كلمة الشيخ الفاضل عبدالرحمن بن عمر بن بريك

الدرس في كلمة الشيخ الفاضل عبدالرحمن بن عمر بن بريك، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل أهل السنة والجماعة ونعم الهداية

يبيّن المتحدث أن الهداية إلى منهج أهل السنة والجماعة هي نعمة عظيمة من الله، فهم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية المتمسكة بالقرآن والسنة. ويدعو إلى شكر الله على هذه النعمة والثبات عليها دون اعتبارهم حزباً أو تنظيماً.

الوسطية في الدين والتحذير من الغلو والتفريط

يؤكد المقطع على وجوب تقوى الله ولزوم الإسلام حتى الممات، محذراً من طرفي الإفراط والتفريط اللذين يمثلان سبيل اليهود والنصارى. ويوضح أن دين الإسلام يقوم على الوسطية والاعتدال باتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

التمسك بالسنة النبوية والتحذير من الغلو والبدع

يسرد قصة الثلاثة الذين تشددوا في العبادة فردهم النبي ﷺ إلى سنته المعتدلة، مؤكداً أن النجاة في لزوم القرآن والسنة وسنة الخلفاء الراشدين. ويحذر من التنطع والبدع والعجب بالنفس مع ضرورة الدعاء بالثبات في زمن الفتن.

أهمية اتباع منهج النبوة في الدعوة والصبر

يشدد المقطع على أن الدعوة إلى الله هي سبيل الأنبياء، وأن النجاح مرهون بالاقتداء بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم والصبر على الأذى. ويبين أن التناصح والرفق بالدعاة يجلب البركة، بينما الخروج عن هذا المنهج يورث التقصير والنفرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فنحمد الله عز وجل الذي يسر لأهل السنة - حفظهم الله - بمثل هذه الاجتماعات وهذه اللقاءات الطيبة النافعة المفيدة المباركة، التي نسأل الله عز وجل أن ينفع بها، وأن يهدي بها، وأن يجمع بها بين القلوب. نعمة عظيمة، إخواني في الله، أن يجتمع أهل الحق، وأن يتزاور أهل الحق، وأن ينصح بعضهم لبعض، وأن يسمعوا لعلمائهم نصائحهم وإرشاداتهم وإفاداتهم. هذه نعمة عظيمة. فأحيينا في هذا اللقاء للاستفادة من كلمات علمائنا التي ستكون بمشيئة الله تعالى. وإن كان لا بد من المشاركة في هذا الاجتماع، فأولا: أشكر لإخواني - حفظهم الله - إتاحة الفرصة لأمثالنا من طلاب العلم، الذين نسأل الله تبارك وتعالى أن يمن على الجميع بالعلم النافع والعمل الصالح. وأشكر لأخي الفاضل أبي عبد الرحمن، شيخ عبد الله بن عمر بن مرعي - حفظه الله - إتاحة المجال في مثل هذا الوقت الثمين لمثلي من صغار طلاب العلم. وأنا والله أقل شأنا من ذلك، ولكن مشاركة في الخير، عسى الله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذه الكلمات القليلة. وأسأل الله عز وجل أن ينصر دينه، وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أيها الإخوة في الله، إن خير ما نتذاكره في هذا الوقت اليسير حتى تأتي كلمات العلماء المشايخ أهل الفضيلة - حفظهم الله - أننا نذكر أنفسنا معشر أهل السنة بهذا الخير الذي نتقلب فيه، وهذه النعم التي من الله عز وجل بها علينا. فالله تبارك وتعالى خصنا بهذه النعم العظيمة، وهذه المنن الجليلة، التي تستحق منا الشكر لله تبارك وتعالى، وأن نحمد الله عز وجل عليها، وأن نسأله المزيد منها، وأن نسأله الثبات على هذا الخير الذي وفقنا الله تبارك وتعالى له. حجب الله عز وجل هذه النعم عن كثير من الناس، فوفقنا إلى دينه، وهدانا إلى سنة نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ووفقنا إلى هذه الدعوة المباركة: دعوة أهل السنة والجماعة، الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، الذين وفقهم الله عز وجل للعض على القرآن والسنة، والاهتداء بهدي محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام. نجاهم الله تبارك وتعالى من البدع والأهواء والخرافات والضلالات، وأنواع الانحرافات في هذه الدنيا، نجاهم من هذه كلها، ثم نجاهم ربنا