إياكم والبغي

المحاضرة بعنوان إياكم والبغي، وكانت بمسجد خالد العمر بمنطقة المقد الجمعة 5 ربيع الآخر 1434هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فضل مجالس العلم والذكر والتحذير من البغي

يستهل الخطيب بالترغيب في مجالس تدارس القرآن والعلم في بيوت الله مبيناً أنها رياض الجنة التي تنزل فيها السكينة وتحفها الملائكة. ثم ينتقل للتحذير من ظاهرة البغي المستفحلة معرفاً إياه بالاعتداء على أموال الناس وأنفسهم وأعراضهم ومبيناً تحريم الله له.

تفصيل خطر البغي وأنواعه وأسبابه الدنيوية

يبيّن المقطع خطورة البغي والظلم على العباد مستدلاً بالآيات والأحاديث التي توعد أهلها بالعذاب العاجل والآجل. كما يقسم البغي إلى بغي على النفس بالمعاصي وبغي على الغير بالاعتداء مستعرضاً أبرز أسبابه كحب الدنيا والتنافس فيها.

البغي والتكبر: أسبابهما وعاقبة الظالمين ونصر المظلومين

يبيّن المقطع خطورة البغي والتكبر كأسباب رئيسية للاعتداء على الناس مستدلاً بالوحي النبوي وقصص قارون وفرعون. ويوضح أن الجهل والهوى يدفعان للظلم مع تأكيد نصر الله للمظلوم وجواز الانتصار بالمثل أو العفو والصبر.

التحذير من مصاحبة أهل البغي والكبر ونعمة الهداية النبوية

يحذر المقطع من مجالسة أهل البغي والكبر والتجبر لأن القرين يُحشر مع قرينه يوم القيامة وقد يورد صاحبه النار مستشهداً بقصة رجل نجاه الله. ثم ينتقل إلى نعمة الهداية العظمى التي منّ الله بها على الأنصار عبر النبي ﷺ مذكراً إياهم بأنهم كانوا ضلالاً فهداهم.

عظمة نعمة الهداية والتوفيق الإلهي يوم القيامة

الهداية إلى الحق والثبات عليه من أعظم نعم الله على العبد وهي فضل منه لا يُنال إلا بتوفيقه كما دلت قصص الأنبياء. يوم القيامة يدرك المؤمن قدر هذه النعمة حين يرى مصير المضلين ويسمع قولهم يا ويلنا بينما يقول المؤمنون هذا ما وعد الرحمن.

التفريغ النصي الكامل

فاتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أولا نعتذر لإخواننا أهل هذا المسجد على التأخير، فإنه أمر قدره الله سبحانه وتعالى وما كان في الحسبان، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزي إخواننا خيرا وأن يعذروا على هذا التأخير. ثم بعد ذلك بما هم عليه من خير ومن محبة لهذه المجالس أن يجتمع أهل الإسلام في بيت من بيوت الله يتدارسون كتاب الله ويتفقهون في دين الله وينصح بعضهم بعضا ويذكر بعضهم بعضا، فإن المؤمن إذا ذكر تذكر وإذا وعظ اتعظ، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فالمؤمن ينتفع بالذكرى ولا غنى له عن مثل هذه المجالس إن أراد أن يصلح قلبه وإن أراد أن يزكي نفسه، فإن صلاح هذه القلوب لا تكون في الشوارع ولا في المقاهي ولا أمام شاشات التلفاز، إنما صلاح هذه القلوب والتي بها صلاح الجسد كله إنما تكون في مثل هذه المجالس، فإنك في هذه المجالس تسمع من كلام الله وتسمع من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما فيه شفاء لقلبك، فالقرآن شفاء من أمراض المعاصي والقسوة ومن أمراض كذلك ذو الغلظة وكذلك غير ذلك مما تنتاب القلوب من أمراض القلوب، فأنت بحاجة ماسة إلى مثل هذه المجالس تسمع من كلام الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتنال الأجر العظيم. هذه المجالس لا تعدم من فائدة، فيها جوائز ثمينة وفيها كذلك بشارات عظيمة، جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده». فهذه المجالس من أعظم أسباب زيادة الإيمان، لماذا؟ لأن في هذه المجالس تتنزل السكينة، ونزول السكينة سبب من أسباب زيادة الإيمان، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾. فهذه المجالس من أعظم أسباب زيادة الإيمان. فكما تعلمون أن من معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، فحري بالمسلم أن يحرص على زيادة إيمانه وعلى تتبع الأسباب التي تزيد من إيمانه، ومن أعظم هذه الأسباب مثل هذه المجالس المباركة التي تشعر فيها بالسعادة وتشعر فيها بالراحة وتشعر فيها بالطمأنينة. نعم، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»، قيل: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: «حلق الذكر، حلق الذكر». قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: حلقة ذكر أي حلقة علم، حلقة ذكر أي حلقة علم. فهذه المجالس سماها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم برياض الجنة، تلكم الرياض التي إذا دخلها الإنسان انشرح قلبه لما يرى من الخضرة والبهجة ولما يرى من الثمار والزروع، فهذه المجالس شبهت برياض الجنة لما فيها من الذكر والعلم ولما يشعر فيها المسلم من البهجة والسرور والراحة والطمأنينة. وهكذا هذه المجالس تشعر فيها بالسكينة وبكذلك الراحة والطمأنينة. فقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يشعرون بذلك كما جاء في حديث حنظلة عند مسلم، لما قال حنظلة رضي الله تعالى عنه: كنا لما نكون عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يذكرنا بالجنة والنار حتى وكأنها رأي عين، ثم قال: حتى وكأن على رؤوسنا الطير، حتى وكأن على رؤوسنا الطير، يعني من السكينة ومن كذلك الطمأنينة، فيكون صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كالشيء الثابت الساكن الذي لا يتحرك مما هم عليه من الخشوع ومن السكينة ومن الطمأنينة حتى يأتي الطير على رأس أحدهم فيظن هذا الطير أن هذا شيء أن هذا شيء ثابت لا يتحرك فيستقر على رأسه لما يجد من سكون هذا الشيء وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى وكأن على رؤوسنا الطير، هكذا يقول حنظلة رضي الله تعالى عنه. فهذه المجالس مجالس عظيمة، ما ينبغي لأهل الإسلام أن يستبدلوها بمجالس القيل والقال ومجالس الغيبة والنميمة ومجالس النظر إلى ما حرم الله ومجالس اللهو واللعب، بل ينبغي علينا جميعا أن نحرص على مثل هذه المجالس وأن نطلبها وأن نسعى إليها دائما وأبدا ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. هذه مقدمة وترغيب في مثل هذه المجالس، أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها. أما ما أردت أن أذكر به في هذا المجلس فهو عن ظاهرة سيئة قد فشت وانتشرت وظهرت واستفحلت في مجتمعات أهل الإسلام، ظاهرة إن لم يتدارك أهل الإسلام أنفسهم ويبتعد عنها لربما تكون سببا في العقوبة العاجلة قبل الآجلة. هذه الظاهرة عباد الله هي ظاهرة البغي، وهو الاعتداء، الاعتداء على الغير سواء كان ذلك الاعتداء على الغير في ماله أو في نفسه أو في أهله أو في ولده أو في عرضه أو في دمه أو إلى غير ذلك، فهذا الأمر حرمه الله سبحانه وتعالى وقرنه بالشرك به سبحانه وتعالى كما قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. انظروا كيف قرن ربنا سبحانه وتعالى البغي بغير الحق بالإشراك به سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ليس معناه استثناء وقيد في خروج بعض البغي، وإنما المراد بيان الواقع وبيان الحال، أي أن البغي كله بغير حق، أن البغي كله بغير حق، وهذا يسمى عند أهل البلاغة بالصفة الكاشفة التي تبين الواقع والحال، فكل بغي فهو بغير حق، فهو بغير حق. فهكذا يقول ربنا سبحانه وتعالى في نهيه عن البغي بصريح القول، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. والموعظة هو الكلام الذي تلين له القلوب، وأعظم ما