شرح مسائل الجاهلية  97

شرح مسائل الجاهلية 97

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 97، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحريم البغي والفخر بالأنساب

يتحدث عن تحريم الإسلام للبغي والفخر بالأنساب، حيث كان أهل الجاهلية يفتخرون بالبغي. حرم الله البغي وأمر بالعدل والإحسان.

عقوبات البغي في الدنيا والآخرة

يشرح عقوبات البغي وقطيعة الرحم في الدنيا والآخرة، حيث يعاقب الله مرتكبيها في الدنيا قبل الآخرة. تظهر هذه العقوبات في أشكال مختلفة مثل الخوف وعدم البركة.

أسباب التفرق والتناحر في الأمم

يفسر أسباب التفرق والتناحر في الأمم، مشيراً إلى أن السبب ليس الجهل بل البغي والعدوان بين الناس. يستشهد بقول ابن تيمية رحمه الله تعالى.

تحذير من البغي وطلب الدعاء

يحذر من البغي وآثاره السيئة مثل سفك الدماء وهتك الأعراض، ثم يدعو الله أن ينفع السامعين ويجعلهم من أهل الهداية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف -رحمه الله تعالى- الحادية والتسعون: أن من أجل فضائلهم الفخر بالأنساب، فذكر الله فيه ما ذكر. هذه الفقرة -إخواني في الله- المتعلقة بهذه الحيثية: أن من عادة الجاهلية الفخر بالأنساب، قد مضى ذكرها، وما يشابهها. وكذلك زد على هذا بأنه سيأتي من الفقرات ما تشابه هذه الفقرة. وأمر آخر -إخواني في الله- أن هذه الفقرة غير موجودة في بعض النسخ، هذه الفقرة بهذه اللفظ: "أن من أجل فضائلهم الفخر بالأنساب، فذكر الله فيه ما ذكر" في بعض النسخ غير موجودة، إلا أنها استبدلت بفقرة أخرى، ومسألة أخرى، وهي قول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "أن من أجل فضائلهم البغي، وقد ذكر الله فيه ما ذكر"؛ بدل "الفخر بالأنساب" فيه "البغي". فعلى كل، ما يتعلق بالفخر بالأنساب قد مضى الحديث عنه، كما جاء ذلك في حديث مالك الأشعري، وعلمنا كيف أن ذلك من صفات وسمات أهل الجاهلية، وذكرنا الأدلة العامة والخاصة في تحريم هذا الفعل. وأما على الفقرة الثانية البديلة، وهو قول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "أن من أجل فضائلهم البغي، وقد ذكر الله فيه ما ذكر"، تحريم البغي، وهذا نعم كما صرح المؤلف -رحمه الله تعالى- هاهنا؛ فإن البغي يعتبر عند أهل الجاهلية أن ذلك من أعظم الصفات، بل هي مفخرة يفتخرون بها. والبغي -حفظكم الله- معناها مجاوزة الحد، مجاوزة الحد هذا هو البغي، ويطلق على الظلم، يطلق كذلك على التطاول والاستطالة على الناس. وأعظم صور البغي هو مجاوزة الحد بالاعتداء، مجاوزة الحد بالاعتداء، فهذا هو البغي، وإلا هذا من صوره مجاوزة الحد بالاعتداء. وأعظم صور الاعتداء: الاعتداء على دماء المسلمين، وعلى أموالهم، وعلى أعراضهم، فهذا من أعظم صور البغي: الاعتداء والتطاول على أعراض المسلمين، وعلى دمائهم، وعلى أموالهم. فقال -رحمه الله تعالى-: "أن من أجل فضائلهم البغي، وقد ذكر الله فيه ما ذكر". ذكر ربنا جل وعلا البغي الذي كان عليه أهل الجاهلية، كانوا يتنافسون، وكانوا يتمادحون فيما بينهم على أنهم كانوا أهل اعتداء، وهذا من الغرائب أن تكون الرزايا كرزية البغي مفخرة، لكن هذا وجد. كان أهل الجاهلية يخرجون، يخرج بعضهم إلى غزو بعض، ليس همه إلا سفك الدم، والاستيلاء على الأموال والأنعام. وهذا الفعل -إخواني في الله- مع قبحها ودنائتها، إلا أنها قد وجدت، ولا زالت موجودة عند بعض المسلمين، وللأسف الكثير الكبير. أن هذا المسلك الهمجي، وهو البغي والاعتداء على المسلمين