المحاضرة بعنوان وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 16 ربيع أول 1433هـ ألقاها
افتتح المحاضر بالثناء على أهل الحديث والأثر والترحيب بالضيوف، ثم شرح قوله تعالى: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} مبيناً أن الصراط المستقيم هو نهج النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعين. حذر من السبل المنحرفة وأكد ضرورة معرفة سمات المنهج السلفي للتمسك به والنجاة من الضلال.
يتميز المنهج السلفي بأن الولاء والبراء معقودان لرسول الله ﷺ وحده دون الأحزاب أو الرموز، وضرب المثل بقصة أبي بكر الصديق وربيعة الأسلمي حيث تنازل الصديق عن حقه انقياداً للشرع. دافع النبي ﷺ عن الصديق معتبراً إياه خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه.
استعرض المقطع مكانة أبي بكر الصديق ومواقفه الثابتة في نصرة الدين، مبيناً أن الولاء والبراء مقتصر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصوص الشرع لا على الأشخاص. أكد أن شعار السلف هو الاتباع والاقتداء بالنبي وصحابته، معتبرين العالم من تبع نهجهم لا من كثرت مروياته، وختم بذكر السمة الثالثة وهي الوسطية.
بيّن المقطع أن وسطية أهل السنة ليست تساهلاً في المحرمات بدعوى "الدين يسر"، بل هي اتباع الشرع الحنيف بين الغلو والتفريط، محذراً من أئمة الضلال الذين يبررون الباطل تحت شعار الوسطية. ذكر سمتين لأهل السنة: كونهم أهل ائتلاف واجتماع على الحق وثبات عليه، واشتغالهم بقيام الدين بالدعوة إلى الله بالعلم النافع والعمل بالقرآن والسنة لا بالخرافات والشعارات.
أوضح المقطع أن أهل السنة يدرسون جميع أبواب الدين بشمولية، بينما انحرفت طوائف أخرى: إحداها بالغت في محبة النبي صلى الله عليه وسلم بالشركيات والألقاب المبتدعة، والأخرى اقتصرت على الجهاد بغير علم ولا شروط شرعية. المحبة الحقيقية هي الاتباع لا الغلو، والجهاد الشرعي مرهون بأهله وضوابطه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، قائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وصحابته الغر الميامين، التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا على نعمائه التي لا تعد ولا تحصى، وآلائه التي علينا تترى سراً وجهراً. ومن أعظم هذه النعم أيها الناس: نعمة الإسلام والسنة، ونعمة الاجتماع عليهما بفهم سلف الأمة، ونعمة التوفيق للذب عن حياضهما. ومن أعظم النعم: نعمة الطائفة المنصورة، الفرقة الناجية، أهل الحديث والأثر، إلى قيام الساعة، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك: علماء ربانيين عاملين، ودعاة مخلصين ناصحين، ورجالاً مجاهدين مدافعين، ذابين عن كتاب الله جل وعلا: تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين. عظيم حسن الأثر على الناس، يخوضون ويقطعون القفار والفيافي تبليغاً للدين الإسلامي، هم رواسي الأرض وأوتادها، وبدورها ونجومها، أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتابعين لهم بإحسان. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "أولئك أتباع النبي وحزبه، ولولا هم ما كان في الأرض مسلمون، ولولا هم كادت تبيد بأهلها، ولكن رواسيها وأوتادها هم، ولولا هم كانت ظلاماً بأهلها، ولكنهم فيها بدور وأنجم". فهنيئاً هنيئاً لمن تمسك بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام على فهم السلف الصالح، وسار على هذه الطريق داعياً، مؤلّفاً، محاضراً، ذاباً، مجاهداً، كاتباً، بالحجة والبرهان والسيف والسنان. ألا وقد زارنا هذه الليلة مشايخ فضل ودعاة نصح، جزى الله جل وعلا أنقاهم خير الجزاء، زارونا في هذه الليلة المباركة في هذه الدار، دار الحديث بالشحر، حرسها الله جل وعلا والقائمين عليها من كل سوء ومكروه. وعلى رأس هؤلاء الشيخ الفاضل أبو علي هاني بن بريك حفظه الله تعالى، ومن جاء معه. ومن جاء معه فنقول لهم: حياكم الله وبياكم، نزلتم أهلاً، ووطئتم سهلاً، وحللتم أهلاً، طبتم وطاب ممشاكم. نسأل الله جل وعلا أن ينظر محيانا ومحياكم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير. والمحاضرة إن شاء الله تعالى بعد أداء السنة الراتبة، فصبروا أنفسكم أيها الناس، لعل كلمة تنتفعون بها، وآية تتعظون بها، وحديث يدخل قلوبكم فيكون به سعادتكم في الدنيا والآخرة. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}. أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد، فيا أيها الأحبة، ويا أيها الإخوة الفضلاء الكرماء، في هذه الدار التي أصبحت موئلاً لأهل الحديث، وموئلاً لأهل السنة والجماعة في هذه الديار، كم أنا والله سعيد بتواجدي معكم وتحدثي بين أيديكم، وكم كنا نتمنى أن يكون معنا شيخ هذه الدار، الشيخ الفاضل الكريم النبيل أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي، حفظه الله وبارك فيه ونفع به أينما كان. فهنيئاً لكم ما أنتم فيه، وهنيئاً لكم هذا الشيخ. وأنا أقول وأنا على ثقة، وإن كنتم طلابه، إلا أني من أخص الناس به، حفظه الله، وأعلم منه ومن حاله وعلمه ما لا تعلموه أنتم، فهو رفيق دربي وصديقي وأخي وأستاذي، استفدنا منه كثيراً، وإن لم نتتلمذ عليه شأن التلاميذ مع مشايخهم، إلا أننا استفدنا من تواضع هذا الرجل، ومن هضمه لنفسه، ومن خفض جناحه، ومن حبه لنفع إخوانه. وكل من عاشر هذا الرجل يلتمس هذه الأخلاق الرفيعة فيه، ولا يتأخر أبداً في أن يشهد لهذا الرجل بالخير والصلاح. نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله. ولو كان حاضراً اليوم معنا لما ذكرت هذا، وأعلم أنه يضيق من هذا الكلام، ولكن هو غائب، ونحتسب إن شاء الله هذا الكلام عند الله جل وعلا. فأخونا شيخ عبد الله من أفاضل علماء هذه البلاد، أقولها والله وأنا يعني مطمئن بها وواثق منها، وأعرف على من درس، وعلى من أخذ، وعلى من تتلمذ، وعلى من أخذ العلم. أحسبه أنه من القلائل الذين جمع الله لهم من العلوم ما لم يجمع لغيره. نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله. أيها الأحبة، موضوعنا في هذه الليلة يحمل عنوان: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}. هذه الآية شأنها شأن سائر الآيات التي جاءت مبينة للنهج الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لنا كمسلمين، أعلننا الإيمان بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نبياً. والصراط المستقيم هو نهجه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ونهج صحابته الكرام، ومن سار على نهج الصحابة. ولهذا جاء في حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم خطّ خطاً مستقيماً، وقال: «هذا صراط الله»، وخطّ على جنبات هذا الصراط سبلاً، من جنبات الصراط، وقال: «هذه هي السبل»، أي التي تنحرف بالناس عن الجادة. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تركتكم على البيضاء المحجة، الطريق الواضح، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك». فكل من زاغ عن سبيل السنة، وعن نهج السنة، فهو من الهالكين، وهو من الضالين. والمراد بالسنة هنا: طريقة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم التي سار عليها، وسار عليها من بعده صحبه الكرام، وتلامذة صحابته، وتلامذة تلامذتهم، القرون المفضلة، وسار على هذا المنهاج من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ونحن مع كثرة أهل الباطل، وكثرة الخلافات والفرق والانحرافات، وهذا مما قدره الله جل وعلا على هذه الأمة، نحتاج معاشر الإخوة أن نعلم سمات ومميزات وصفات المنهج السلفي، الصراط المستقيم، أن نعلم ما هي ميزاته، وما هي صفاته، حتى لا يختلط علينا. وإن كنا ولله الحمد في هذه الدار، والمعظم منكم الحمد لله من طلبة العلم، وهم ولله الحمد على هذا الصراط، نحسبهم كذلك. ولكن من باب قول الله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}، يناديهم بالإيمان وينعتهم به ويأمرهم به. للمنهج السلفي، للصراط المستقيم، صفات ومميزات، من اتصف بها كان من أصحاب هذا الصراط، ومن خالفها وبعد عنها لم يكن من أهل هذا الصراط. نأتي إن شاء الله على شيء من هذه السمات وهذه الصفات التي يتميز بها المنهج السلفي عن غيره. وهذه الصفات والسمات نص عليها العلماء بتتبع الكتاب والسنة ونهج الصحابة الكرام. أول هذه السمات: محل الولاء والبراء عند هذه الطائفة التي كما سمعتم في كلام أخينا المقدم حفظه الله: الطائفة المنصورة والفرقة الناجية. محل الولاء والبراء ومعقد الولاء والبراء عندهم لا يكون كما ينهجه أهل الباطل من المتحزبين في عصرنا، ومن أهل البدع بكل طوائفهم. فإنهم يعقدون الولاء والبراء إما على مبادئ هذا الحزب وقواعد هذا الحزب ورموز هذا الحزب، وكذلك الطوائف البدعية الأخرى من غير المتحزبين التحزب السياسي، فإنهم يعقدون الولاء والبراء في مشيختهم، وفي رموزهم، وفي مراجعهم التي تخالف نصوص الشرع. وأهل السنة، الطائفة المنصورة، الفرقة الناجية، السلفيون، ولاءهم وبراءهم معقود في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يقدمون عليه أحداً أبداً. هنا الفيصل في هذه المسألة بين دعاة الحق وبين دعاة الباطل. دعاة الحق لا يؤثرون على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أحداً من الخلق. إذا جاء الأمر منه صلوات ربي وسلامه عليه، يقفون ولا يتجاوزون ذلك أبداً. ولهذا كان تعظيم السلف لأوامر الشرع شأنه عظيم. وهذه التربية المسلكية المنهجية في تعظيم أوامر الشرع نحتاج إليها. قد يغيب عن أذهان الكثير أن أوامر الشريعة الإسلامية نحتاج أن نتربى معها كيف نتعامل معها. وغياب هذه التربية في صفوف المنتسبين للدعوة والمنتهجين للنهج يؤثر كثيراً، لأنه قد يأتيه الأمر من الكتاب أو من السنة أو من فعل الصحابة الكرام، فتجده يتلون: "لكن الشيخ الفلاني قال"، "لكن هل الشيخ الفلاني جهل هذا الحكم"، "لكن هل شيخنا لم يعلم ما أنت تقوله الآن"، "من قال الله وقال الرسول". هنا غابت هذه التربية. لكن انظر لحال السلف رضوان الله تعالى عليهم مع نصوص الشرع، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصر. نكتفي بأمثلة يسيرة في تعظيم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لشرع الله جل وعلا. أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، صديق هذه الأمة، وهو أفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، تحدث له حادثة مع صحابي دونه في الفضل. جاء في مسند الإمام أحمد من حديث ربيعة الأسلمي قال: "وهبني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أرضاً، ونحل أبا بكر مثلها، فجاءت أرضي وأرض أبي بكر متجاورتين، فاختلفت أنا والصديق في عذق نخلة، في عذق نخلة. يقول الصديق: هي في أرضي، وأقول أنا: هي في أرضي". وهذا الدرس أيها الإخوة ليس فقط في الانقياد للشرع، بل هو في كيفية الحل لخلافاتنا الدنيوية، وكيف يكون المؤمنون عند اختلافهم مع إخوتهم: أعزة على الكافرين، أذلة على المؤمنين. قال: "فجرى بيني وبين الصديق من الكلام"، يعني ما يحدث بين الخصوم والمتنازعين. "فقال لي الصديق كلمة كرهتها". وهنا يأتي الأدب الرفيع من هذا الصحابي، لم ينص على هذه الكلمة ما هي، لم ينص عليها، "كلمة كرهتها" مما يحدث بين المتخاصمين. وقال للصديق بعدها: "يا ربيعة، قل لي نحوها". فقال للصديق: "قل لي كلمة نحوها حتى يكون قصاصاً". انظر التجرد للشرع والانقياد لشرع الله جل وعلا: "حتى يكون قصاصاً، لا لك علي ولا لي عليك، قل لي كلمة نحوها". فقلت له: "لا أقول، لا أقول"، تأدب مع مقام الكبير، وكل الصحابة يعلمون منزلة الصديق. فأصر الصديق على أن أقول له نحو