدَّ الْوُجُوبِ عِنْدَ الْبُلُوغِ. وَلِهَذَا يَقُولُ ابْنُ قَيِّمٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي «تُحْفَةِ الْمَوْدُودِ»: «وَلَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ وَلَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتْرُكَ خِتْنَ الصَّبِيِّ حَتَّى يَجَاوِزَ الْبُلُوغَ». لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتْرُكَ خِتْنَ الصَّبِيِّ حَتَّى يَجَاوِزَ الْبُلُوغَ، أَيْ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ تَتْرُكَهُ أَنْ يَتَعَدَّى مَرْحَلَةَ الْبُلُوغِ وَلَمْ يُخْتَنِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ. وَهَذَا نَقَلَنَا إلَى مِثْلِ: مَا حُكْمُ الْخِتَانِ؟ حُكْمُ الْخِتَانِ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: عَلَى أَنَّ الْخِتَانَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا مَرَّ مَعَنَا أَنَّ السُّنَّةَ فُسِّرَتْ هُنَا بِالدِّينِ، وَفُسِّرَتْ هُنَا بِمَاذَا؟ بِعَمَلِ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَدْ أَمَرَنَا رَبُّنَا -عَزَّ وَجَلَّ- بِاتِّبَاعِهِمْ، ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ أَنْ «اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا». فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِ مَا كَانَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ إبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَمِمَّا نُقِلَ عَنْ إبْرَاهِيمَ تِلْكَ الْخِصَالُ، وَمِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ بِالتَّعْيِينِ الْخِتَانُ. فَقَدْ جَاءَتْ «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- أَنَّ إبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- اخْتَتَنَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ. جَاءَتْ «الصَّحِيحَيْنِ» أَنَّ إبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- اخْتَتَنَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةٍ. لَيْسَ فِي يَوْمٍ، أَيْ كَانُوا فِي هَذَا السِّنِّ الْكَبِيرِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- اخْتَتَنَ. فَلِهَذَا يَقُولُ «الرَّازِيُّ» -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وَلِهَذَا «يُسْتَحَبُّ لِلْكَبِيرِ أَنْ يُخْتَتِنَ»، يُسْتَحَبُّ لِلْكَبِيرِ أَنْ يُخْتَتِنَ. بَلْ قَالَ «الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ»: وَلَا «يُحْسِنُ إسْلَامُ الْعَبْدِ إلَّا بِالْخِتَانِ»، وَلَا يُحْسِنُ إسْلَامُ الْعَبْدِ إلَّا بِالْخِتَانِ. هَذَا يَقَعُ مَتَى يَا إخْوَان؟ يَقَعُ فِي حَالِ رَجُلٍ كَانَ كَافِرًا، كَانَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَسْلَمَ فِي السَّنَةِ الْأَرْبَعِينَ أَوْ الْخَمْسِينَ، مَا فَوْقَ ذَلِكَ. فَإِذَا دَخَلَ وَدَخَلَ فِي مِلَّتِهِ وَدِينِهِ مُخْتَتِنًا، فَهُنَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْخِتَانُ. بَلْ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ أَنَّهُ يَجِبُ، يَجِبُ عَلَيْهِ الْخِتَانُ. وَلِهَذَا لَمَّا أُثِرَ عَنْ فِعْلِ إبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَّهُ اخْتَتَنَ فِي هَذَا الْعُمُرِ. وَغَذَّى الْعُلَمَاءُ أَنَّ لِلْخِتَانِ حِكَمًا، لِلْخِتَانِ حِكَمٌ: إِمَّا حِكْمَةٌ دِينِيَّةٌ، وَإِمَّا حِكْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ. فَمِنْ الْحِكْمَةِ الدِينِيَّةِ: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ أَمْرٌ أَمَرَ بِهِ رَبُّنَا -عَزَّ وَجَلَّ-، فَنَحْنُ نَتَمَثَّلُ بِالْقِيَامِ بِهِ. كَذَلِكَ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ حِكْمَةً أُخْرَى دِينِيَّةً: وَهِيَ أَنَّ تَرْكَ الْخِتَانِ، وَكَوْنُ رَجُلٍ الْأَقْلَفِ لَمْ يُخْتَتِنْ، أَنَّ هَذَا يُؤَدِّي بِهِ إلَى نَجَاسَتِهِ، وَإِلَى نَجَاسَةِ ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ. لِأَنَّ هَذِهِ الْجِلْدَةَ إذَا تُرِكَتْ الْقَلَفَةُ هَذِهِ إذَا تُرِكَتْ، فَإِنَّ الْبَوْلَ يَحْتَبِسُ فِيهَا، يَحْتَبِسُ فِيهَا، ثُمَّ يَنْزِلُ بَعْدَهَا فَتْرَةً عَلَى شَكْلِ قَطَرَاتٍ. فَهَذَا وَتَخَيَّلْ الرَّجُلُ هَذَا حَالَهُ، مَعَ بَعْدِ كُلِّ قَضَاءِ حَاجَةٍ أَوْ بَعْدَ الْبَوْلِ يَكُونُ هَذَا أَمْرُهُ، يَنْزِلُ مِنْهُ الْبَوْلُ بَعْدَ فَتْرَةٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْجِلْدَةَ تَحْبِسُ الْبَوْلَ، ثُمَّ يَنْزِلُ بَعْدَ فَتْرَةٍ. فَتَخَيَّلْ عِظَمَ الْمَشَقَّةِ الَّتِي تُصِيبُهُ، وَتُصِيبُ بَدَنَهُ وَجَسَدَهُ فِي عِبَادَاتِهِ وَفِي صَلَاتِهِ. وَلِهَذَا فَالْحِكْمَةُ أَنْ يُطَهِّرَ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ مِنْ تِلْكَ النَّجَاسَاتِ. وَكَذَلِكَ كَذَلِكَ حِكْمَةٌ أُخْرَى دُنْيَوِيَّةٌ صِحِّيَّةٌ. فَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ تَرْكَ الصِغَارِ، وَتَرْكَ الصِبْيَانِ مِنْ غَيْرِ الْخِتَانِ، أَنَّ هَذَا يَجْعَلُ بَعْضَ نِقَاطِ الْبَوْلِ تَحْتَبِسُ تَحْتَبِسُ فِي مَحَلِّهِ، وَتَحْتَبِسُ فِي مَكَانِ بَوْلِهِ. وَلَرُبَّمَا هَذَا مَعَ التَّكْرَارِ يُؤَدِّي إلَى السَّرَطَانِ، وَمَا يُسَمِّيهِ عُلَمَاءُ الطِّبِّ «بِسَرَطَانِ الذَّكَرِ»، سَرَطَانِ الذَّكَرِ؛ لِمَنْ تَرَكَ هَذِهِ السُّنَّةَ. فَشَاءَ اللَّهُ -رِعَاكُمْ اللَّهُ- أَنَّهَا مِنْ السُّنَّةِ، وَالْحِكَمُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. فَيَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهَا. وَمِنْ بَابِ الْفَائِدَةِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْخِتَانُ يَكُونُ كَذَلِكَ لِلرِّجَالِ، وَيَكُونُ كَذَلِكَ لِلنِّسَاءِ. فَفِي الرِّجَالِ يُسَمَّى «إعْذَارًا»، وَفِي النِّسَاءِ يُسَمَّى «خَفْضًا». فَالْعَرْضُ يُسَمُّونَ عَمَلِيَّةَ الْخِتَانِ لِلرِّجَالِ «إعْذَارًا»، وَلِلنِّسَاءِ يُسَمَّى «خَفْضًا». وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَفِي «السُّنَنِ» مِنْ حَدِيثِ «أُمِّ عَطِيَّةَ»: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِلْخَاتِنَةِ: «اخْفِضِي وَلَا تُنْهِكِي؛ فَإِنَّهُ أَحْضَى لِلزَوْجِ وَأَنْقَى لِلْوَجْهِ». هَذَا الْأَثَرُ يُحَسِّنُهُ الْعَلَّامَةُ «الْأَلْبَانِيُّ» -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. قَالَ: «اخْفِضِي» أَيْ اخْتَتِنِي. فَالْخَفْضُ عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى الْخِتَانِ، وَلَا يُطْلَقُ الْخَفْضُ إلَّا فِي حَقِّ النِّسَاءِ، أَيْ فِي حَقِّ الْإِنَاثِ: «اخْفِضِي وَلَا تُنْهِكِي؛ فَإِنَّهُ أَحْضَى لِلزَوْجِ وَأَنْقَى لِلْوَجْهِ». وَهَذَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَةِ الْخِتَانِ لِلنِّسَاءِ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا جَاءَ كَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ». إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ. فَهَذَا -خَانَفَ اللَّهُ- مَا يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ الْمَسَائِلِ السَّرِيعَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْخِتَانِ مِنْ حَيْثُ مَعَانِيهَا، وَمِنْ حَيْثُ حِكَمِهَا، وَمِنْ حَيْثُ حُكْمِهَا، وَكَذَلِكَ وَقْتِهَا. ثُمَّ قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «وَالِاسْتِحْدَادُ مِنْ خَصَائِصِ الْفِطْرَةِ الَّتِي أُثِرَتْ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ، وَاَلَّتِي حُفَّ عَلَيْهَا نَبِيُّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- الِاسْتِحْدَادُ». فَمَا هُوَ الِاسْتِحْدَادُ؟ الِاسْتِحْدَادُ فَسَّرَهُ الْعُلَمَاءُ: هُوَ اسْتِخْدَامُ حَدِيدَةٍ، وَهِيَ «الْمُوسَى». اسْتِخْدَامُ حَدِيدَةٍ فِي إزَالَةِ الشَّعْرِ مِنْ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ. فَالِاسْتِحْدَادُ: عِبَارَةٌ عَنْ عَمَلِيَّةٍ تُسْتَخْدَمُ فِيهَا الْحَدِيدَةُ، وَهَذَا الْمَكَانُ مُعَيَّنٌ، قَدْ جَاءَ ذِكْرُهُ. فَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ «الْبُخَارِيِّ»: أَنَّ نَبِيَّنَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «وَحَلْقُ شَعْرِ الْعَانَةِ». إِذَا الْمَكَانُ الْمُخَصَّصُ فِي اسْتِخْدَامِ الْحَدِيدَةِ، وَهَذَا شَعْرُ الْعَانَةِ. وَمَا هُوَ شَعْرُ الْعَانَةِ؟ قَالَ الْعُلَمَاءُ: هُوَ الشَّعْرُ الَّذِي يَنْبُتُ فِي قُبُلِ الرَّجُلِ، فِي قُبُلِ الرَّجُلِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةِ. أَيْ فِي حَقِّ الرِّجَالِ: هُوَ الشَّعْرُ الَّذِي يَنْبُتُ حَوْلَ الْفَرْجِ، هَذَا شَعْرُ الْعَانَةِ. وَهَذَا الْمَوْطِنُ الَّذِي تُسْتَخْدَمُ فِيهِ الْحَدِيدَةُ، أَيْ «الْمُوسَى» لِحَلْقِهِ. فَهَذَا مَعْنَى الِاسْتِحْدَادِ، وَهَذَا مُتَعَلِّقٌ بِأَمْرِ شَعْرِ الْعَانَةِ. ثُمَّ نَأْتِي الْآنَ إلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِزَالَةِ. الْأَحَادِيثُ جَاءَتْ بِلَفْظِ الْحَلْقِ: بِأَنَّهُ يُحْلَقُ، وَهَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ، وَهَذَا هُوَ الْأَتَمُّ. لِمَا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي السُّنَّةِ بِاسْتِخْدَامِ الْحَدِيدَةِ، أَوْ بِحَلْقِ الْعَانَةِ جَاءَ بِلَفْظِ الْحَلْقِ. لَكِنْ بَقِيَ: هَلْ يَجُوزُ اسْتِخْدَامُ طُرُقٍ غَيْرِ طَرِيقَةِ الْحَلْقِ؟ مَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَسْتَخْدِمَ الْقَصَّ، يَقُصُّهُ، أَوْ يَسْتَخْدِمَ بَعْضَ الْمَوَادِّ، إِمَّا فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، أَوْ الْآنَ ظَهَرَتْ بَعْضُ الْمَوَادِّ مَا تُسَاعِدُ فِي إزَالَةِ الشَّعْرِ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ: هَلْ يَجُوزُ؟ نَعَمْ يَجُوزُ، لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. لَا بَأْسَ بِاسْتِخْدَامِ أَيِّ مَادَّةٍ مِنْهَا يُتَخَلَّصُ مِنْ هَذَا الشَّعْرِ. فَالشَّاهِدُ أَنَّ الْحَلْقَ هُوَ الْأَفْضَلُ، وَغَيْرَهُ يَجُوزُ، وَغَيْرَهُ يَجُوزُ. وَكَذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَمْرِ الِاسْتِخْدَامِ: مَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِهِ. حُكْمِ هَذِهِ الْإِزَالَةِ لِلشَّعْرِ مِنْ هَذَا الْمَحَلِّ. ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ نُقِلَ عَنْ الْكَثِيرِ مِنْهُمُ الِاسْتِحْبَابُ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ الْوُجُوبُ. هَذَا الشَّعْرُ وَاجِبٌ أَنْ يُتَخَلَّصَ مِنْهُ، وَاجِبٌ أَنْ يُتَخَلَّصَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ. وَكَذَلِكَ أَنَّهَا مِنْ خَصَائِصِ الْفِطْرَةِ الَّتِي أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهَا، وَاَلَّتِي أُمِرْنَا بِتَطْبِيقِهَا فِي نُسُكِنَا. فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُتَخَلَّصَ مِنْ هَذَا الشَّعْرِ. بَقِيَ مَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتِهِ: هَلْ لَهُ وَقْتٌ؟ نَعَمْ. فَقَدْ جَاءَتْ الْآثَارُ وَالْأَحَادِيثُ فِي ذِكْرِ الْوَقْتِ الَّذِي بِهِ يُتَخَلَّصُ مِنْ هَذَا الشَّعْرِ. فَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ «أَنَسٍ» قَالَ: «وَقَّتَ لَنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِي شَعْرِ الْعَانَةِ، وَفِي قَصِّ الْأَظْفَارِ، وَفِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَ