الدرس في الركائز العشر 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
الذكاء ركيزة أساسية لتحصيل العلم، ويكون إما فطرياً أو مكتسباً بالتمرين العقلي كالحفظ والتكرار. ويحتاج العقل إلى رياضة مستمرة كالحفظ والتدقيق لتسهيل الفهم، كما فعل العلماء كإمام أحمد.
تكرار العلم يرسخه في الذهن ويمنح الذكاء وقوة الحفظ، وينصح الطالب بتدريب نفسه على فهم المسائل الدقيقة. الحرص على التحصيل يظهر في المواظبة على مجالس العلم والقراءة المسبقة والمراجعة المستمرة اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
يظهر حرص طالب العلم في التبكير إلى الدرس وتدوين الفوائد وتصنيفها وعدم تفويت أي مجلس علم. كما أن حفظ الوقت واستثماره في العلم والعمل الصالح من أعظم علامات الحرص وأساس التحصيل.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فتقدم معنا في دروس ماضية ذكر بعض الركائز العشر للتحصيل العلمي التي ينبغي لطالب العلم أن يحققها، وأن يرعاها، وأن يقوم بها. وقد أخذنا الأول والثاني والثالث والرابع. قال خامسًا: الذكاء. والذكاء يكون جبلة، ويكون مكتسبًا. فإن كان المرء ذكيًا قوّاه، وإلا مرّن نفسه حتى يكتسبه. قال: والذكاء من الأسباب القوية المعينة على تحصيل العلم وفهمه وحفظه، والتفريق بين المسائل، والجمع بين الأدلة، وغير ذلك. هذه الركيزة وما بعدها من الركائز مأخوذة مما أثر عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال في أبيات له: «أخي، لن تنال العلم إلا بستة سأنبئك عن تأويلها ببياني ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة تلقين أستاذ وطول زماني» فالأربع الأولى مع هذه الست هي التي أرادها المؤلف من هذه الركائز العشر. فالذكاء كما ذكر المؤلف حفظه الله أن منهما يكون جبلة، يعني: من الناس من يطبع على هذه الخصلة، ألا وهي الذكاء، إما وراثة، وإما هبة من الله عز وجل. فبعض الأسر مشهورة بالذكاء، وبعض الناس مشهورون بالذكاء، فتكون ذريتهم كذلك. ومن الذكاء ما يكون مكتسبًا، أي: أن الشخص يمرّن نفسه ويعوّد نفسه على اكتساب الذكاء. فإن العقل يحتاج إلى رياضة كما أن الجسد يحتاج إلى رياضة. إذا أردت أن تكون قويًا في جسدك، إذا أردت أن تكون متينًا في بنيتك، فإنك تقوم ببعض الرياضات. ولذلك من يتعاطى الرياضة يكون قوي الجسد، متين البنية. هذه رياضة الجسد، فكذلك العقل له رياضة. متى ما مرّن العبد نفسه على هذه الرياضة اكتسب الذكاء. فمثلًا: إذا عودت نفسك ومرّنت نفسك على الحفظ، في أول الأمر تجد مشقة. إذا أردت حفظ آية، أو حفظ صفحة، أو نصف صفحة، ربما تجد مشقة شديدة في بداية الأمر. فإذا استمررت على هذا وصبرت وجاهدت ومرّنت نفسك على الحفظ كل يوم، فما هي إلا أيام ويسهل عليك الحفظ. لماذا؟ لأن العقل قد تمرّن على الحفظ، وتمرّن على الذكاء، وعلى الفهم. وأما إذا لم تمرّن نفسك على الحفظ، وعلى فهم المسائل، وعلى التدقيق في المسائل، فيبقى العقل على ما هو عليه. ولذلك لو قرأت في سير العلماء تجد أن بعض العلماء ربما درس علمًا من العلوم مرات كثيرة. الإمام أحمد يؤثر عنه أنه درس الحيض في سبع سنوات، كتاب الحيض في سبع سنوات. ليس معنى ذلك أنه لم يفهم هذا الباب، ولكنه لتمرّنه وهكذا تمكنه من هذا الباب. وهكذا العلماء، تجد فلانًا درس كتابًا في الفقه كذا وكذا مرة، وذاك في النحو كذا وكذا مرة. فأنت يا طالب العلم لا تقنط نفسك، ولا تقول: أنا ما أصلح، أنا عندي بلادة، أو ليس عندي حفظ، وليس عندي ذكاء. مرّن نفسك، وعوّد نفسك على الحفظ. فإذا اعتاد العقل على الحفظ صار هذا الحفظ سجية له، وسهل عليه الحفظ. ولذلك تتعجب من بعض الناس، ربما يحفظ الأحاديث الطويلة، ربما ثلاثة أوراق أو أربع أوراق، يحفظها حفظًا. لماذا؟ لأنه اعتاد على الحفظ، ومرّن نفسه على الحفظ. فمعنى ذلك أن الذكاء قد يكون مكتسبًا، وذلك بالرياضة والتمرين والتكرار. ولذلك يقول بعض السلف: «حياة العلم مذاكرته». يعني: كثرة المذاكرة، وكثرة تكرار العلم. فكثرة تكرار العلم ليس يعلم البلداء، إنما يعلم الشطار، ويعلم الأذكياء. لماذا؟ لأن بتكرار العلم يثبت، وبتكرار العلم يبقى. فهذه من أسباب اكتساب الذكاء، وكذلك قوة الذاكرة والحفظ. وهكذا التعود على فهم بعض المسائل، مرّن نفسك على فهم دقائق العلم. إذا مررت بمسألة ولم تفهمها لا تيأس، بل حاول وكرر القراءة والنظر حتى تفهم هذه المسألة. ولا بأس أن تستعين بشيخ، أو بمدرس، أو بزميل يبين لك فهم هذه المسألة. وهكذا بممارستك لهذه المسائل، ولهذه المحفوظات، تكتسب ذاكرة طيبة، وتعد من النجباء الأذكياء. فهذا أمر مهم جدًا لطالب العلم أن يمرّن نفسه على الحفظ والفهم، وعلى كذلك تكرار المسائل. قال سادسًا: الحرص على تحصيل العلم. وهذا كما ذكر: ذكاء، وحرص، واجتهاد، وبلغة. فمن الركائز المهمة التي يحتاج إليها طالب العلم: الحرص على تحصيل العلم. قال سادسًا: الحرص على تحصيل العلم. قال: والإنسان إذا عرف أهمية الشيء حرص على تحصيله. والعلم أعظم شيء يتحصله المرء. فعلى طالب العلم الحرص الشديد على حفظ العلم وفهمه، ومجالسة العلماء والتلقي عنهم. ويحرص على كثرة القراءة، واستغلال عمره وأوقاته، ويكون شحيحًا جدًا على وقته. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول كما في حديث أبي هريرة في مسلم: «احرص على ما ينفعك». وأعظم ما ينفع العبد في هذه الدنيا طلب العلم النافع. هكذا يقول لك نبيك صلى الله عليه وعلى آله وسلم: احرص على ما ينفعك. فكن من طلاب العلم الحريصين على تحصيل العلم. وكيف يعرف الشخص بأنه حريص على العلم؟ أولًا: بحرصه على أسباب تلقي العلم. فأسباب ووسائل تلقي العلم كثيرة، من أهمها: مجالسة العلماء، والحرص على حلق العلم. فإذا رأيت الطالب يحرص على مجالس العلم، وكذلك يحب مجالس العلم والتردد إلى مجالس العلم، فهذا دليل حرصه على العلم. وهكذا من وسائل تلقي العلم: القراءة، كثرة القراءة والاطلاع. القراءة أولًا في العلم الذي يدرسه. تجد الطالب الحريص إذا كان يدرس الفقه يقرأ، ربما قبل أن يدخل إلى الدرس، يقرأ هذا الباب الذي سيؤخذ. هذا دليل الحرص. يتصور هذا الباب الذي يريد أن يدرسه، فتبقى في ذهنه إشكالات تتعلق بهذا الباب من أبواب الفقه. فإذا جلس عند الشيخ أو عند المدرس، فكّ له وحلّ له تلك الإشكالات. فإذا بقي إشكال في ذهنه سأل عنه، سأل المدرس أو الشيخ عن هذا الإشكال. هذا دليل الحرص. كذلك إذا جاء في اليوم الثاني، تجده يراجع هذا الدرس. ما أن يسأل الشيخ عن مسألة مرت في الدرس الماضي إلا وعنده الجواب. هذا دليل الحرص، لأنه قد راجع درسه، وقد أحكم هذا الدرس. كذلك من علامات الحرص: أنه إذا غاب عن الدرس لعذر ما، يحرص على أن يقتني التسجيل، إن كان هناك من يسجل، أو يسأل طالبًا، ويطلب من طالب حضر هذا الدرس أن يقرأ عليه الدرس الماضي. ما يحب أن يفوته شيء من هذا الدرس. هذا دليل الحرص. انظر