أداء الحقوق  16

أداء الحقوق 16

الدرس في أداء الحقوق 16، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

وجوب بذل المعروف وأهميته

يشرح الخطيب وجوب بذل المعروف في بعض الأحيان خاصة عند الحاجة الماسة، مستشهدا بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وموقف الأنصار مع المهاجرين. يبرز أهمية هذا البذل في تعزيز التكاتف بين المسلمين.

أمثلة من السنة النبوية على البذل والعطاء

يذكر المقطع أمثلة من السنة النبوية على البذل والعطاء، حيث كان الأنصار يقتسمون أموالهم مع المهاجرين ويقدمون أمثلة على التضحية والإيثار. كما يروي قصة قوم مجتابي النمار من غطفان وكيف حث النبي أصحابه على البذل لهم.

التكاتف والمؤاساة في أوقات الشدة

يبرز المقطع أهمية التكاتف والمؤاساة بين المسلمين في أوقات الشدة، مستشهدا بمواقف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حيث كانوا يتكاتفون ويساعدون بعضهم في الأوقات العصيبة. يشدد على ضرورة هذا التكاتف في مواجهة المحن.

ختام وتأكيد على الصلاة والسلام على النبي

يختتم المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويؤكد على علم الله تعالى. يُظهر الختام احترامًا وتقديرًا للنبي وآله، ويختتم الخطبة بالتذكير بأهمية الصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فقد ذكرنا إخواني في دروس، أو في درس أمس، ما يتعلق بذكر أهم الحقوق التي ينبغي أن يؤديها المسلمون بعضهم لبعض، وذلك اعتمارا وتأدية للأخوة الإيمانية التي أمر الله جل وعلا بأدائها. وذكرنا أعظم حق من هذه الحقوق، وهو الذي ذكره العلماء في كتبهم، وسموه ببذل الندى. وقلنا إن الندى عند أهل اللغة هو المعروف. هذا الحق، إخواني في الله، من أعظم الحقوق. وقد ذكرنا في الدرس الماضي ما يتعلق بالأدلة العامة والخاصة الدالة على فضل هذا المقام، وهو أن المسلم يحرص على أن يبذل خيره، وأن يبذل نفعه للآخرين، وأن لا يقتصر هذا في نفسه أو في خاصة نفسه وأهله، وإنما عليه أن يبلغ هذا الخير الذي حباه الله له إلى سائر من حوله من المسلمين. ذكرنا الفضائل التي جعلت في حق من ربى نفسه على هذا الخلق، ومشى على هذا النمط، إلا أن هذا الحق، إخواني في الله، وإن كان هو من الأعمال المندوبة، ومن الفضائل المحبوبة، إلا أنها قد تجب أحيانا. فليس هذا المقام، إخواني في الله، يبقى مستحبا إلى الأبد، بل ربما هذا الاستحباب قد يصل للوجوب. فمثل المال، المال قد تجب فيه الزكاة فقط، لكن يبقى هناك حق آخر، لربما يجب عليك أن تبذل المال في غير الزكاة، وذلك متى ما كان الناس بحاجة إلى هذا المال، وكان فيه مهلكة لأمم وطوائف من المسلمين. وهكذا، إخواني في الله، ما يتعلق ببذل الخير، وبذل العطاء للناس، وإعانتهم والنصر والتأييد لهم، قد يجب أحيانا. ولنا عبر، إخواني في الله، في سيرة عليه الصلاة والسلام، وخاصة وذلك إذا ألمت بالمسلمين مدلهمة، أو ابتلية الأمة بمصيبة عظيمة، اكتسحها الجذب والجفاف والقحط، وأصاب الكثير من النواحي المجاعات. والناس في بعض الطوائف، في بعض الأنحاء، عندهم سعة. فهؤلاء الذين عندهم سعة يجب عليهم أن يتكاتفوا