الدرس في شرح مختصر السيرة 105، الدرس الخامس بعد المائة:من( حديث السقيفة ... فقال قائل منهم:قتلتم سعد بن عبادة قال:قتل الله سعد بن عبادة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لاختيار خليفة للمسلمين. تمت مبايعة أبي بكر بعد خطبته التي أقنع فيها الأنصار بمبايعة رجل من قريش.
بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، اعتزل علي والزبير وطلحة في بيت فاطمة بينما اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة. ثم بايع المهاجرون والأنصار أبا بكر بعد خطبته في سقيفة بني ساعدة.
خطب عمر بن الخطاب في الناس بعد عودته من الحج مؤكدًا على أهمية الشورى في اختيار الإمام وحذر من البيعة بدون مشورة المسلمين. كما تحدث عن أهمية أخذ الأحكام من أهل العلم وتناول موضوع الرجم ونسخ القرآن.
استدل أبو بكر بفضل المهاجرين وتقديم الله تعالى لهم في كتابه وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم لهم على الأنصار على أحقيته بالخلافة. وأشار إلى رضا النبي صلى الله عليه وسلم به كدليل على صلاحيته للخلافة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: قال حديث السقيفة، واصل الحديث كما أشار المعلق في صحيح البخاري في الباب والرقم الذي أشار إليه، وليس هو فقط في البخاري، بل معناه في صحيح مسلم، وفي مواضع كثيرة من كتب السنة وكتب التاريخ والسير. قال رحمه الله تعالى: «حديث السقيفة، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، ولهذا سمي حديث السقيفة؛ لأنهم اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، فكان فيها الحوار الذي انتهى بخلافة أبي بكر رضي الله عنه أرضاه». قال: «واعتزل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر، وانحاز معهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل». فأتى آت إلى أبي بكر وعمر، فقال: «إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس من حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم يفرغ من أمره -يعني لم يدفن بعد- قد أغلق دونه الباب، أو قد أغلق دونه الباب أهله -يعني أهل بيته، ومنهم علي والعباس وأزواجه عائشة وأبوها أبو بكر-». قال: «فقال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه». قال ابن إسحاق: «وكان من حديث السقيفة أن عبد الله بن أبي بكر حدثني عن محمد بن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عوف، قال: وكنت في منزله بمنى أنتظره، وكنت أقرئه القرآن». قال ابن عباس: «فقال لي عبد الرحمن بن عوف: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين فقال: هل لك في فلان؟ يقول: والله لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، والله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلته فتمت». ومعنى فلته: يعني بغير اجتماع، وإنما حصلت صدفة أو خطأ. قال: «فغضب عمر، وقال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم من هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم». قال عبد الرحمن: «فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن في الموسم -يعني نحن في الموسم- ممكن يكون بالألف -يعني نحن في الموسم-، اه اه طيب. قال: فإن الموسم يجمع رعاء الناس وغوغاءهم، وإنهم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس». والمعنى: مثل هذا الأمر العظيم الكلام في الخلافة، وأنها في قريش، إذا خطب به أمام الحجاج، والمراد بالموسم يعني في موسم الحج. وإذا كان كذلك، فهذا معناه أن الفوضى ستعم، ويتسلط السفهاء والغوغاء -أي رعاء الناس- وأغلبهم ليس من أهل الحل والعقل. فنصح عبد الرحمن أن يؤخر الكلام في هذا حتى إذا رجع إلى المدينة. قال: «وإني أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطير بها أولئك عنك كل مطير -يعني فتنتشر بكل مكان وينتشر بكل مكان- أن الناس خالفوك، وهذا سبب لحصول الفتنة». قال: «ولا يعوها ولا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار السنة، وتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس». وفيه فضل أهل العلم وأهل الحل والعقد، وأن الأمور العظام لا تعرض لغوغاء الناس عامتهم. وفيه هذا رد على القائلين بالانتخابات؛ فإنهم يعرضون القضايا العظيمة لغوغاء الناس، وعند ذلك تحصل الاضطرابات والفوضى، وينبغي أن تكون لأهل الحل والعقد فقط. قال: «فتقول ما قلت في المدينة متمكنا، فيعلي أهل الفقه مقالتك ويضعوها على مواضعها؛ لأنهم أولا أهل العلم وأهل دين، وهم أشراف الناس، ليس الغوغاء». فقال عمر: «أما والله إن شاء الله لا أقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة -يعني سيفتتح به من أول ما يفتتح به من أموره في المدينة-». قال ابن عباس: «فقد من المدينة في عقبي ذي الحجة -يعني بعد الحج مباشرة-، فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زالت الشمس». والرواح يطلق على تحرك ما بعد العصر. قال: «فأجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حذوه تمس ركبتاي ركبتيه، فلم أنشب أن خرج عمر -يعني لم أتأخر كثيرا حتى خرج عمر-». فقال: «فما رأيته مقبلا، فقلت لسعيد: ليقولن العشية...». فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذن، فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها، ولا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليأخذ بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعيها فلا أحل لأحد أن يكذب علي». إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها وعلمناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده. فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضل بترك فريضة قد أنزلها الله. وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف. ثم إنا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من الكتاب: «لا ترغبوا عن آبائكم؛ فإنه كفر بكم -أو كفر لكم- أن ترغبوا عن آبائكم». ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم؛ فإنما أنا عبد الله ورسوله». ومعنى أنها آية قرأت، وقد جاء في صحيح مسلم ذكر الآية: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبته، فارجموهما ألبته». وكان هذا من القرآن من سورة النور، ولكنها مما نسخ لفظه وبقي حكمه. فإن النسخ أنواع، وفيه أحكام، ومن أنواع النسخ ما ينسخ لفظه ويبقى حكمه. ولله حكم في ذلك من حكمة الله عز وجل في نسخ اللفظ وبقاء الحكم الابتلاء للخلق في التسليم لحكم الله عز وجل مع عدم وجود لفظه. فإذا كان كذلك، كان الواجب التسليم لحكم الله عز وجل، سواء وقف عليه في كتاب الله أو لم يقف. قال: «ثم إنه قد بلغني أن فلانا قال: لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت، ألا وإنها والله قد كانت كذلك، إلا أن الله وقى شرها -يعني كانت ستكون، ولكنها لم تكن كذلك- كانت ستكون بها شر لولا أن الله يسر باجتماع المهاجرين والأنصار وعرض ما عندهم، فسلم الجميع للحجة والحق أن الإمارة في قريش». قال: «وليس فيكم من تنقطع دونه الأعناق إليه مثل أبي بكر -يعني لا أحد يشك أن أبا بكر أفضل الناس-». قال: «فمن بايع رجلا عن غير مشورة المسلمين فإنه لا بيعة له، هو ولا الذي بايعه، تغره أن يقتلا». ومعناه أن هذا مدعاه أن يقتلا: المبايع والمبايع له، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام فيمن طالب بالإمارة والبيعة والإمام موجود، أو من يقوم مقامه من أهل الحل والعقد الذين لا يرضون ببيعة ذاك، فبيعة ذاك في كل الحالتين بيعة فاسدة. قال: «إنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن الأنصار خالفونا، فاجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بن ساعدة». ومعنى خالفونا: ليس من المعارضة والمخالفة، ولكنها من الاختلاف في الزمان والمكان، بمعنى سبقونا، فاجتمعوا في أمر كنا نظن أن الأمر فيه والكلام فيه ليس هذا وقته، لكن كان لله حكمة؛ إذ أن اجتماعهم قبل دفن النبي عليه الصلاة والسلام كان أدعى في إذعان الجميع وتسليمهم. قال: «فاجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بن ساعدة، وتخلف عنا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر». فقلت لأبي بكر: «انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء الأنصار». فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان، فذكر لنا ما تمالأ عليه القوم، وقال لنا: «أين تريدون يا معاشر المهاجرين؟» قلنا: «نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار». قالا: «لا عليكم ألا تقربوهم يا معشر المهاجرين، أقضوا أمركم». قال: «فقلت: والله لنأتينهم». فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بن ساعدة، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقلت: «من هذا؟» قالوا: «سعد بن عبادة». قلت: «ما له؟» قالوا: «وجع». ومزمل يعني قد زمل -بمعنى دف ولف عليه بلحاف أو ألحفة من أثر المرض-. قال: «فلما جلسنا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله عز وجل بما هو له أهل، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفت دافة من قومكم». وإذا هم يريدون أن يختزلون من أصلنا ويغتصبون الأمر -يعني الخلافة-. قال: «فلما سكت أردت أن أتكلم، وقد زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني -يعني أعددت في نفسي مقالة أحببت أن أعرضها- قال: أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر». وفيه فضل أبي بكر عند المهاجرين والأنصار؛ إذ أن عمر علم أنه أحق بالكلام. قال: «وكنت أداري منه بعض الحد». ومعنى ذلك يعني يريد أن يدفع بعض الحدة التي قد تكون في الكلام. فقال أبي بكر: «على رسلك يا عمر». فكرهت أن أعصيه، فتكلم -وهو كان أعلم مني وأحكم وأحلم وأوقر- فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته أو أفضل حتى سكت. ومعنى أنه أتى بكل ما في نفس عمر وزيادة. فقال: «أما بعد، فما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا الآن أيهما شئتم». فأخذ بيديه وبيد أبي عبيد عامر بن الجراح، وهو جالس بيننا. فلم أكره شيئا مما قال غيرها. كان والله أن أقدم فتضرب عنقي -لا يقربني ذلك إلى إثم- أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر. ومعنى أنه لم يحب الإمارة. قال: «فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش». قال: «فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خشينا الاختلاف». فقلت: «ابسط يدك يا أبا بكر». فبسطها، فبايعته، ثم بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار. قال: «ونزونا على سعد بن عبادة». فقال قائل منهم: «قتلتم سعد بن عبادة». قال: «قتل الله سعد بن عبادة». ومعناه أن بعض الأنصار أخذتهم الحمية، رضي الله عنهم جميعا. فقال: «كأنكم هضمتم سعد بن عبادة». فقال: «أنه ليس ذاك بصحيح، بل دعا أن سعد بن عبادة لو طلب ذلك -أي الإمارة- بعد ظهور الحق استحق أن يدعى عليه، فهو لا يحب ذلك». وجاء في بعض الروايات أن أبا بكر رضي الله عنه ذكر لهم كيف قدم الله عز وجل المهاجرين في كتابه في كل موضع يذكر فيه المهاجرين والأنصار، وكيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم المهاجرين على الأنصار، وهكذا ما ذكر في فضل أبي بكر، وفي استخلاف النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة، فكيف لا يرضون بمن رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته في دينهم أن يرتضوه في دنياهم. نكتفي بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.