إلى عمر رضي الله تعالى عنه، كان يتناوب هو والأنصار. يذهب يوم، يجلس مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم يحتاج إلى أمور معاشه فينشغل، فيذهب الأنصار في اليوم الثاني. فاليوم الذي يحضر فيه عمر يلقي هذا العلم على الأنصار، واليوم الذي يحضر الأنصار يلقي الأنصار هذا الدرس على عمر. انظروا إلى الحرص. ربما الآن الطالب، يعني: إذا غاب، كأنه قد عفي عن هذا الدرس، ولم يخصه هذا الدرس. إذا سألته عن مسألة مرت في الدرس الماضي وهو لم يحضر، قال: أنا ما حضرت. يعني كأنه يقول: عذرني، أنا لست مسؤولًا عن هذا الدرس. هذا خطأ، هذا خطأ. لأنه سيفوتك باب من أبواب العلم، ومسألة من مسائل العلم. فإذا كنت حريصًا على العلم ستطلب من زميل لك، أو ستطلب التسجيل إن كان الدرس يسجل، وتستمع إلى هذا الدرس. هذا دليل الحرص. دليل الحرص كذلك: الحضور إلى مجلس العلم مبكرًا، قبل حضور المدرس. تتعجب في بعض الدروس: المدرس يحضر قبل الطلاب، ويفتح الكتاب وينتظر، ويأتي طالب تلو الآخر، ثم يبدأ في الدرس. أين الحرص؟ الطالب هو الذي يحضر أولًا ويستعد للدرس. إما أن يأتي الطالب وقد شرع المدرس في الدرس، فيفوته شيء من الدرس، يفوته شيء من الدرس. فهذا دليل عدم الحرص على العلم. وهكذا ربما يحضر الطالب إلى الدرس بدون دفتر، وبدون قلم، وبدون تسجيل للفوائد. هذا دليل على عدم الحرص. لست أنت من العلماء الأوائل الذين يحفظون بالسمع، كل ما سمعته يعني تحفظه. إنما تحفظ المسائل بالقيد والتسجيل. قيد العلم بالكتاب. تكتب الفوائد، تميز الفوائد: فائدة الفقه تضعها في باب الفقه، فائدة العقيدة تضعها في باب العقيدة، فائدة اللغة تضعها في باب اللغة. هذا كله دليل الحرص. أما الطالب العشوائي الذي يحضر كيف شاء ومتى شاء، ويجلس دون أن يستفيد من الفوائد ومن المعلومات، ويظن أنه سيحفظها، فإذا خرج من الدرس نسي ما ألقي في الدرس، وإذا سئل عن مسائل مرت حكّ رأسه ولم يجبك بشيء. فهذا من الخطأ، وهذا مما يدل على عدم الحرص. فطالب العلم يحرص على العلم بجميع وسائل الحرص. يكون حريصًا على العلم، حريصًا على تقييد الفوائد، حريصًا على التبكير، حريصًا على الفهم، حريصًا على القرب من المدرس، حريصًا على الكتابة، حريصًا على الفهم، حريصًا على كذلك... حريصًا كذلك على إتقان العلم الذي يتعلمه. فهذا كله يدل على حرص الطالب. وهكذا من علامات حرص الطالب على تحصيل العلم: حفظ أوقاته، يحافظ على وقته، ما يضيع وقته بالقيل والقال. يقول الحسن البصري عليه رحمة الله: «أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد حرصًا منكم على دنانيركم ودراهمكم». كانوا يحرصون على أوقاتهم مثل ما يحرص الواحد منا اليوم على ريالاته. ربما الواحد منا يبخل أن يدفع لزميل له كذا وكذا من المال، لشدة حرصه على ماله. فانظر إلى وقته: سهل جدًا أن تضيع الأوقات الكثيرة في القيل والقال، وفي الأعمال التافهة التي لا ينتفع بها. فمن حرص طالب العلم على العلم: أن يستغل أوقاته، يستغل الأوقات، كل ثانية، كل دقيقة، كل لحظة، تجده يحرص على أن يقضيها في العلم، وفي الخير، وفيما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى. فهذه أيضًا من الأمور المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن ينتبه لها، فهي من الركائز العظيمة التي بها يتحصل الطالب على العلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر شكرًا