تبارك وتعالى بفضله وجوده وكرمه ورحمته ومنته من النار يوم القيامة. فهم الطائفة المنصورة، وهم الفرقة الناجية، الذين ذكرهم نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته: نصروا دين الله، ونصروا كتاب الله، ونصروا سنة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام. نصروا ذلك في أنفسهم، ونصروا في مجتمعاتهم، وأقاموا ذلك في دعوتهم، فنصرهم الله عز وجل على أنفسهم الأمارة بالسوء، ونصرهم على أعدائهم. وصدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». نعمة عظيمة، إخواني في الله، أن يجعلك الله عز وجل من أهل هذه الطائفة الذين يذبون عن دين الله، والذين ينصرون دين الله، والذين يحاربون البدع والأهواء والخرافات والضلالات، والتعصبات والحزبيات، وجميع أنواع الباطل. كم من الناس من يتخبط في ألوان لا حصر لها من البدع والأهواء والشهوات والشبهات، ثم صفيك الله عز وجل حتى كنت من أهل هذه الفرقة، وحتى كنت من هذه الطائفة الذين نصر الله عز وجل بهم دينه، وأقام بهم دينه، ورفع بهم رؤوس المسلمين. لأن دعوتهم، إخواني في الله، ليست دعوة وليدة اليوم، ولا وليدة الأمس، بل هي دعوة تصل إلى نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ليس لهم مسمى، وليس لهم رجوع إلا إلى القرآن والسنة. فهم أهل القرآن والسنة، وأهل الحديث والأثر، وهم الطائفة السلفية، وأهل السنة والجماعة. في الوقت الذي ينتسب أهل الفرق إلى فرقهم، وإلى بدعهم، وإلى رؤساء مللهم ونحلهم، فأهل السنة ليس لهم انتساب إلا إلى سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. ورحم الله الإمام الصنعاني إذ يقول: سلام على أهل الحديث فإنني ... نشأت على حب الأحاديث من مهدي هم بذلوا في حفظ سنة أحمد ... وتنقيحها من جهدهم غاية الجهد وأعني بهم أسلاف سنة أحمد ... أولئك في بيت القصيد هم قصد أولئك أمثال البخاري مسلم ... وأحمد ذي الجد في العلم والجد بحور وحاشاهم عن الجزر ... إنما لهم مدد يأتي من الله بالمد رووا وارتووا من بحر علم محمد ... وليست لهم تلك المذاهب من وردي كفاهم كتاب الله والسنة التي ... كفت قبلهم صحب الرسول ذوي المجد صحب الرسول ذوي المجد ... أأنتم أهدى أم صحابة أحمد وأهل الكسى هيهات مشكك الوردي ... أولئك أهدى في الطريقة منكم نعم قدوتهم حتى أوسد في لحدي. نعم، إخواني في الله، الطائفة السلفية والفرقة الناجية والطائفة المنصورة، هذه الدعوة الصافية النقية التي تدعو من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله إلى سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. هذه الطائفة الذين ليس لهم سجلات، وليس لهم مكاتب، وليس لهم دوائر يسجلون من انتسب إليهم وانضم إليهم، بل من دان بالقرآن والسنة، وتمسك بالقرآن والسنة، وعمل بهما، واستنار بنورهما، واهتدى بهديهما في جميع شؤون حياته، وفي جميع الجوانب: في جانب السياسة، وفي جانب العبادة، وفي جانب المعاملة، وفي جانب الأخلاق والدعوة والسلوك والمنهاج والجهاد والتربية. إذا دان بذلك، فإنه من أهل السنة، وإنه من أهل هذه الطائفة المنصورة، سواء كان شرقيا أم غربيا، سواء كان يمنيا أم حجازيا أم نجديّا أم مصريا أو سودانيا أم مغربيا أو أعجميا أو عربيا. فكل من دان بالقرآن والسنة فهو من هذه الطائفة. فع علينا، إخوان في الله، أن نحمد الله عز وجل إذ وفقنا إلى هذا الخير، لا بحول منا ولا بقوة، بل الفضل لله، والمنة لله، والتوفيق بيد الله عز وجل. نعم، إخواني في الله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ما اهتدينا إلى هذا الخير بعقولنا، ولا باختيارنا، ولا بذكائنا، فالله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. فالله عز وجل له النعمة، وله الفضل. فعلينا أن نحمد الله، وأن نرفع بذلك رؤوسنا، وأن لا ننحرف عن هذا الطريق حولا ولا بدلا، وأن نكرر دعاء ربنا سبحانه