مع من ابتلوا بمثل هذه المصائب، أن يقفوا بإزائهم، وأن يقفوا بجوارهم. ولنا عبر، كما قلنا، إخواني في الله، في سيرة عليه الصلاة والسلام، نبينا صلوات ربي والسلام عليه. لربما استنفر الأمة، استنفر الأمة، وطلب من الصغير والكبير، والذكر والأنثى، الكل أنه يمد يد العون لإخوانهم، متى ما كانوا في بلية، ووقعوا في ملمة. ومن تلك المواقف ما يمر علينا دائما وكثيرا حول هجرة الصحابة رضي الله تعالى عنهم من مكة إلى المدينة. فتخيل عبد الله بطوائف من المسلمين تركوا ديارهم وأبناءهم وأوطانهم وأعمالهم وأموالهم، خرجوا بلا شيء، هجرة لله والرسول، حتى بلغوا المدينة. فكانوا في هذا الموقف هم من أعظم الناس سبقا للإسلام، وسبقا لدين الله جل وعلا. والجزاء من جنس العمل، ولما رأى نبينا ما بهم من فاقة، استنفر الناس، وأوضع نبينا تلكم الرابطة العظيمة المعروفة والمعلومة بالمؤاخاة. فآخى نبينا عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين وبين الأنصار. المهاجرون لم يكن عندهم شيء، بخلاف الأنصار، فقد كانوا هم أهل المدينة، أهل البلد، وعندهم من الزراعة، وكانوا أهل الزرع، وعندهم من القدرة، وعندهم من المال. فهنا ألزم نبينا عليه الصلاة والسلام إلزاما من أهل الأنصار أنهم يبذلوا ما يستطيعون في سبيل إعانة إخوانهم المهاجرين. ولله درهم من قوم، فقد قاموا بهذا المقام خير قيام، حتى زكاهم الله جل وعلا بآيات بينات: ﴿والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾. فقد قام الأنصار رضي الله تعالى عنهم بجدية للأخوة الإيمانية، ببذل ما يستطيعون. الواحد منهم لربما إذا كان عنده مسكن قسم مسكنه إلى قسمين، قسم له وقسم لأخيه المهاجر. وآخر إذا كان عنده حقل زراعة، أو عنده حائط وبستان، قسم هذا المال قسمين، قسم له وقسم لأخيه المهاجر. بل ما هو أعظم من ذلك، كان الأنصار لربما إذا منى الله جل وعلا عليه بزوجتين، كان يأتي لأخيه المهاجر ويقول: أنظر إلى أيهما أعجب لك، أطلقها. فإذا برئت واستبرت من عدتها، تتزوجها أنت. حتى في الأعراض، وفي الأزواج، تقاسموا ذلك. وذلك بهذه الصورة، فضربوا أروع الأمثلة، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وهكذا، يا عبد الله، من تلك المواقف ما جاء في الصحيح، صحيح مسلم، عندما قدم قوم مجتابي النمار من غطفان، وقد ابتلوا بالفاقة حتى ظهر الجهد، وظهر التعب والمشقة في لباسهم وفي هيئتهم. وقد اجتابوا النمار. لما رأى نبينا هيئتهم التي هم عليها، وما ابتلوا به من الفاقة والضيق والفقر، تغير وجهه عليه الصلاة والسلام. قال الراوي: فتمعر وجهه، ثم قام للناس خطيبا. هذا الاستنفار، إخواني في الله، الاستنفار العام، لا يكون فقط الإحسان من باب يكون سنة مستحبة، بل قد يكون وجوبا. يوجب على الأمة، يحث الأمة، يحث الجميع على البذل والعطاء. فقام نبينا على منبر خطيبا، داعيا إلى البذل والعطاء، وحاثا على هذا الباب، على بذل الندى، على العطاء والجود. فقال عليه الصلاة والسلام: «تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، تصدق رجل من صاع بره، من صاع شعيره». قال الراوي: حتى قال: «تصدق الرجل ولو بشق