في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، مما عمت به البلية. وهذا الفعل -إخواني في الله- الأدلة الكثيرة على تحريمه واضحة؛ إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. حرم ربنا جل وعلا البغي، البغي لا يجوز، البغي محرم، البغي من كبائر الذنوب؛ كونك -عبد الله- أن تعتدي على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. وجاءت الأحاديث الكثيرة على أن فاعل ذلك عقوبته ليست خاصة في الآخرة، أن يصلَّى في نار جهنم -والعياذ بالله- إن لم يتب من هذا الصنيع، بل كذلك عقوبته تلحق في الدنيا قبل مماته، سينكل به كما نكل بأهل الإسلام في دمائهم، وفي أموالهم، وفي أعراضهم. فإنه سيكون كذلك عبرة لمن يعتبر. ثبت في السنن، وذكره في الأدب المفرد، صححه الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى- من حديث أبي بكرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال عليه الصلاة والسلام: "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة، مثل البغي وقطيعة الرحم". هذه الذنوب: البغي والقطيعة لها عذاب مدخر في الآخرة، وكذلك لهم عذاب معجل في الدنيا. والسعيد -إخواني في الله- لا من التعرض بغيره، من تسلط على دماء المسلمين، فقتل وسفك وأهراق الدم من دماء المسلمين. فانظر كيف يعيش الخوف والرعب والقلق، هذا إذا لم يمسك وتقم عليه العدالة: النفس بالنفس. وإذا ترك، فانظر في أي حياة يعيش الهم والكرب، الخوف والقلق، لو ربما لا ينام كما ينام الناس، بالحبوب، بالمنومات. وإذا سار في النهار، لا يسير كما سار الناس، أو كمشي الناس، وإنما يتلفت يمنة ويسرة، دب في قلبه الرعب، عقوبة من الله جل وعلا. هذا كما قلت إذا لم يقبض، وأخذت نفسه جزاء وفاقًا. وهكذا من أخذ أموال المسلمين غصبًا ونهبًا، فكذلك يبتليه ربنا جل وعلا على هذا البغي بعقوبة الدنيا، بأنه لا يجد البركة، لا يجد البركة في هذا المال. تسمع من بعض الناس مما لربما بشطارته وأخذ الأموال الناس -إخواني في الله- قد تفنن الناس به في هذا الأزمان. منهم من يأخذ ذلك قسرًا، جبرًا بقوة السلاح، ومنهم بحيلة، اختلاس، خلسة، بنهب، برشوة، المهم بسرقة، يفعل ذلك بحيلة وبغير حيلة. فالذي يأخذ أموال الناس، تجد أن هذا الذي أغنم، ولو الملايين، ولو الملايين، أعطيه مدة بره من الزمن، عدة أيام، أو قل عدة أسابيع، وإن أطلت النفس، أعطيه شهرًا أو شهرين. ثم سلوا عن ماله، أو عن أموال المسلمين الذي أخذها من غير حلها، أين هي؟ لتجد أن الفقر قد دب فيه، لا بارك الله له فيه، ولا في أمواله. ولنا عبرة، ولنا عبرة من هؤلاء الذين قد كثروا في مجتمعات المسلمين -لا كثرهم الله- ممن يأخذ من أموال المسلمين اعتداءً وبغيا، اعتداءً وبغيا. وهكذا -يا عبد الله- في أعراض المسلمين، الاستطالة في أعراض المسلمين، كونك ترميهم بالبهتان، ترميهم بالبهت، بالكذب، بالزور، ترميهم بما هم منه براء، ترميهم في دينهم، في أعراضهم، بالكفر، أو بالبدعة، أو بالردة، أو ترميهم كذلك بتهمة من التهم، وهم منه براء. هذا مما يغضب ربنا جل وعلا من أجله، وأن أصحابه الذين تعمدوا في إلصاق التهم على المسلمين، ليسلموا من عذاب الله، ومن صغطة الله في الدنيا قبل الآخرة. فتأمل -يا عبد الله- حرمة المسلم، فإن حرمة المسلم عظيمة عند الله جل وعلا. ومن غيرة الرب جل وعلا على أعراض المسلمين: أنه يذب عنه في الدنيا قبل الآخرة. فالبغي -يا عبد الله- عقوبة معجلة في الدنيا قبل الآخرة. وذكر شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في فتاويه، ذكر مبحثًا مهمًا جدًا متعلقًا بالبغي. فذكر -رحمه الله تعالى- في عبارة قال: "واعلم أن عامة الفساد من جهة البغي". ذكر هذا -رحمه الله تعالى- بعد ذكر تلكم الآية: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، أثبت -رحمه الله تعالى- أن ما وقع في الأمم السالفة من التناحر، ومن التفرق والتشذر، والتحول إلى دويلات، وما دب بينهم الحروب، ما كان ذلك التفرق عن جهل، لا العلم عندهم، من بعد ما جاءهم العلم. إذا ما الذي أوقعهم في هذا الاعتداء؟ قال ربنا جل وعلا: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، بغيًا بينهم، دب فيهم البغي، فدب بينهم التناحر، دب بينهم الاقتتال. وهذا الذي حصل في هذه الأمة، قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: "وهكذا التفرق الموجود في هذه الأمة، مثل الفتن الواقعة في المذاهب، والاعتقادات، والطرائق، والعبادات، والممالك، والسياسات، فإنما وقعت من أجل البغي". وانظر لاستقرائه -رحمه الله تعالى- لهذه الأنواع من التفرقات، سواء كان في الاعتقادات -يعني قل في الدين- أو الدنيا، في الدين، في العبادات، في الاعتقادات، في المذاهب، في الطرائق، أو قل في الدنيا كحال الممالك والسياسات، ما وقعت ذلك إلا من بغي، ما كانوا عن جهل، إلا عن بغي. قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: "واعلم أن كل باغ لو يعلم أنه باغ لهانة القضية". هكذا لو أن كل باغ يعلم أنه باغ لهانة القضية. لكن الكثير يعتقد أنه ليس بباغ، بل إن الكثير منهم يعتقد أن العدل معه، وهنا تأتي العظمى الفرية. شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يقول: "أن من مشكلة الباغي: لأن الباغي إذا وقع منه البغي، اعترف ببغيه لهان الأمر، هان الأمر مثل باقي المعاصي، يفعل معصية وينكس رأسه، ويعترف أن هذا منه اعتداء على حرمات الله، فلعل هذا أقرب له للتوبة، أنه لا يسترسل فيما حرم الله جل وعلا". فقال شيخ الإسلام: "فهانة القضية، وساءت الصلح". لكن الإشكال: أن الذي يصدر منهم الباغي لا يصدر عن هذا الاعتقاد، بل يصدر أن الحق معه، يرى أنه من أهل العدل، أن فعله هذا عدل، ليس باغيًا، وهنا مشكلة، يعني كيف ستصلح الأوضاع إذا كان أحد من الناس يفعل هذه الجريمة، ويعتقد أنه مصلح؟ إذا ما الذي سيعدل؟ ما سيعدل شيئًا أصلا؛ لأنه يرى أنه على إصلاح. وهذا -إخواني في الله- مما ضربه الله جل وعلا على قلوب أهل الأهواء، وأهل الاعتداء ممن تجروا على حرمات الله. فالبغي -عبد الله- عامة الفساد منه، كما قال: لا يقع عن جهل، لرب رجل يعلم أن ذاك الرجل أعلم منه، يعلم أنه أعلم منه في قرارة نفسه، ما يحتاج إلى بينة، لكن مع ذلك يرميه بالجهل، ما الداعي؟ البغي الذي في النفس. لو ربما يعلم أن فلان أحسن منه، وأنه أقرب إلى الله منه، ومع ذلك يرميه بما يرميه به من البعد من المعاصي، وما ذاك إلا من باب البغي، وإلا عنده البينة على أن ذاك أحسن منه. وهكذا -يا عبد الله- ومن نظر إلى أكثر ما يقع في دنيا الناس، بل وفي دينهم من الاختلاف: الاعتقادات، والعبادات، والمذاهب، والطرائق، والممالك، والسياسات، ما وقع ذلك إلا من باب البغي. فاحذر -يا عبد الله- أن تبتلى بهذا الذنب العظيم. فالحاصل -أخواني في الله- أن ذلك كان من أعظم صور أهل الجاهلية، أن البغي حملهم على أنهم يعتدي بعضهم على بعض بسفك دم، وهكذا بهتك عرض، وكل ذلك مما حرمه الله على أولئك، وهكذا أشد الحرمة على أهل الإسلام. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ولأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.