وتعالى، ونتضرع إليه، ونتذلل بين يديه، أن يزيدنا من فضله، وأن يثبتنا على هذا الخير حتى نلقاه. وهذه وصية الله عز وجل لعباده المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. داوموا على هذا الخير، وعوا على هذا القرآن، وتمسكوا بهذه السنة في جميع أوقاتكم: في حال الغنى والفقر، في حال الشدة والرخاء، في حال الصحة والسقم، حتى إذا دهمكم الموت، وفجأكم الموت، ختم لكم بالخاتمة الحسنة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ونحن جميعا ندعو ربنا سبحانه وتعالى في صلواتنا في اليوم أكثر من سبع عشرة مرة، فنقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. دعاء عظيم، ودعاء كبير، ودعاء نافع، لو عقلناه وتدبرناه وتفهمناه. كلنا ندعو بهذا الدعاء في جميع صلواتنا: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. يا ربنا بصرنا بالحق، ويا ربنا ثبتنا على الحق، ويا ربنا احفظنا من البدع والأهواء والطرائق والسبل. يا ربنا جنبنا طريق المغضوب عليهم، الذين أوتوا من العلم ولكنهم لم يوفقوا إلى العمل، كاليهود ومن شاكلهم. وهكذا جنبنا طريق الضالين، الذين كان كثير من عبادتهم أهل قلوب رقيقة، وأهل رغبة في الوصول إلى رحمة الله، ولكنهم لم يأتوا البيوت من أبوابها، بل تعبدوا ربهم عز وجل بالبدع والجهل والضلال. فكان اليهود من أخص أوصافهم الغضب من الله عز وجل عليهم، من لعنه الله وغضب عليه، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت. وهكذا النصارى، حينما أتوا البيوت من غير أبوابها، كان أخص أوصافهم الضلال: ﴿مِنْ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. وكل من اليهود والنصارى مغضوب عليهم وضالون، ولكن هذا أخص أوصاف اليهود، لأن من رزق العلم كان حجة عليه، فعليه أن يهتدي به، وعليه أن يعمل به، وعليه أن يستفيد منه. فهذا القرآن الذي أنزله الله عز وجل، وجعل فيه الهدى والنور والرحمة والشفاء والهداية، إما أن يكون حجة للعبد، وإما أن يكون حجة عليه. يكون حجة له إذا استضاء بنوره، واستفاد من آدابه، وعمل بأحكامه، وامتثل أوامره، واجتنب نواهيه، فيكون حجة له. أما إذا لم يفعل شيئا من ذلك، فإنه يكون حجة عليه. ولهذا وصف الله عز وجل اليهود بأردى الأوصاف، يوم أن تعلموا التوراة، ولكنهم لم يعملوا بها، ولم ينتفعوا بها، ولم يستفيدوا منها. فقال سبحانه وتعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. نعم، إخواني في الله، ماذا ينتفع الحمار إذا وضعنا على ظهره فتح الباري، وشرح مسلم للنووي، والمغني، والمحل، والمجموع، والتمهيد، والاستذكار لابن عبد البر، وهكذا كتب السنة كالصحيحين والسنن وغير ذلك؟ لا ينتفع بشيء من هذا. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وهكذا، إخواني في الله، الذين ترهبوا، والذين غلوا في دينهم من النصارى، ومن شاكلهم من عباد هذه الأمة، فإنهم ضالون. لأن الله سبحانه وتعالى لا يستطاع الوصول إليه إلا من طريق رسله، وما دل عليه في كتابه على ألسنة الرسل. لهذا يقول الله عز وجل: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. فترهبوا، وغلوا، وتعمقوا، وتنطعوا، فذمهم الله عز وجل أشد الذم: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. حتى هذا الغلو، وهذا الترهب، وهذا التجاوز، لم يستطيعوا أن يستديموا عليه، وأن يستمروا عليه. ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. والله عز وجل حذرنا، فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ حذرنا من سلوك سبيلهم، فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. هذه الدعوة المباركة، إخواني في الله، هي وصف بين جفاء اليهود، وبين غلو النصارى. فأعظم سمة أهل الإسلام وأهل السنة هو الوسطية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، أي عدلا خيارا. فعلينا أن نعرف دعوتنا، إخواني في الله، وأن نتمسك بها، وأن ندعو إليها. قبل الدعوة إليها، علينا أن نعرف دعوتنا أنها دعوة الصفاء والنقاء، ودعوة الوسطية والاعتدال. هكذا وصف الله عز وجل ديننا، وهكذا كانت دعوة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فع علينا، إخواني في الله، أن نحذر من جانب الإفراط، ومن جانب التفريط، من جانب الغلو، ومن جانب التساهل، من جانب التميع، ومن جانب التشدد. فكلا طرفي قصد الأمور ذميم. الأمر كما قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله، وقد قاله بعض علمائنا المتقدمين: «ما أمر الله بأمر إلا كان للشيطان فيه نزغتان: إما إلى إفراط، وإما إلى تفريط، ولا يبالي بأيهما ظفر». ما أمر الله بأمر إلا كان للشيطان فيه نزغتان: إما إلى إفراط، وإما إلى تفريط، ولا يبالي بأيهما ظفر. لماذا؟ لأن الشيطان، كما ذكر شيخ الإسلام في موضع آخر، قصده أن يحرف الخلق عن الصراط المستقيم. هذا الصراط المستقيم الذي أمرنا الله عز وجل بلزومه والسير عليه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. فنحن جميعا مأمورون بسلوك الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه، لا يمنة ولا يسرة. فالشيطان، إخواني في الله، حريص على تحريف الناس عن هذا الصراط المستقيم، إما إلى جهة الغلو، وإما إلى جهة التساهل. فع علينا أن نحذر، وأن نعرف دعوتنا، وأن نحذر من جانب المعاصي والتفلت، واتخاذ أوامر الله عز وجل لعبا ولهوا. فهذا أمر خطير: مسألة المعاصي والتساهل في ذلك. وهكذا في الجانب الآخر: مسألة الغلو والتعمق والتشدد والتنطع. أليس النبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون»؟ المتجاوزون للحد، والمتعمقون، والسائرون إلى الله سبحانه وتعالى على غير ما هدى إليه نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا لا شك أنه انحراف وخطر على العبد. وهكذا في الجانب الآخر: التجاوز والتعدي، وتعدي النصوص، ومسابقة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن سار على دعوته. أيضا هذا طرف من طرف الانحراف والضلال. فالمسلم عليه أن يحذر من أن يسلك أحد المسلكين، وأن يسير على ما سار عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنه أعلم بالله، وأخشى لله تبارك وتعالى. قالت عائشة رضي الله عنها: «رخص النبي صلى الله عليه وسلم في أشياء، فتنزه عنها أناس، فقال: أما إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له». وهكذا حينما جاء ثلاثة النفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض بيوت أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، يسألون عن عبادته، فلما أخبروا - قالوا: تقالوها - نعم، فلما أخبروا أنهم تقالوها، وقالوا: أين نحن من رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قد غفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أرقد. وقال الثاني: أما أنا فلا آكل اللحم، أو أصوم ولا أفطر. وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء. فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر بمقالة هؤلاء، جاء إليهم وقال لهم: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟» قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «أما إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكنني أصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني، فمن رغب عن سنتي فليس مني». نعم، إخواني في الله، كان النبي صلى الله عليه وسلم حربا على البدع والتجاوزات، وعلى التنطعات. فهكذا ينبغي لأهل الإسلام، وهكذا ينبغي لأهل السنة والجماعة. «خير الهدي هدي محمد» عليه الصلاة والسلام. كان يكرر ذلك في خطبه وفي كلماته عليه الصلاة والسلام. فينبغي، إخواني في الله، أن نعرف دعوتنا، وأن نحذر من المعاصي والإفراط والإهمال، وأن نحذر من جانب