تمرة». كل هذا الكلام هو تعريض من نبينا عليه الصلاة والسلام لأهل العطاء أن يبذلوا ما يستطيعون، ولو بدرهم، ولو بدينار، ولو بثوب، ولو بصاع من صاع بره، من صاع شعيره، حتى قال: «ولو بشق تمرة». ليس تمرة تصدق بها على إخوانك، ولو بشطر، يا بشطر تمرة، حتى نصف تمرة تنفع في باب الصدقة. لا تحقرن من المعروف شيئا. فقال عليه الصلاة والسلام: «ولو بشق تمرة». ففطن الناس إلى حث النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الباب، والاستنفار العام لهذا المضمار. قام رجل من الأنصار، فدخل إلى بيته، وأتى بصرة. قال الراوي: كادت يده أن تعجز عن حملها. أتى بما يملك من مال، وذلك صدقا لله ولرسوله. فأتى بهذه الصرة، ووضعها أمام النبي عليه الصلاة والسلام. فتجمع الناس من بعد هذا الأنصاري، وبعد صنعه الحميد الذي فعله، ومبادرة لهذا الخير، تسابق الناس إلى بيوتهم، وكل أتى من بيته بما أتى. قال الراوي: فتجمع عند نبينا عليه الصلاة والسلام. فاجتمع. أرأيت يا عبد الله، قبل قليل، تمعر وجهه، والآن تحسن وجهه عليه الصلاة والسلام. ما هي الأحوال التي غيرت في نفس نبينا عليه الصلاة والسلام؟ تارة بالتمعير، وتارة بالسرور. الوضع، إخواني في الله، هو حالة المسلمين. حالة المسلمين، لما كان المسلمون في فقر، وفي ضنك، وفي شدة، وفي بلية، وفي ضنك، تغير وجهه لهذه المصيبة التي حلت بأمته. لكن لما رأى أن هذه البلية قد اتفقت، وبادر الناس، وتكاتف الناس، وتآلف الناس، وتعاونوا على رفع هذه المصيبة بالبذل والعطاء، تغير وجهه عليه الصلاة والسلام. وهكذا المسلم، إخواني في الله، ينبغي أن يتفاعل مع قضايا المسلمين. إذا سمع بحروب، سمع بضحايا، سمع بدماء، سمع بمجاعة، سمع بمشقة وعنت وقعت على شيء من أنحاء الأمة، ليست في بلدك، ولو كان من خارج بلدك، من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، عليه تمعر وجهك، ويضيق صدرك مما ابتلت به الأمة. وهكذا العكس بالعكس، متى ما رأيت أن الأمة قد رفع عنها هذا البلاء، وهذا البأس، تفرح لما أنعم الله جل وعلا بالخير والعطاء لهذه الأمة المحمدية. وهكذا، إخواني في الله، نبينا صلوات ربي والسلام عليه، دائما على هذا المنوال، أنه يسارع إلى تربية الأمة على تربية الأمة على أن يكونوا في مجتمعاتهم أداة بناء، وأداة فاعلة في الخير، وخيرها لا يقتصر على نفسها، وإنما يقتصر على من حولها من الأمة، من الضعفاء والمحتاجين والمعوزين. ثبت في الصحيح، من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، أنه يحكي عن أحوال أهل الصفة. وأهل الصفة هم القوم الذين هجروا ديارهم، ثم أتوا إلى المسجد، أو جاءوا من غير مكة، جاءوا واستقر الحال بهم إلى المدينة، وليس لهم مأوى، وليس لهم مسكن سوى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام. فكانوا هؤلاء في غاية من الضعف، ومن الفقر. ومع ذلك، ما غابوا عن ذهن نبينا عليه الصلاة والسلام، أو عن قلبه. بل كان نبينا بين الفينة والأخرى يراعيهم، ويهتم بشؤونهم. وهذا يدلك على اهتمام نبينا عليه الصلاة والسلام بحال أمته. فكان من ذات يوم أمره عليه الصلاة والسلام بإعانة لهؤلاء