هذه الكلمة، فأبى ربيعة، رفض. وجاء قوم من أسلم، من قبيلة ربيعة. قال أبو بكر رضي الله عنه: "والله لأن لم تقل لي لأستعدين عليك رسول الله"، أي لأطلب نصرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليك. لأن الصديق رضي الله تعالى عنه منزلته رفيعة عند رسول الله، صاحبه وصديقه ورفيق دربه. فقال: "لأستعدين عليك رسول الله". قال: "ما أنا بقائم". فولّ الصديق وترك الأرض كلها، مو بس النخلة، ها يا أهل الدنيا! لأنه جرح أخاه في الله بكلمة، ترك الأرض كلها. كان الخلاف على عذق نخلة، نخلة صغيرة، لي أو لك، في حد أرضي أو في حد أرضك، فيترك الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه الأرض كلها لربيع، وذهب إلى رسول الله. فجاء رجال من قبيلة ربيعة، لأن ربيعة صاحب الدار، ربيعة أنصاري من الأنصار، من أهل المدينة، وأبو بكر رضي الله عنه مهاجر. فجاء القوم، قالوا له: "يرحم الله الصديق، على ما يستعدي عليك رسول الله، وهو الذي قد قال لك ما قال". هل اعتذر ربيعة يا إخوة؟ كلا. الموقفان: موقف ربيعة وموقف الصديق، رجلان تربيا تربية نبوية. انظر حال الصديق وحال ربيعة. هل فرح بكلام الرجال من قومه وقال: "هؤلاء سينصرونني على الصديق عندما يستعدي علي رسول الله، وسيشهدون معي أن الصديق هو الذي أخطأ"، ويوسع دائرة الخلاف؟ لا، لا. قال: "يا قوم، تعلمون من هذا، إنه ثاني اثنين، إنه الثاني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار"، يعني يذكرهم بفضل الصديق: "أتعلمون من هذا، إنه أبو بكر، لا تراكم تنصرونني عليه فيغضب، فيأتي إلى رسول الله فيغضب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لغضب الصديق، فيغضب الله لغضبه، فيهلك ربيعة". الله أكبر يا إخوة! يعني حقيقة موقف، اللسان عاجز أن يقف معه شارحاً أو مفصلاً، هو يكفي قراءته كافية. قال: "لا تراكم تنصرونني عليه فيغضب أبو بكر، فيأتي لرسول الله، فيغضب رسول الله لغضب الصديق، فيغضب الله جل وعلا لغضبه". فذهبوا. قال: "فتلوتوا الصديق فجئته وهو عند رسول الله، وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جالساً، فقص الصديق الخبر كما هو"، يعني أمانة في النقل، ما في كذب ولا مغالطات. الآن انظر الخصم كيف انفرد بالقاضي، كال التهم والأكاذيب والأراجيف، وزور ولفق، إلا من رحم الله. قال: "فرفع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأسه، فقال: ما لك وللصديق يا ربيع؟". الله أكبر! هناك في شريعتنا خطوط حمراء، خطوط حمراء بمعنى المعاصر، يعني لا يمكن لأحد أن يتجاوزه. الصديق رضي الله الله تعالى عليه أحد هذه الخطوط. وهكذا الفاروق، وهكذا عثمان، وهكذا علي، وهكذا باقي العشرة، وهكذا أصحاب بدر، وهكذا أصحاب أحد، وهكذا أصحاب رضوان، وهكذا سائر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، خطوط حمراء، لا يجوز لأحد أن يتطاول عليهم أبداً، ولا أن يتعرض لهم بسوء أبداً. قال: "ما لك وللصديق يا ربيع؟". قال: "يا رسول الله، أراد مني أن أقول له كلمة نحو التي قال، فقلت له: لا". فماذا كان من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ صوب فعل ربيعة، واستغفر للصديق. قال: "فقال لي: أحسنت، يغفر، ولكن قل: يغفر الله لك يا أبا بكر، يغفر الله لك يا أبا بكر، يغفر الله لك يا أبا بكر". فأخذ الصديق يبكي. انظروا ربيعة والصديق رضي الله تعالى عنهما، والنزول عند الشرع، والتجرد من حظوظ النفس، والتجرد من الدنيا التي أهلكت الناس وضيعت الدين. هذا موقف، ومواقف الصديق في الإسلام عظيمة كبيرة جداً. وأنا أنصح بكتاب اسمه "أبو بكر الصديق رضي الله عنه"، هذا الكتاب لمحمد بن عبد الرحمن بن قاسم، جامع مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية مع أبيه الشيخ عبد الرحمن بن قاسم النجدي المشهور، جامع المجموع، جمع مواقف الصديق