التجاوز والغلو. فدعوة أهل السنة دعوة باقية، ودعوة مستمرة، لأنها تسير على ما سار عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام. بخلاف الدعوات التي تحيد ذات اليمين وذات الشمال، بخلاف الأفراد الذين يحيدون ذات اليمين وذات الشمال، فإنهم وإن أتوا بنتائج، وإن أبهروا العالم، لا شك أن دعوتهم منقطعة، لأنها لا تسير على ما سار عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام. فإذا أردت الثبات، وأردت المضي في هذا الطريق التي وفقك الله عز وجل، فاحرص على العمل بالقرآن والسنة، وعلى الاستفادة والاستنارة بنوري القرآن والسنة. فربنا عز وجل ضمن لنا الهداية، وأمننا من الانحراف والغواية، ما دمنا على القرآن والسنة. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾. ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا، وأن لا يشقى في الآخرة». فسبب النجاة، وسبب السعادة، وسبب السلامة، هو لزوم القرآن والسنة. فندع التنطعات، وندع الاجتهادات مع وجود النص، وندع القفزات المحطمة. بل ربنا عز وجل أغنانا بالقرآن والسنة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾. ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ويقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا». أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن وقوع الداء، وعن وقوع البلية، وهي الفرقة والتنازع والاختلاف. لكن هو الرؤوف الرحيم، كما وصفه الله عز وجل في كتابه الكريم، ذكر لنا الداء، ثم ذكر لنا الدواء: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا». ما هو المخرج؟ وما هو الدواء؟ وما هو الحل؟ «فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة». والنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا: كتاب الله، كتاب الله». ويقول الإمام الزهري رحمه الله تعالى: «كان علماؤنا يقولون: التمسك بالسنة هو النجاة، أو الاعتصام بالسنة هو النجاة». ويقول الإمام مالك رحمه الله: «السنة كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى». فع علينا، إخواني في الله، أن نعض على هذا الحق المبين، وأن نحمد الله عز وجل إذ وفقنا إليه، وأن نحذر أن نعجب بكثرتنا، أو أن نعجب بكثرة السنين التي قضيناها في هذه الدعوة. فالعجب، أو العجب، من أعظم الأمور التي تكون سببا في خذلان الله عز وجل للعبد، وفي نكبة العبد. فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «إن قوما يعبدون ويدأبون حتى يعجب بهم الناس، وتعجبهم أنفسهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية. إن قوما يعبدون ويدأبون حتى يعجب بهم الناس، وتعجبهم أنفسهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية». فع علينا أن نحذر من العجب، بل علينا أن نرجع إلى ربنا، وأن نتذلل بين يدي ربنا، وأن نكرر الدعاء: أن الله عز وجل يحفظنا من الفتن والبلايا والمحن، وأن يثبتنا على دينه، وأن يثبتنا على سنة نبيه عليه الصلاة والسلام. ومن أدعية المؤمنين: «ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب». بل كان من أعظم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ومقلب القلوب»، كان يقول: «يا مصرف القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك. يا مصرف القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك. يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك». فأنت في أمس الحاجة، يا عبد الله، أن تلجأ إلى الله، وأن تعترف بتقصيرك وذنبك، وأن تعترف بقدرة الله عز وجل عليك. فلا تحتقر إخوانك، ولا تشمت بهم، بل عليك أن تسأل لهم الهداية والتوفيق. إياك أن تتكبر عليهم، وإياك أن تحتقرهم، أو أن تزدريهم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. نعم، إخواني في الله، علينا أن نكرر ذلك، وأن نعرف حاجتنا إلى