الخطبة بعنوان أحكام المساجد في الشريعة الإسلامية، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
توضح الخطبة أن المساجد أحب البقاع إلى الله وتبيّن نوعي عمارتها: الحسية بالبناء والترميم، والمعنوية بالصلاة والذكر والعلم. وتذكر الأجر العظيم لباني المسجد ولو صغيراً، وأن من تعلق قلبه بالمساجد من السبعة المظللين يوم القيامة.
يستعرض المقطع دور المساجد التاريخي كمراكز للعبادة والعلم والجهاد، ويحذر من إهمالها المعاصري وتحولها لمصادر بدع. ويؤكد على آداب العناية بها من تنظيف وتبخير وإزالة الأذى اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
ينبه الخطيب إلى آداب دخول المساجد كاجتناب الروائح الكريهة، وينهى عن جعلها أسواقاً للبيع والشراء أو للإعلانات والسؤال عن الضوال. كما يحذر من المبالغة في الزخرفة والنقوش عدّها بدعة وتبذيراً ومفاخرة لم يفعلها السلف.
يبين المقطع ضوابط البناء الشرعي من متانة وسعة وتوفير المرافق اللازمة، مع النهي عن الزخرفة المبالغ فيها والتفاخر. ويؤكد أن الإخلاص لله أساس قبول العمل، مستدلاً بالآية والحديث في رد المحدثات.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: أحكام المساجد في الشريعة الإسلامية، خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، ثبت في مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب البقاع إلى الله مساجدها، وأبغض البقاع إلى الله أسواقها». ففي هذا الحديث بيان أن أحب البقاع إلى الله المساجد التي هي محل الطاعات واجتماع عباد الله الصالحين وأساس التقوى، وأبغض البلاد إلى الله والبقاع الأسواق التي هي محل الغش والخداع والكذب والأيمان الفاجرة والربا والخنا والسب والفحش. فلذلك فإن ربنا تبارك وتعالى أضاف هذه المساجد إليه تشريفًا وتكريمًا وإجلالًا، فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. وهكذا ذكر الله تبارك وتعالى نوره الذي يجعله في قلوب المؤمنين، وأن منطلق هذا النور ومبتداه من بيوت الله سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ إلى أن قال سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾. نعم عباد الله، في بيوت، أي في هذه المساجد، أذن الله أن ترفع، أمر الله وشرع ووصى عباده أن ترفع، أن تحيا، أن تعمر بالعمارة الحسية وبالعمارة المعنوية. فإن عمارة المساجد تكون حسية ببنائها وترميمها وتنظيفها والقيام بشؤونها من تسريج وغير ذلك، وتكون العمارة أيضًا عباد الله معنوية بالعبادة والصلاة والذكر وتلاوة القرآن ومدارسة العلم الشرعي. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾. فمن وفقه الله سبحانه وتعالى لعمارتها العمارة الحسية فإن له أجرًا عظيمًا وثوابًا جزيلًا، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر عن جماعة من الصحابة أنه قال عليه الصلاة والسلام: «من بنى لله مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له به بيتًا في الجنة، من بنى لله مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له به بيتًا في الجنة». إنما هو بيت يشترك مع البيت الذي بناه في الدنيا في الاسم، أما في المسمى من حيث السعة والجمال ومن حيث الخير العميم الذي فيه، فإن الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. لو بنى لله عز وجل في الدنيا مسجدًا ولو كان صغيرًا جدًا، فإن الله تبارك وتعالى يثيبه بأن يبني له بيتًا يليق بجلال الله وكرمه وفضله وجوده وإحسانه سبحانه وتعالى. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن ابن ماجة من حديث جابر: «من بنى لله بيتًا كمفحص قطاة بنى الله له به بيتًا في الجنة، من بنى لله بيتًا كمفحص قطاة». الموضع الصغير الذي تحضن فيه القطاة، وهو الطائر المعروف، على البيضة وترقد عليه وتجلس عليه حتى تفرخ. من بنى لله بيتًا كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة. وهذا مبالغة في القلة، لو بنى مسجدًا صغيرًا عشر متر في عشر متر أو خمسة في خمسة أو خمسة في ثلاثة، من بنى لله مسجدًا كمفحص قطاة بنى الله له به بيتًا في الجنة، أو أن المراد أنه وسعه توسعًا يسيرًا بحاجة الناس إليها، أو أن جماعة كثيرين اشتركوا في بناء مسجد فكان نصيب كل واحد شبرًا أو موضعًا صغيرًا. وهكذا عباد الله، من عمر المساجد العمارة المعنوية بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن ومدارسة العلم وتلاوة القرآن وغير ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو القائل: «ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم». وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل قلبه معلق بالمساجد». فهو رجل كلما خرج من المسجد تعلق قلبه بالرجوع وانتظر الوقت الذي يرجع فيه إلى بيت الله سبحانه وتعالى. وهكذا عباد الله، وهكذا عباد الله، مما يدلنا على أهمية المساجد في ديننا والحرص على عمارتها والحرص على بنائها، أن الله سبحانه وتعالى شرع الجهاد في سبيله وجعل من مقاصد الجهاد الحفظة على هذه البيوت والسعي في عمارتها، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى متوعدًا لمن سعى في تعطيل ذكره وخراب بيوته: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ولهذا عباد الله، كان من أول الأعمال التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم حينما قدم المدينة أنه قام هو وأصحابه ببناء المسجد، تعاونوا وتساعدوا في ذلك. المساجد عباد الله كان لها شأن عظيم عند السلف الصالح في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي زمن الخلفاء، وفي زمن الثلة المباركة من التابعين، ومن جاء بعدهم من أئمة الهدى ومصابيح الدجى. كانت محلا لاجتماعهم في الصلوات، يتسابقون ويهرولون إذا سمعوا