من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية. ولهذا يقول شيخنا العثيمين رحمه الله: "إن مواقف الصديق في الإسلام كانت المواقف المثبتة لدين الله بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي أحلك الظروف". يقول شيخنا: "نجد أن مواقف الصديق أصلب وأصرم من مواقف عمر رضي الله عنه وأرضاه". وكلاهما منزلتهما معلومة، لكن البعض يظن أن الصرامة في عمر، وأن مواقف الصديق ليست كمواقف عمر في تثبيت الدين ونصرة الدين. وإذا تأملت صلح الحديبية، موقف الصديق وموقف عمر رضي الله عليهما جميعاً، ولو تأملت في حروب الردة، وفي موت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لوجدت أن الذي ثبت المسلمين هو الصديق رضي الله عنه، بل ثبت عمر، ثبت عمر رضي الله عليهما عليهم أجمعين. إذن أيها الأخوة، نعود ونقول: ومن الأمثال في سيرة عمر رضوان الله تعالى عليه في الانقياد للشرع والتربية، تربية الانقياد للشريعة، في البخاري، في قصة عمر مع عيينة بن حصن الفزاري، عندما أدخله ابن أخيه على عمر، على عمر، فقال عيينة ما قال في عمر، فغضب عمر وهم أن يبطش به. فقال ابن الأخ، وكان من جلساء عمر: "يا أمير المؤمنين، إن الله جل وعلا يقول: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، وإن هذا لمن الجاهلين". قال: "فوالله ما جاوزها عمر". قال ابن عباس: "كان وقافاً عند كتاب الله، وقاف، لا ينتصر لنفسه أبداً". وعلى هذا جرت مواقف الصحابة في تربية التابعين، وعلى هذا أخذ علماء الأمة جيل بعد جيل: التجرد للشرع، والولاء والبراء معقود في نصوص الكتاب والسنة، ولا يتعصب لأحد من المخلوقين إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يقول شيخ الإسلام بن تيمية: "ومن نصب شخصاً يوالى ويعادى فيه، فهذا من أهل الضلال والاختلاف، أو الافتراق". الذي ينصب شخصاً يوالي ويعادي فيه غير رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا من أصول أهل البدع، هذا من أصول أهل البدع. السمة الثانية: إذن علمنا أيها الأحبة، لا ولاء ولا براء في شخص من الأشخاص إلا في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والولاء والبراء على نصوص الكتاب والسنة ونهج الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم. إذن الموالاة والمعاداة في الأشخاص ليست من سمات المنهج السلفي. هل نعرف أهل البدع في الوقيعة في علماء السنة؟ نعم، من وقع في علماء السنة، ومن كانوا شعاراً على السنة، فهذه علامة بارزة من علامات أهل البدع. لكن نحن نعتقد اعتقادا جازماً أن أفراد علماء أهل السنة قد يقعون في الخطأ ويخالفون الصواب بمحض اجتهاد. لكن جملة علماء السنة لا يخالفون الصواب. جملة علماء السنة إذا اتفقوا على شيء لا يخالفون الصواب. لكن أفرادهم قد يخطئون. ومع هذا هم في دائرة أهل السنة والجماعة، إذا كان الخطأ لا ينال أصولاً في العقيدة، ولا إصراراً على باطل، ولا تجمع من الجزئيات ما يخرجه عن دائرة أهل السنة والجماعة. انتبه لهذا. فعلى العموم نخلص من هذه السمة: أن ولاءهم وبراءهم في ذات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي نصوص الشرع من كتاب وسنة وأفعال وأقوال الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم. وعلى هذا كذلك يخرج مجتمع عليه علماء السلف، إذا جرى منهج السلف الصالح على أمر، فيوالى ويعادى على هذا الاتفاق، لأنه من أصول ما اجتمع عليه علماء السنة. السمة الثانية: شعارهم الاتباع. شعارهم الاتباع، والمراد بالاتباع: اتباع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وصحبه الكرام. {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ}. وهذه المتابعة قد تحصل لبعض عوام المسلمين ويخطئها علماء. ولهذا جاء في "الحجة في بيان المحجة" عن قوام السنة الأصبهاني أنه قال: "ليس العلم بكثرة الرواية، ليس العلم عندنا بكثرة