ربنا. فنحن في أمس الحاجة إلى الله عز وجل، لا غنى لنا عن ربنا طرفة عين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. فالرجل السني هو في أمس الحاجة إلى ربه أن يثبته، وأن يهديه، وأن يهدي به، وأن ينفع به، وأن يحفظه من الفتن الكثيرة التي تتلاطم تلاطم الأمواج والبحار. هكذا، إخواني في الله، نحن في زمن الفتن: فتن الدماء، فتن الرئاسة، فتن الأولاد، فتن الزوجات، فتن المال، فتنة المحيا والممات، فتنة المسيح الدجال، فتن عديدة وكثيرة، لا ينجيك منها إلا اعتصامك بالله، ورجوعك إلى الله، وتمسكك بكتاب الله، وسنة نبيه، وسنة نبي محمد عليه الصلاة والسلام. ثم، إخواني في الله، إذا وفقنا الله عز وجل إلى هذا الخير، فعلينا بالدعوة إليه، وعلينا بأن نحرص أن نوصل هذا الخير إلى غيرنا. فالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى هي سبيل الأنبياء، وطريق نبينا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. أنت تستطيع أن تخدم دينك، وأن تنفع المسلمين بموعظة، بدرس، بكلمة، بإهداء شريط، بنشر كتاب نافع، بالنصيحة، بالقدوة الحسنة. فنحن في أمس الحاجة أن ننشر هذا الخير، لا سيما والحمد لله في هذا الزمن، وفي هذه الأيام، التي كما سمعتم من كلمات إخواننا، قد أقبل الله عز وجل بقلوب الناس على هذه الدعوة المباركة. فتجدون الرجال والنساء، وتجدون الصغار والكبار، يقبلون على هذه الدعوة المباركة. ولكن، كما كنا نسمع من علمائنا: من يحسن في تبليغ هذه الدعوة، فالذي يوفقه الله عز وجل في سلوك طريق رسول الله عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله، والله تأتي النتائج العظيمة والكثيرة. من سلك مسلك النبي صلى الله عليه وسلم، بارك الله عز وجل له في دعوته، وجعلها دعوة باقية ونافعة ومستمرة. بخلاف أهل الشطط، وأهل التقصير، فهؤلاء وإن نفع الله بدعوتهم، لكن بقدر خروجهم عن طريق رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيحصل من التقصير، وتتحصل من النفرة. فع علينا، إخواني في الله، بالقناعة، القناعة، القناعة، يا أهل السنة، بدعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ففيها كل خير. وهكذا علينا بالصبر والمصابرة أمام ما نلقاه تجاه دعوتنا، وثباتنا على ديننا، وعلى دعوتنا. فالداعي إلى الله، والرجل السني عموما، بحاجة إلى صبر ومصابرة، فإنه الطريق إلى الفلاح: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. النبي صلى الله عليه وسلم حينما دعا إلى ربه عز وجل، هل ترك؟ أم أنه أوذي؟ الجواب: أنه أوذي أشد الأذية. كذلك ما أتى الذين من قبلك من رسول إلا قالوا: ساحر أو مجنون. وحينما جاء إلى ورقة بن نوفل، قال: «ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك». قال: «أو مخرجي هم؟» قال: «نعم، إنه لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي». فع علينا، إخواني في الله، بالصبر والمصابرة، والتناصح، كما سمعتم في كلمات إخواننا، فيما بيننا، أن نحرص على رجوع من شرد من إخواننا، وعلى تقريب من بعد من إخواننا. فلا نتكبر على إخواننا، بل نترفق بهم. والله عز وجل يقول: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾. هكذا ينبغي لأهل هذه الدعوة. أسأل الله عز وجل للجميع التوفيق والسداد، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله، بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. والآن، ما بعد: فجزى الله خيرا شيخنا الفاضل، أبا عبد الرحمن، عمر بن مرعي، مرعي - جزاه الله خيرا، وأمد في عمره بطاعة الله عز وجل، ونفع به الإسلام والمسلمين. وإن شاء الله تعالى كلمة الشيخ عبيد الجابري - حفظه الله - ستكون في الساعة السابعة إلا ربعا، يعني بعد دقائق، حتى يتسنى الاستراحة بالشيخ - حفظه الله - وإياكم الله خيرا. نسأل الله أن ينفعنا وإياكم والجميع، والحمد لله رب العالمين.