كلمة الأخ الفاضل محمد باوجيه

المحاضرة بعنوان كلمة الأخ الفاضل محمد باوجيه، الأحد 6 شوال 1432هـ بمسجد الروضة بقصيعر . ألقاها

بركة الاجتماعات العلمية وأثرها في الدعوة النبوية

يتحدث المتحدث عن بركة الاجتماعات السنوية لطلاب العلم في حضرموت، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن نزول السكينة والملائكة والرحمة على من يجتمعون لتلاوة القرآن ودراسته. ويؤكد أن جوهر الدعوة النبوية يتمثل في إقامة العدل وتحريم الظلم، مستنداً إلى الحديث القدسي وآيات قرآنية تنفي الظلم عن الله وتوجّه العباد إلى عدم الظلم.

أنواع الظلم: ظلم النفس بالشرك وظلم العباد في الحقوق

يبيّن المقطع أن الظلم نوعان: ظلم العبد لنفسه بارتكاب الشرك والمعاصي، وهو أعظم الظلم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وظلم العباد بعضهم بعضاً بالاعتداء على الدماء والأموال والأعراض، وقد حرّمه النبي ﷺ في حجة الوداع مؤكداً حرمتها كحرمة اليوم والشهر والبلد الحرام.

عاقبة المفلس وفضل الدعوة القائمة على العدل

يشرح المقطع حديث المفلس الذي يأتي يوم القيامة بحسنات كثيرة لكن تُذهب في مظالم للناس من دم أو مال أو عرض، مؤكداً حرمة حقوق المسلمين ووجوب التحلل من المظالم قبل فوات الأوان. كما يثني على الدعوة المباركة التي قامت على العدل والصبر واليقين، وبقيت ثابتة رغم كيد الأعداء من الداخل والخارج.