يوعظ به الإنسان أن يذكر بأوامر الله كي يمتثلها وأن يذكر بما نهى الله عز وجل عنه ليجتنبها، ففي هذه الآية ذكر الله عز وجل من الأوامر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربة وكذلك ذكر ربنا سبحانه وتعالى بالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، فهذه موعظة من الله سبحانه وتعالى وهي صريحة في نهي الله سبحانه وتعالى لهذا الجرم العظيم ألا وهو البغي والاعتداء على عباد الله سبحانه وتعالى. نعم أيها المسلمون عباد الله، وهكذا البغي أيها المسلمون، توعد الله سبحانه وتعالى أهله بالعذاب الأليم، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أولئك لهم عذاب أليم. فانظروا إلى خطورة هذه الجريمة الشنعاء ألا وهي البغي والاعتداء على عباد الله سبحانه وتعالى. البغي أيها المسلمون، قد أخبر نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن عاقبته عاجلة قبل أن تكون آجلة، وأن العاجلة مدخرة للباغي، فقد جاء في حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه عند الترمذي وأبي داود قال عليه الصلاة والسلام: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له يوم القيامة من البغي وقطيعة الرحم»، صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. هذا الحديث فيه وعيد شديد لمن بغى وطغى وتجبر على عباد الله سبحانه وتعالى، أن الله عز وجل يعجل له العقوبة، يعجل له العقوبة في هذه الدنيا قبل الآخرة، وهل يسلم من عقوبة الآخرة؟ لا، لا يسلم من عقوبة الآخرة، بل يدخر الله سبحانه وتعالى له العقوبة في الدار الآخرة للباغي وللقاطع لرحمه وكذلك العاق لوالديه. فأيها المسلمون هذا أمر خطير ينبغي على المسلم أن يفتش عن نفسه وأن يسأل نفسه، وأن يسأل نفسه: هل بغى على أحد في عرضه أو في ماله أو في كذلك أهله أو في ولده أو إلى غير ذلك، يسأل نفسه، فالأمر جد خطير، وهذه النصوص زاجرة وكافية في الردع عن هذا الأمر العظيم ألا وهو البغي والاعتداء على عباد الله سبحانه وتعالى. والبغي ينقسم إلى قسمين: بغي الإنسان على نفسه، وبغي الإنسان على غيره. أما بغي الإنسان على نفسه فبأن يعمل عملا يوجب له العذاب، يوجب له العذاب من الله سبحانه وتعالى، كمن يشرك بالله ويسرف على نفسه بالمعاصي والذنوب والآثام، فهذا قد بغى على نفسه، فهذا قد بغى على نفسه كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حاكيا عن بني إسرائيل، حاكيا عن بني إسرائيل أنهم فعلوا الشرك وخالفوا الرسل بغيا بينهم، بغيا بينهم. وهكذا أخبر الله سبحانه وتعالى عن أمم أخرى أنهم بسبب بغيهم وبسبب ظلمهم لأنفسهم أخذهم الله سبحانه وتعالى، وهكذا نزلت بهم العقوبات العاجلة قبل الآجلة، قبل الآجلة. وأما النوع الثاني من أنواع الظلم أو من أنواع البغي فهو بغي الإنسان على غيره، وذلك بالاعتداء والتطاول والاحتقار وإلى غير ذلك، فهذا أيضا يعد من البغي وهو أخطر أنواع البغي، لماذا؟ لأن ضرره متعد، لأن ضرره متعد. أيها المسلمون عباد الله، ينبغي علينا أن نقضي وأن نجتث هذا المرض من جذوره ومن أصوله ومن أساسه، وذلك باجتناب أسبابه، باجتناب أسبابه. فأنت إذا نظرت إلى البغي لوجدت أن له أسبابا دفعت ذلكم الباغي إلى أن يبغي وأن يطغى وأن يعتدي على غيره من المسلمين، على غيره من المسلمين. فمن أعظم هذه الأسباب المؤدية إلى البغي: حب الدنيا والتنافس فيها، وهكذا حب الإكثار من حطامها، فهذا من أعظم أسباب البغي بين الخلق. دليل ذلك ما أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن قارون، عن قارون، أعطاه الله سبحانه وتعالى من الكنوز من الأموال العظيمة، فكانت هذه الأموال سببا في تكبره وفي تغطرسه وفي احتقاره للخلق، فكانت سببا في هلاكه وفي نزول العقوبة عليه. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. نصحه الناصحون وذكره أهل العلم فلم يرعوي، يرعوي، ولم ينزجر عن بغيه وعن فساده، فماذا كانت العاقبة؟ أن خسف الله سبحانه وتعالى به وبداره الأرض، وبداره الأرض. وهكذا مما يدل على هذا المعنى ما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم». والشح هو البخل والإمساك مما رزق العبد من متاع هذه الدنيا، حرصا في هذه الدنيا وتعلقا بهذه الدنيا حتى لا ينقص ماله وحتى لا يتنقص دنياه، فيشح بماله، فهذا الشح أدى بأصحابه أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم. انظر هذه الفتن الموجودة الآن على الساحة اليمنية وعلى غيرها من الساحات العربية، من القتل والقتال ومن الجري ومن الجري، وهكذا التسابق إلى الكراسي والمناصب، إنما سبب ذلك هو حب الدنيا والتنافس فيها، كل واحد يريد أن يملأ جيبه ويريد أن يحسن وضعه بأخذ هذا المال بسبب تلك المناصب وتلك كذلك الوزارات وإلى غير ذلك، فحمل هؤلاء على أن سفكوا دماءهم، لا إله إلا الله، لو أحصيت في هذه الفتن الأخيرة منذ سنتين أو ثلاث سنوات كم دماء أريقت في اليمن بسبب هذه الفتن لربما تجاوزت المئات، تجاوزت المئات من الأرواح التي أزهقت بسبب هذه الفتن، فتن الدنيا وفتن المناصب، ولا حول ولا قوة إلا بالله، إنه مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «حملهم ذلك البخل وهذه الدنيا على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم». فالحذر الحذر عباد الله من هذه الدنيا، كم من أخ قتل أخاه بسبب ربما قطعة أرض أو بسبب بيت أو بسبب متاع من متاع هذه الدنيا، كم من جار قتل جاره بسبب شيء من ذلك، حظوظ هذه الدنيا، كل ذلك سبب للبغي والعدوان والاعتداء. فالدنيا من أعظم أسباب البغي بين الناس. وهكذا من أسباب البغي بين الناس: الكبر والفخر والخيلاء والترفع على عباد الله ورد الحق وغمط الناس، وهذا هو الكبر الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحذر منه، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد». الله سبحانه وتعالى يوحي لنبيه صلى الله عليه وسلم كل السنة، فلماذا خص الوحي بهذا الأمر؟ قال أهل العلم: دليل على الأهمية والاختصاص، لأن هذا الأمر مهم، نص عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلفظ الوحي: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَوْحَىٰ إِلَيَّ﴾، وأن الله سبحانه وتعالى يوحي إلى نبيه كل السنة، يوحي إلى نبيه كل السنة، ولكن خص الوحي في هذا الحديث للأهمية والاختصاص، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله أوحى إليه»، حتى تشتد الأسماع إلى هذا الوحي وإلى هذا الأمر الذي سيلقى على الأسماع، فقال عليه الصلاة والسلام: «أن تواضعوا، أن تواضعوا»، لماذا نتواضع؟ «حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد». نعم، إن الكبر والخيلاء سبب لاحتقار الناس، والشخص إذا احتقر الناس اعتدى عليهم، اعتدى عليهم، ربما أخذ مال فلان يقول لك: هذا ضعيف، ماذا سيعمل؟ ما عنده أحد في المسؤوليات ولا يستطيع أن يحرك ساكنا، فيستحل ماله أو يستحل أرضه، لماذا؟ احتقارا، احتقارا لهذا المسكين الضعيف الذي ما له إلا الله سبحانه وتعالى، فبسبب هذا الاحتقار بغى على أخيه المسلم، بغى على أخيه المسلم. وهكذا من الكبر: رد الحق، رد الحق، يعلم الحق ولكن يمنعه كبرا وهوى لما في نفسه من الهوى ولما في نفسه من الكبر، فإن هذا الهوى يضله عن سبيل الله، يبين له الحق وتبين له كلام أهل العلم في فتنة ما أو في مسألة ما، فيستمر على بغيه، يستمر على رميه لإخوانه أهل السنة وأهل الصلاح وأهل الخير سواء بحزبية أو كذلك بكذب وافتراء أو كذلك بغيبة ونميمة أو إلى غير ذلك، هذا هو السبب في بغي أولئك، إنه رد الحق، إنه اتباع الهوى، إنه الكبر والغطرصة، والعياذ بالله، فهذا من أعظم أسباب الوقوع في البغي سواء كان في الأعراض أو في الدماء أو كذلك في الأهل والأولاد أو إلى غير ذلك. وهكذا من أسباب البغي الذي ينبغي أن نحذرها وينبغي كذلك أن نبتعد عنها من تلك الأسباب: الجهل، الجهل بما جاء من وعيد شديد لمن بغى وطغى، وقد سمعنا طرفا من ذلك الوعيد في أول تلك الكلمة، فلو أن المؤمن عظم أوامر الله وعظم شرائع الله وعظم ما نهى الله عنه لما تجرأ على أن يقع في مثل هذا الأمر العظيم ألا وهو البغي والاعتداء على إخوانه المسلمين. فقدم معنا أن البغي قد توعد صاحبه بالعذاب الأليم، وهكذا قد عجلت له العقوبة، عجلت له العقوبة، وكذلك أن الله سبحانه وتعالى نهى عنه بصريح القول، وأن هذا الفعل قد قرنه الله سبحانه وتعالى بالشرك، فماذا بعد هذا؟ لماذا يصر الباغي على بغيه؟ إنه بسبب الجهل، إنه بسبب الجهل بدين الله سبحانه وتعالى. وهكذا عباد الله، ينبغي علينا أن ننظر إلى عاقبة الطاغين، عاقبة الباغين، وأن خاتمتهم خاتمة سوء، سمعنا ما حدث لقارون لما بغى وطغى، خسف الله به وبداره الأرض، وهكذا فرعون بغى وتعدى على بني إسرائيل فأغرقه الله، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾، فالله سبحانه وتعالى أغرقه لأنه طغى وبغى وتكبر واعتدى على عباد الله عز وجل. وكم كم رأينا بأم أعيننا عبرا، وهكذا صورا حية لألأبغاة ولتلك المعتدين على المسلمين، ذاك يشرد، وذاك يكون ذليلا مهانا بعد أن كان مطاعا وبعد أن كان رئيسا، وهكذا ذاك ربما يصاب بالحالات النفسية، وذاك يعني يموت ميتة سيئة، وإلى غير ذلك، كل هذا بسبب البغي والعياذ بالله والاعتداء على عباد الله. أيها المسلمون عباد الله، كذلك مما ينبغي أن نعلمه أنك أيها المبغى عليك، أيها المبغى عليك، أنت قد أرشدك ربك سبحانه وتعالى إلى الصبر والعفو وهذا فضل منك، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، فإذا صبرت وعفوت على الباغي فهذا فضل منك، فهذا فضل منك، وأجاز لك الشرع أن تنتصر لنفسك وأن تأخذ بحقك إن أردت ذلك من غير زيادة، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾، ثم قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾، فمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل، ما عليهم من حرج، ما عليهم من إثم إذا انتصروا لأنفسهم وأخذوا بحقهم، وأخذوا بحقهم، وأخذوا بحقهم. وكذلك ينبغي أن تعلم أيها المبغى عليه أن الله سبحانه وتعالى ناصرك ومؤيدك، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾، لينصرنه الله، فالله سبحانه وتعالى وعد أن ينصر المبغى عليه وأن يؤيده، فأنت ولله الحمد والمنة في نصرة من الله سبحانه وتعالى، فما عليك إلا أن تتقي الله وأن لا تعتدي على من بغى عليك بأكثر مما اعتدى عليه، فإن أردت أن تنتصر لنفسك فانتصر بقدر ما بغي به عليك. وهكذا ينبغي عليك أن تعلم أن الباغي إنما ضرر بغيه راجع عليه، راجع عليه، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾، هو الذي يضر نفسه بهذا البغي، يضر نفسه بأن تنزل عليه العقوبة العاجلة قبل الآجلة، أما أنت ما تتضرر بهذا البغي، نعم قد تتضرر في شيء من جسدك أو في مالك أو في ولدك، لكن هذا الضرر في الحقيقة هو نصرة لك وهو أجر لك، وهو أجر لك يوم أن تلقى ربك، فما عليك إلا أن تواسي نفسك وأن تصبر نفسك وأن تعلم أن هذه الدنيا قصيرة وزائلة، فمهما بغي عليك ومهما ظلمت ومهما تكلم في عرضك ومهما كذلك اتهمت في دينك وفي منهجك وفي سيرك وسلوكك، فالله سبحانه وتعالى ناصرك في الدنيا والآخرة. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى، هذا ما أردت أن أتحدث به في هذا المجلس، وأترك المجال لأخي الفاضل أبي خالد حفظه الله تعالى، فليتفضل مأجورا مشكورا، وجزاه الله خيرا. الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم وبرك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد سمعنا خيرا كثيرا في كلمة أخينا الفاضل أبي معاد حفظه الله، قد ذكر في خطورة البغي على الناس والاعتداء عليهم والتكبر، وهذا موضوع مهم وتذكير فيه، وخاصة في هذا الزمن الذي كثر فيه بغي الناس بعضهم على بعض إلا من رحم الله، وبهذا يعلم المسلم فضل الله جل وعلا عليه إذا سلمه من عدم البغي على الناس وعدم الاعتداء، فحفظ لسانه وحفظ جوارحه وكف نفسه عن الاعتداء على أموال الناس وغير ذلك، فيا نعمة عظيمة وفضل من الله سبحانه وتعالى على العبد أن يحمد الله سبحانه وتعالى عليه، وهذه منة من الله عز وجل وتوفيق وهداية منه جل وعلا لعبده، فالهداية للصراط المستقيم وللحق ولثبات عليه من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى على العباد. قد امتنى الله سبحانه وتعالى على عباده بأن هداهم ووفقهم لما يحبه جل وعلا ويرضاه، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. وهذا قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. والله جل وعلا امتنى على نبيه صلى الله عليه وسلم، قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ﴾. فأحمد الله عبد الله الذي وفقه للحق وللزوم الحق وللاستقامة على الحق والثبات عليه، كم من أناس من حرموا التوفيق للحق وحرموا الهدى، فالله سبحانه وتعالى قد قص لنا أقواما حرموا هذا الخير ولن يوفقوا لتحصيله، بل منهم من كان قريبا لبعض أنبياء الله جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى ذكر امرأة لوط وامرأة نوح، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾. وهكذا ابن نوح، كم حرص نوح على هداية ابنه ولكن لم يحصل ذلك لأن الله جل وعلا هو الذي يهدي من يشاء، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾، فدع ابنه وناداه كما قال جل وعلا على لسان نوح عليه السلام: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾، فكان مع من أغرقه الله سبحانه وتعالى مع أنه ابن نوح، حرص نوح عليه السلام على هدايته لكن الأمر لله سبحانه وتعالى من قبل ومن بعد. وهذا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، كم حرص على هداية أبيه آزر ليكون من المهتدين، ومع هذا لم يوفق آزر لهذا الهدى الذي دعاه إليه ابنه، فالله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾. كل هذه الدعوات وكل هذا الحرص من الخليل إبراهيم عليه السلام لأبيه، ومع هذا لم ينل آزر هذا الخير الذي دعاه إليه ابنه إبراهيم الخليل عليه السلام، بل الأمر كما أخبر النبي عليه السلام كما في الصحيحين: أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة فيلتقي به فيقول له: «ألم ألم أدعوك إلى الهدى؟» فيقول أبوه: «اليوم أتبعك، اليوم أتبعك»، فيدعو إبراهيم ربه جل وعلا ويقول له: «يا رب إنك وعدتني بألا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي بعد هذا الخزي وهذا أبي؟» فيقال لإبراهيم: «انظر تحت رجليه»، فينظر إبراهيم فإذا بأبيه قد تلطخ بالدم ويؤخذ بقوائمه إلى النار. وهكذا حرص نبينا صلى الله عليه وآله وسلم على هداية عمه أبي طالب الذي كان يحوطه وكان ينصره ويدافع عنه، إلا أنه لم يسلم