الفقراء من أهل الصفة. قال عليه الصلاة والسلام: «من كان عنده طعام اثنين، فليذهب بثالث». أي أنت يا عبد الله، عندك طعام في البيت أعددته لاثنين، فعليك أن تمر إلى المسجد وتأخذ بثالث من أهل الصفة. وقال نبي: «ومن كان عنده طعام ثلاثة، فليأت برابع، ومن كان عنده طعام أربعة، فليأت بخامس، وبسادس». قال الراوي: فأطلق الصديق، فانطلق أبو بكر رضي الله تعالى عنه بثلاثة. وقد يدل على فضل الصديق، على سعة كرمه وسخائه. مر ببيته ثلاثة من المهاجرين. قال الراوي: وانطلق نبينا صلى الله عليه وسلم بعشرة. بعشرة، غاية من الكرم، والبذل والعطاء، كما قال من رجب، رحمه الله تعالى، وذلك لما أعطاه الله في قلبه من الإيمان واليقين، والبذل والعطاء، صلوات ربي وسلامه عليه. فهكذا، إخواني، فالنبي كان بفعله، بل وكذلك بقوله، يساهم في تربية الأمة على هذه التربية الحميدة. وهذا يدلك يا عبد الله على وجوب المؤاساة والتكاتف مع المسلمين، وخاصة إذا حلت عليهم المصائب، وحلت عليهم المضائق. ما جاء في الصحيحين، من حديث السلمة بن الأكوع، رضي الله تعالى عنه، عندما وقعت الأمة في أحد السنوات، أو في بعض النواحي بالجزيرة، بالجدب والجفاف، فوقع بالناس ضر وجوع ومجاعة. وصادف هذه البلية في يوم نحر، وفي يوم الأضحى، وكانت تضحي في مكة والمدينة. فقام نبينا وأمر وأرشد من يسمع هذه المقالة منه بمسارعة التطبيق. فقال عليه الصلاة والسلام: «من ضحى منكم، فلا يصبحن بعد ثالثة، وفي بيته منه شيء». أي من الأضاحي، أنت معك أضحية ضحيت بها، فلك أن تبقي اليوم الأول، واليوم الثاني، واليوم الثالث فقط، وما زاد فلا يبقى في بيتك شيء. أين يذهب؟ يذهب مؤاساة، يجوب تواسي إخوانك. لا تقتصر يا عبد الله على تربية نفسك، واهتمام بخاصة أهلك، بل يا عبد الله ينبغي أن تعطي شيئا من حقوق المسلمين وتؤديه، وخاصة ما قلنا إذا حلت المصائب، جذب وجفاف، وخروب وقتال، ودماء وأرواح تزهق وتزهق. لا بد من التكاتف الجميع. فقال عليه الصلاة والسلام: «من أصبح منكم، فلا يصبحن بعد ثالثة، وفي بيته منه شيء». بعد الثالثة ينفذ المال لمن كان محتاجا إليه. فلما جاء العام المقبل، وجاءت الأعياد، وضحى الناس، تذكروا ما مر من الأمر الماضي، وهو أنهم لا يبقون أكثر من ثلاث. فلما جاء العام المقبل، وضحى الناس، قالوا: يا رسول الله، هل نفعل كما فعلنا في العام الماضي؟ أي نجعل ثلاثة، والباقي يوزع. يعني هذا معنى كلامهم. قال: يا رسول الله. قال: «هل نفعل كما فعلنا في عام الماضي؟» قال: «إنما ذاك عام كان بالناس جهد». هنا العلة، كان بالناس جهد، فأردت أن تعينوا فيهم. «فكلوا، واطعموا، وادخروا». أي رفع العلة. فالطعام طعامكم، والأضاحي أضاحيكم، فافعلوا بها ما شئتم. وإنما ذاك الأمر لماذا؟ قال النبي: «لتعينوا فيها». أي لتعينوا الناس في ذلك العام الذي بلغ بهم الجهد. والأمر يبقى مع علته، وجوبا وعدما. فإذا جاءت الفاقة، وجاءت الحاجة للناس، فوجب على أهل الإسلام أن يتضافر الجميع لرفع هذه المشقة. هذه، إخواني في الله، من المواطن العظيمة التي تظهر في حقوق المسلمين بعضهم لبعض. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.