الصلاة على النبي ﷺ ختاماً

يختتم المتحدث كلامه بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وهي صيغة شرعية مستحبة للختم أو البدء.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فهذه كلمة مشاركة مع إخواني طلاب العلم، وتقدمة بين يدي مشايخنا الفضلاء، حفظهم الله تعالى، في هذا الاجتماع المبارك السنوي الذي يعقدون في عدة مناطق كل سنة. فنسأل الله جل وعلا أن يبارك بمثل هذه الاجتماعات التي يجتمع فيها أهل السنة من كل مكان في ساحل حضرموت وغيره. ومثل هذه الاجتماعات، كما تعلمون، يجعل الله سبحانه وتعالى فيها الخير. وفي ذلك حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي يقول: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده». فمثل هذه الاجتماعات يحصل فيها هذا الخير الكثير، وهذا الخير يحتاج إلى محافظة من كل فرد من أفراد المجتمع، وبخاصة من ينتسب إلى هذه الدعوة المباركة، دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، التي بدأها في مجتمع جاهلي انتشر فيه الشرك والوثنية، وانتشر فيه الظلم، وانتشر فيه التفرق والتمزق، وغير ذلك من الأمور التي كانت أيام الجاهلية. نبينا عليه الصلاة والسلام جاء بهذه الدعوة المباركة، الدعوة القائمة بأمر الله سبحانه وتعالى، دعوة مستمدة من كتاب الله ومن سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وسار الصحابة الكرام على ما سار عليه وما جاء به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فحصل فيها الخير الكثير. وهكذا جاء من بعدهم إلى يومنا هذا، وهذه الدعوة سائرة بأمر الله، وسائرة على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأعظم ما يميز هذه الدعوة المباركة، أيها الناس عباد الله، إقامة العدل والبعد عن الظلم. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما بعث في مجتمع جاهلي انتشر فيهم الظلم، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وإقامة العدل، وإقامة العدل، وتحريم الظلم». ولذلك يروي نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديثاً عن ربه عز وجل، وهو الحديث القدسي المعروف فيما رواه مسلم، حديث أبي ذر عن نبينا عليه الصلاة والسلام، قال: «يقول الله عز وجل: يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا». هذا الحديث بدأ به ربنا سبحانه وتعالى بأعظم ما يبدأ به الإنسان في دعوته، ألا وهو إقامة العدل والبعد عن الظلم. فإذا كان الإنسان من سمته في دعوته، في كلامه، في تعامله مع الناس، كان من سماته إقامة العدل في نفسه وفي مجتمعه، وكذلك بعده عن الظلم، كانت دعوة ناجحة، وكانت دعوة سائرة على ما سار عليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أيها الناس عباد الله، النبي عليه الصلاة والسلام لما كانت دعوته صافية وقائمة بأمر الله، دخل فيها الناس وتمسكوا بهذا الدين العظيم، وقاموا بأمر الله عز وجل. فربنا عز وجل لما حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرماً، دل على عظيم شأن ربنا سبحانه وتعالى، بدأ بأمر بدأ بنفسه سبحانه وتعالى. وهذا مما ذكره ربنا جل وعلا في القرآن الكريم، فقال عز وجل: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾، وقال عز وجل: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. فهذا في حق ربنا سبحانه وتعالى، لما حرم الظلم على نفسه جعله بين العباد محرماً. وذكر أهل العلم أن الظلم الواقع بين العباد، أو الواقع من العبد، على نوعين: ظلم العبد لنفسه، وظلم العبد لغيره. فأما ظلم العبد لنفسه، فهو بأن يفعل الشرك وأن يفعل المعاصي، فهذا يعتبر من ظلم العبد لنفسه. إذا أشرك بالله جل وعلا وكفر بالله سبحانه وتعالى، فقد قام بأعظم الظلم. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. فهذا بيان من ربنا سبحانه وتعالى أن الشرك يعتبر من الظلم. إذا قام به الناس وأشركوا بالله جل وعلا، فما بعده ظلم وهو أن يسلب الرب سبحانه وتعالى من حقه. فإن الناس لربما يتظالمون فيما بينهم، ولربما يقعوا فيما بينهم من مثل هذه الأمور، ويتغافلون عن هذا الأمر العظيم الذي عظمه ربنا سبحانه وتعالى. الشرك بالله جل وعلا ظلم عظيم: أن تصرف عبادة لغير الله، أن تدعو غير الله، أن تستغيث بغير الله سبحانه وتعالى. فإذا فكر الإنسان بظلم العبيد، فليفكر أولاً بظلم ربه سبحانه وتعالى، أنه لم يقدره حق قدره، وأنه لم يعظمه سبحانه وتعالى. فإن هذا يجب على العبد أن يبتعد عنه، أن يظلم نفسه. ولا يضر الله سبحانه وتعالى ما يفعله العباد من الشرك والكفر بالله، وإنما يكون أو يعود ذلك إلى أنفسهم. ﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾. هؤلاء القوم، هؤلاء القوم الذين يفعلون مثل هذه الأشياء ويتغافلون عن أعظم الظلم، ماذا سيكون جوابهم يوم القيامة عندما يقفون بين يد الله سبحانه وتعالى وقد ظلموا أنفسهم عندما صرفوا العبادات لغير الله عز وجل؟ فليحاسب الإنسان نفسه، ويراجع الإنسان نفسه، عندما أشرك بالله وكفر بالله عز وجل. وأما النوع الثاني من الظلم، فهو ظلم العبيد فيما بينهم. وهذا مما لا شك فيه أنه محرم، وهو المذكور في حديث أبي ذر: «إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً». وقد ذكر أهل العلم تعريفاً للظلم، كلها مجموعة فيما ذكره الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه. فإذا وضعت شيئاً في غير موضعه مما أمر به ربنا سبحانه وتعالى، أو أمر به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد وقعت في الظلم. إما أنك تظلم نفسك، وإما أنك تظلم غيرك، أو غير ذلك من أنواع الظلم. فإذا وقع الظلم بين العباد، فلا تسأل عن هلكتهم. نبينا عليه الصلاة والسلام عندما وقف في حجة الوداع، بين لهم أمراً مهماً في ذلك. خطبهم في حجة الوداع، فقال: «أي يوم هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أي شهر هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أي بلد هذه؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. وجاء في بعض الروايات: فقلنا: لعله سماها بغير اسمها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أليس يوم حرام؟» قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «أليس شهر حرام؟» قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «أليس بلدة حرام؟» قلنا: بلى يا رسول الله. قال عليه الصلاة والسلام: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟» ويرفع النبي عليه الصلاة والسلام إصبعه إلى السماء ثم ينكتها على الصحابة رضي الله عنهم. ففي هذا الحديث، أيها الناس عباد الله، بين فيه نبينا عليه الصلاة والسلام أعظم ما يقع من المظالم بين العباد، ألا وهي الدماء والأموال والأعراض. فإذا انتهكها الإنسان، فقد وقع في الظلم، وقع فيما حرم الله سبحانه وتعالى. فإذا كان هذا حاله، سيكون من الخاسرين يوم القيامة. روى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أتدرون من المفلس؟» قلنا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وصدقة». ولكن ما الذي فعل هذا الإنسان الذي يصلي مع المصلين، ويتصدق بماله، ويصوم، وغير ذلك من الأعمال؟ ما الذي فعله؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ويأتي وقد شتم هذا، وهتك عرض هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، فيؤخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته. فإذا فنيت حسناته، أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، فألقي في النار». هذا الجزاء يوم القيامة فيمن تعدى على أموال الناس، أو أعراض الناس، أو دماء الناس، رغم أنه معه من الحسنات، ومعه من الأعمال الصالحة، لكن لا ينفعه ذلك. يدل على تعظيم حرمات المسلمين. فمن يعظم حرمات المسلمين فهو المعظم، ومن ينتهك هذه الحرمات سيلقى العذاب الشديد يوم القيامة. نبينا عليه الصلاة والسلام، كما سمعتم في الحديث، بحجة الوداع يجتمع فيه المسلمون من كل مكان، الذين كانوا في ذلك العهد، ويخطبهم هذه الخطبة العظيمة الجامعة، ويقول فيها: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم». فالذي يعظم حرمات الله، والذي يعظم حرمات المسلمين، لا ينتهك دماء المسلمين. دماء المسلمين غالية. فالفتن التي تقع بين المسلمين عظيمة، والسعيد من قعد عن الفتن، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن كانت عنده مظلمة لأخيه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فليتحلل منها الآن، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه دينار ولا درهم. يتحلل من مظلمته، إن كان دماً، أو كان مالاً، أو كان عرضاً، يجب عليه أن يتحلل وينتهي عن ذلك. فهذه الدعوة المباركة، أيها الناس عباد الله، كما سمعتم، بارك الله فيها بسبب القائمين عليها، وهم العلماء الذين أقاموا العدل في أنفسهم وفي الناس، وسار الناس معهم، فكانت هذه دعوة مباركة تؤتي ثمارها، تؤتي أكلها إلى حين. جعلها الله سبحانه وتعالى دعوة مباركة بسبب إقامة العدل والبعد عن الظلم، فيما بين أفرادها، أو فيما بينها وبين الله سبحانه وتعالى. أفرادها قائمون بأمر الله، ومتمسكون بدين الله، سائرون على ما سار عليه النبي عليه الصلاة والسلام، والصحابة الكرام، والأئمة من بعدهم إلى يومنا هذا. وهذه الدعوة سائرة بأمر الله لأنها أقامت العدل وابتعدت عن الظلم. جعلها الله سبحانه وتعالى مباركة، وجعل لها أعداء يحاربونها ليلاً ونهاراً، أعداء من الداخل ومن الخارج. ولكن كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. بالصبر وباليقين تكون هذه الإمامة في الدين، لمن ارتضى ذلك، لمن أراد أن يكون من أفراد هذه الدعوة المباركة، ومن أراد أن يرتفع عند الله سبحانه وتعالى. يصبر كما صبر نبينا عليه الصلاة والسلام والصحابة، وكان على يقين أن الله جل وعلا سينصره، رغم تكالب الأعداء من الداخل ومن الخارج. ومن الداخل أعظم، لأنهم يعيشون بين أوساط المسلمين، ويتظاهرون بالإسلام. فكان أهل الحق أبصر الناس بأعدائهم الداخليين. فلذلك كانت هذه الدعوة سائرة على ما سار عليه نبينا عليه الصلاة والسلام، وهي تمشي بخطى ثابتة إلى أن يلقوا ربهم سبحانه وتعالى. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يحافظ على هذه الدعوة المباركة، ونسأله جل وعلا أن يبارك فيها وفي أفرادها وفي القائمين عليها. نسأله جل وعلا أن يرحمنا برحمته، إنه القادر على ذلك. صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على