الرواية، وإنما العلم باتباع نهج الصحابة الكرام". لاحظ: كانوا يعدون المتبع لطريقة السلف الصالح هو العالم، والرجل إذا كثرت فنونه وعلومه ولكنه على غير اتباع، لا يعتبرونه عالماً. ومثال على هذا في فتنة خلق القرآن التي ابتدعها أهل الكلام: وقف أحمد رضوان الله تعالى عليه ورحمه، وقفة العلماء الأفذاذ الأبطال، ووقف معه بعض صغار طلبة العلم، يعني صغار طلبة العلم بالنسبة لأحمد، وإلا هم علماء: محمد بن نوح، والبويطي الشافعي، وأبو ثور. وكان في زمنهم علماء فطاحلة في كثرة المرويات والتحديث بالأجزاء والفقه والتوسع في أبواب الفقه وأبواب العلوم. فلما لم يسلكوا طريقة أهل الاتباع في هذه الفتنة، خفض الله أولئك على كثرة علمهم وغزارة مروياتهم، ورفع الله سبحانه وتعالى هؤلاء الذين كانوا قيل: إن علمهم قليل. جاء في شروحات العقائد ومنها "اللالكائي" وغيره: أن أبا ثور كان لا يعشر الحسين بن علي الكرابيسي الشافعي في العلم. وذكر هذا الحافظ الذهبي في ترجمة الكرابيسي في "سير أعلام النبلاء": كان أبو ثور لا يعشر الكرابيسي في العلم. شوف النسبة: لا يعشر. فلما جاءت الفتنة، رفع الله أبا ثور، وخفض الحسين بن علي الكرابيسي، على شدة العلم وكثرة العلم وغزارة العلوم التي عند الحسين بن علي الكرابيسي. إذن العلم كان عند السلف بالاتباع، بالمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصحبه الكرام. إذن هذه الضميمة الثالثة التي ينبغي أن تقيد وأن تضبط: كتاب وسنة ونهج الصحابة الكرام، ونهج الصحابة الكرام. ولهذا جاء عن في "شرح السنة" لابن زمنين أنه قال: "اعلم أن طريق الهدى ما اجتمع عليه عامة أو جمهور علماء الأمة". هذا يريد به الاتباع، للمخالف لمنهج السلف الصالح. فما اجتمع عليه سلف الأمة، وكان عليه عامة سلف الأمة، فهو الهدى. والانحراف في البحث عما يخالف نهج هؤلاء، نقف حيث وقفوا، ولا نتجاوز حدوده، لا في العقائد وهذا أول شيء، ولا في الفقهيات. لا نشتهد بأقوال ليس عليها السلف، لا في العقيدة ولا في الفقه. فكان سلفنا يعتبرون هذا من الضلال: أن تخالف نهج الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، أو تحدث مسألة لم يُخذ فيها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولا التابعون، ولا تابعوهم. هذه إذن السمة الثانية من سمات السلفية، أو من سمات المنهج السلفي. السمة الثالثة: الوسطية. أهل السنة والجماعة وسط، والوسطية في قول الله جل وعلا: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}. المراد أنهم خيار الأمم، والعدول. البعض فهم من الآية فقط أنهم وسط، أي بين طرفي الشيء، وهذا يدخل. لأن أهل السنة وسط بين طرفي النقيض، هم وسط في العقائد، في الفقه. ومنهج الوسطية معناه: الحنيفية السمحاء. البعض من عامة الناس يظن السماحة في الدين أنها في تحليل ما حرم الله، ويقول لك: "الدين وسط، إيش هذا الغلوب؟". تقول له: "أعفِ اللحية، لا تحلق لحيتك". قال: "يا أخي الدين يسر، الدين يسر". "ارفع ثوبك عن الكعب". "الدين يسر". "صلي في جماعة". "الدين يسر". "ترك الربا". "الدين يسر". "ترك الأغاني". "الدين يسر". "لا تصافح الأجنبيات". "الدين يسر". سبحان الله يا إخوة! الإسلام هو اليسر، وليس اليسر هو الإسلام. فهموا: الإسلام هو اليسر، أحكام الشريعة فيها اليسر، فيها اليسر. لكن الناس إذا خالف الحق هواه، تعلل: "لا تنفر، ولا تجعل الناس ينفرون عن الدين". لماذا؟ إذا قلنا له: "اتبع ما أنزل إليك من ربك، هذا حلال وهذا حرام"، لا نقول لك شيء من كيسنا، ولا نحرم عليك ما أحل الله، لكن إياك وأن ترتكب ما حرم الله. وأهل السنة من أبعد الناس، ومن أخوف الناس، أن يتقولوا على الله بغير علم. فابتلوا بأقوام تحت ذريعة "الدين يسر"، فأفضوا إلى المحرمات، واستدلوا وبرروا ما هم فيه من الضلال. قال لك: "الشيخ فلان في القنوات الفضائية، عمامة شبرين ولحياه كبير، ودكتور وبرفسور، ورئيس بنظمة المؤتمر العالمي، ورئيس هيئة علماء المسلمين، إلى غير هذا من الألقاب الكبيرة، ويطلع في الشريعة والحياة". وانت من عنده؟ والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون». شوف: أخوف ما يخاف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من أئمة الضلال، لأنهم ينحرفون بالناس عن الجادة، وينحرفون بالناس عن دين الحق، ويضللون الناس في العقائد، وفي المعاملات، وفي الفقهيات، وفي السلوكيات. الأغاني حلال، يسألونه: "الأغاني؟" قال: "أنا أسمع لأم كلثوم". لا إله إلا الله. يسألونه عنك، قال: "أنا... أنا... أنت رسول". حتى تقولهم: "أنا أفعل، أنا أعمل". خلي عملك لك. الناس مطالبون بالاقتداء بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصحابته، ليس بك أنت. كل ما قالوا له: "هل هذا حلال؟" قال: "أنا أفعل". صير نفسه إيش؟ إماماً مغتدى به. فمفهوم الوسطية في الإسلام أصبح مفهوماً مغلوطاً. وقبل فترة من الزمان نادى بعض الطوائف بمؤتمر الوسطية، عقد في حضرموت، نادوا بكل متردية ونطيحة تحت شعار الوسطية في الإسلام. والوسطية عندهم: أن يختلط الرجال بالنساء، وأن يحاضر الداعية مع أو أمام النساء الكاشفات المتبرجات، وأن يظهر على وسائل الإعلام مع النساء. والوسطية عندهم: افتتحوا المؤتمر فيها بما يسمونه "أناشيد"، وهو أغاني، طبول وآلات موسيقى، وقالوا: "هذا مؤتمر الوسطية". وإلى غير ذلك مما هو تخرص على دين الله جل وعلا تحت مسمى الوسطية. وأمثال هؤلاء يجذبون بعض الحكومات والدول لأنها تسهل لهم ما يريدون. الوسطية عندهم: معنى أن تفتح لأهل الباطل، وتفتح لأهل الشهوات الأبواب على مصراعيها، كل شيء: "الدين وسط، الدين يسر"، وتلغى أحكام الشريعة والعياذ بالله تحت هذه الذرائع وهذه التوهمات. وصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، هو الصادق المصدوق من ربه، إذ قال: «أخوف ما أخاف على أمتي: أئمة المضلين». يهدون بغير هديه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. «دعاة على أبواب جهنم، أيما رجل أجابهم قذفوه فيها». السمة الرابعة: هكذا ثلاثة ذكرنا. السمة الرابعة في منهج أهل السنة والجماعة: أنهم أهل ائتلاف واجتماع، أهل اجتماع وائتلاف، وهم أهل ثبات واستقرار على الحق. هذه السمة الرابعة: الاجتماع عندهم أصل من الأصول. ولهذا سموا بأهل السنة والجماعة. كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهل ائتلاف لأنهم يعلمون أن الألفة بين المؤمنين من مقاصد الشريعة، وأن الله سبحانه وتعالى ألف بين قلوب المؤمنين، وكل سبيل يفضي إلى التأليف بين المؤمنين دون إخلال بشرع فإنه مطلوب". ومما يساعد على التأليف: القيام بحقوق الأخوة الإسلامية. كل شخص يقوم بما لأخيه من حق عليه حتى تتألف القلوب. والله سبحانه وتعالى يقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}. يمتن الله عليهم بنعمة التأليف وتجنيبهم الهلاك والاقتتال: {وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا}. وهم أهل ثبات واستقرار على الحق. يقول قوام السنة كما جاء في "الحجة في بيان المحجة": "ومما يدل على أن أهل السنة والجماعة هم الطائفة الناجية: أنك إذا قرأت كتبهم في كل الأزمنة، على اختلاف أزمنتهم وبلدانهم وأماكنهم، تجد الحق عندهم واحداً لا يتعدد. نفس المسائل يقررونها على نفس الطريقة، على اختلاف المكان والزمان، دون أن يلتقوا، ودون أن يتواطئوا. توافق رباني من الله سبحانه وتعالى، لأن الحق لا يتعدد، والحق قديم". ولهذا تجد أهل السنة والجماعة متفقين. ولم يختلف أهل السنة والجماعة وأئمة الحديث في شيء من أصول الدين، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. الوقت داهمنا. السمة الخامسة: وهي أن أهل السنة والجماعة يشتغلون بقيام الدين بالدعوة إلى الله، وطلب العلم، والعمل به. شوف: يشتغلون بقيام الدين بماذا؟ هل "حدثني قلبي عن ربي"؟ والله بالأساليب التي يستخدمها بعض الطوائف: يأتي يعظ الناس، لا حديث ولا آية، كلها بالأمثلة الشعبية وبالطرف والمواقف، وقصص وأكاذيب. قال لك: "الناس يتذكروا بهذا وينتفعوا". والله يقول جل وعلا: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ}. يأتيك شخص يصف الإيمان، يقول: "الإيمان مثل السكر في الماء، لا يمكن أن تطعم السكر حتى تحرك الماء". هذا عندهم الآن دليل. يقول لك: "ما شاء الله". "والرجل المؤمن مثل السيارة، تحتاج إلى بنزين، إذا لم يصب لها بنزين ما تحركت". هذه هي أدلتهم. ولما تقول لهم: "يقول الله عز وجل: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}". قال لك: "البصيرة نور القلب". شوف هذا الضلال، هذا الضلال. ولما تقول له: "إلى ماذا تدعو الناس؟ تدعوهم إلى الخير؟ هل تدعوهم إلى التوحيد ونبذ الشرك ومحاربة البدع والضلالات؟" قال: "هذا يفرق". سبحان الله! على ماذا تدعو؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «جاء محمد ففرق بين الناس»، وجعل الله القرآن فرقاناً بين الحق والباطل. لكن كل يمشي على أصوله ومنهجه. وأهل السنة لا يسعون ويشتغلون بقيام الدين بالعلم والعمل به. ولن تجد طائفة من الطوائف تدعو إلى كل أبواب الدين إلا أهل السنة والجماعة. كل أبواب الدين: من "لا إله إلا الله محمد رسول الله" إلى إماطة الأذى عن الطريق. كل أبواب الدين يدعون إليها ويعلمونها. ألسنا نقرأ في كتب الحديث: من كتاب الطهارة، كتب السنة، حتى آخر أبواب الفقه: من أمهات الأولاد، إلى كتاب الجهاد والسير. كل أبواب الدين تدرس. لكن غير أهل السنة والجماعة: هؤلاء تخصصوا: "الحبيب الفلاني"، وكيف نعلم أبنائنا محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأتوك بالشطحات والبلاوي والمصائب تحت ذريعة إيش؟ محبة الرسول صلى الله عليه وسلم. محبة الرسول صلى الله عليه وسلم فطرية في قلبي كل مؤمن، وينبغي علينا أن نعلم وأن نغرس في نفوس أبنائنا أن محبة رسول الله من أصول الإيمان. لكن ليس بالأكاذيب، ولا بالشركيات، ولا: "لولا ما خلقت شمس ولا قمر، لا وما خلق وجود ولا عدم، وإن من جودك الدنيا وضرتها، ومن علومك علم اللوح والقلم". لا نعلمهم محبة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، المحبة الشرعية التي لا تنصله إلى مقام الربوبية، ولا تنزله عن مقامه المحمود الذي أراده الله له. {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}. نعلمهم محبة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على قوله: «لا تطروني كما أطرفت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». ويأتوك بالأباطيل، قالوا: شغلوا أنفسهم بالشركيات وبالأباطيل تحت مسمى محبة، تعظيم الحبيب. وأصبح لقب "الحبيب" عندهم أكبر من لقب "الرسول" الذي اختاره الله له. والنبي الذي اختاره الله له، ما عاد يقولون: "رسول الله قال"، "الحبيب قال". صحة ولا قال: "الحبيب". يا أخي، الله عز وجل قال إيش؟ سماه: "رسول الله". {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ}. أتستبدلون هذا اللقب الذي أتيتم به بلقب اختاره الله؟ هو حبيب الله، وهو خليل الله، لكن أتيتم بشيء، ولم تمشوا على طريقة السلف الصالح. وطائفة أخرى: الجهاد، الجهاد، الجهاد، الجهاد، الجهاد. وضيعوا أبواب الدين كله. وجهاد على مزاجهم. هم من يفتيهم فيه: طبيب، مهندس، محامي، محاسب. كان مقبوعاً في السجون، وخرج: طبيب، مهندس، صار قائد للمجاهدين. هو الذي يفتي، وهو الذي يقرر الجهاد. هل هذا يكون جهاداً شرعياً؟ أهل السنة والجماعة هم دعاة الجهاد الشرعي: إذا قامت شروطه أفتوا به، وإذا قامت الموانع لم يفتوا به. ويعلمون أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عزه الله بالجهاد، ومن قاتل لتكون كلمة