ولم يؤمن، فالصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل على عمه أبي طالب وهو في آخر لحظات حياته وعنده جماعة من أهل البغي والكبر والكفر أمثال أبي جهل وغير أبي جهل، فقال له النبي عليه السلام: «يا عماه قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله»، فكانوا يقولون له: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» فعاد النبي عليه الصلاة والسلام عليه الدعوة: «يا عماه قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله»، وهم يعودون إلى ما قالوه له: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» وهكذا يسلم، كرر المرة الثالثة حتى كان آخر ما قال أبو طالب: هو على ملة عبد المطلب، فأنزل الله جل وعلا: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾. فإذا تأملنا هذا عباد الله، علمنا فضل الله سبحانه وتعالى علينا أن وفقنا لهذا الهدى ولهذا الخير ولهذا الحق، ربما كثير من الناس لا يقدر هذه النعمة حق قدرها، ولكن تعرف قيمة هذه النعمة ويعرف قدر هذه النعمة يوم القيامة المعرفة التامة، حين يرى العبد ذلكم اليوم تلك الأهوال التي تمر بالناس، فيعلم فضل الله جل وعلا عليه أتم وأفضل العلم وأكمل العلم. فالله عز وجل ذكر في كتابه الكريم حين يبعث الناس من قبورهم، يبعث أهل الضلالة ويبعث أهل السعادة، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۚ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾، أهل الضلالة، أهل البغي، أهل الاعتداء، أهل التكبر، هؤلاء يبعثون على هذا الشأن: ﴿يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾، أما أهل التواضع، أهل الحق، أهل العدل، أهل الإسلام الحق، فهم يقولون: ﴿هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. وهذا خبر الله جل وعلا في كتابه الكريم عن ذلك الرجل الذي رأى قرينه في وسط الجحيم، ذلك القرين الذي إذا اتبعه في الدنيا فربما كان سببا في إغوائه وفي إيقاعه في نار جهنم، عياذا بالله، فلما يراه يوم القيامة في سواء الجحيم يعرف فضل الله جل وعلا عليه ونعمة الله جل وعلا عليه أتم النعمة، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾، أي: لو أن الله، لو لأن الله سبحانه وتعالى منّ علي بأن وفقني للهدى والابتعاد عنك، لكنت معك في نار جهنم، عياذا بالله. فالإنسان يحذر من القرين السيء، يحذر من أهل التجبر، يحذر من أهل الكبر، يبتعد عن أهل البغي، فإن الإنسان إذا كان قرينا لأهل البغي ولأهل الكبر، والعياذ بالله، فربما كانوا سببا في إيقاعه في نار جهنم معهم، لأن القرين مع قرينه، القرين مع قرينه يوم القيامة، فالحذر الحذر من هؤلاء، وأن يبتعد الإنسان عن أهل البغي وعن مجالسهم وعن مصاحبتهم، وإلا لربما أوقعوه في نار جهنم، عياذا من الله، كما حكى الله جل وعلا عن هذا الرجل الذي يذكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه كيف لما نجاه من هذا القرين، وإلا لكان معه في سواء الجحيم، أي في وسط الجحيم. والهداية عباد الله نعمة عظيمة، ولذلك نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لما وجد الأنصار في أنفسهم شيئا حين قسم عليه الصلاة والسلام الغنائم وأعطى بعض الناس يتألفهم، فكأن الأنصار وجدوا في أنفسهم شيئا، كما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه وارضاه، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم، يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي؟ ألم أجدكم متفرقين فجمعكم الله بي؟» يذكرهم نعم الله سبحانه وتعالى عليه، أن كان عليه الصلاة والسلام سببا في هدايتهم، في إخراجهم من الظ