المنادي، وقبل ذلك ينادي: حي على الصلاة، حي على الفلاح، تزحم المساجد بكثرة المصلين، ولا يتخلف عنها إلا معذور أو منافق. وهكذا كانت محلا لمدارسة العلم والتلقي عن العلماء، كانت محلا لإعداد الجيوش وعقد الرايات، كانت محلا للتشاور والاجتماع ولقاء الضعيف بالقوي والغني بالفقير، كانت أساس كل شيء عندهم، كانت مصدرًا لنشر التوحيد والسنة وقمع الشرك والبدعة، كانت منارات للهدى والنور والخير في زمنهم. أما في هذه الأزمان المتأخرة، فللأسف الشديد، فإن كثيرًا من الناس لم يعرف لهذه المساجد قدرها ولا أهميتها ولا فضلها. صارت كثيرًا من المساجد معطلة عن إقامة الجمع والجماعات فيها، صارت كثيرًا من المساجد مغلقة كأنها مستودعات للأموال وحفظ الودائع، صارت كثيرًا من المساجد لا ينتابها المصلون إلا إذا قربت إقامة الصلاة، وبعضها لا يحضر فيها إلا الضعيف والمحروم من الجاه والمال والغنى والثروة. وهكذا عباد الله، أعظم من ذلك أن بعض المساجد صارت مصدرًا لتصدير البدع والخرافة والشر والسحر والشعوذة. وهكذا عباد الله، صارت المساجد محلا للتباهي والتفاخر والرياء والسمعة من حيث الاعتناء بزخرفتها وتزويقها وتزيينها وهي خاوية على عروشها. فلهذا عباد الله، ينبغي أن نعرف أهمية هذه المساجد، وأن نقوم بدورنا تجاهها، وأن نجعلها محل اهتمامنا، وأن نحرص على القيام بالآداب المشروعة فيها. فمن هذه الآداب المشروعة: الحرص عباد الله على تنظيفها، والحرص على تبخيرها، والحرص على كل ما يكون سببًا في إدخال الفرحة والسرور والراحة في قلوب المصلين والمجتمعين فيها. فإنه ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وأن تطيب، رواه أبو داود وابن ماجة وأحمد، وأعله بعض أهل العلم بالإرسال. أمر النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وأن تطيب، هذا فيه بيان مشروعية العناية بكنسها وتنظيفها وتبخيرها وتطيبها، والحرص على إزالة القاذورات والأوساخ منها. هذا هو المشروع في حق المساجد. ولهذا، النبي صلى الله عليه وسلم كان في زمنه رجل وامرأة يقوم أو تقوم المسجد، أي تقوم بكنس المسجد، فماتت، فسأل عنها، فقالوا: إنها ماتت، قال: «دلوني على قبرها»، فدلوه، فأتى إلى قبرها وصلى عليها بعدما دفنت. وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم آمرًا إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. وهكذا قال ابن عباس في قول الله عز وجل: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾، قال: يقوم بخدمة المسجد. ففيه فضل العناية بالمساجد وحرص الجميع على تنظيفها وإزالة الأوساخ والقاذرات منها، فهذا من تعظيم شرع الله ودينه، والله سبحانه وتعالى هو القائل: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، ويقول: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾. من الأعمال الجليلة التي يقوم بها المصلون في المسجد أنهم يحرصون على رفع القذى والأذى والأوساخ وإزالتها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو القائل كما في مسلم حديث أبي ذر: «عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها أن الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوي أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن». وفي الصحيحين من حديث أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: «النخاعة في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها». النخاعة في المسجد خطيئة، أي إثم وذنب، وما هو الحل وما هي الكفارة؟ قال: «وكفارتها دفنها وإزالتها». فلا يجوز للمصلي ولا يجوز لمرتاد المسجد أن يتفل في المسجد، وأن يقع التفال أو البصاق على الجدر أو على الأرض أو على فراش المسجد، هذا أمر لا يجوز. لكن إن كان لا بد فعلى مناديل الفايل ونحو ذلك. فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى مخامة في جدار المسجد فشق ذلك عليه وقام وحكها بيده. وفي حديث آخر قال بعدما نعاهم: «إذا قام أحدكم يصلي فإن الله عز وجل قبل وجهه، فلا يبصق أمامه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره تحت قدمه اليسرى». وهكذا رأى مخامة في جدار المسجد فحكها، ثم قال: «هل من يأتي لي بعبير؟» فاشتد رجل من الأنصار أو فتى فأتى بعبير، يعني بخلوق، بمجموعة من الأطياب والعطور، فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم في موضع هذه المخامة. وهكذا عباد الله، زوال الروائح الكريهة، أن يحرص المصلي على أن لا يؤذي إخوانه المصلين، وعلى أن لا يؤذي الملائكة وعباد الله الصالحين. فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته». وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى: «من أكل الثوم أو البصل أو الكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم». وهكذا عباد الله، ما كان في معنى ذلك من روائح الدخان والسجائر وشدة العرق وسائر الروائح الكريهة، ينبغي أن تنزه المساجد عن هذه الروائح، وتطيب وتبخر. وفق الله الجميع. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، وهكذا عباد الله، من الأمور التي ينبغي التنبه لها في المساجد أنها ليست محلا للدعايات ولا للإعلانات، وليست محلا للسؤال عن الضوال والضائعات. وإنما المساجد عباد الله أقيمت لأجل إقامة الصلاة وتلاوة القرآن والذكر. فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليه، فإن المساجد لم تبن لهذا». من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليه، فإن المساجد لم تبن لهذا. وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الرجل يبيع ويبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك». فالمساجد لم تكن محلا لذلك، وإنما محلا للعبادة والصلاة. لهذا يشرع لمن رأى من يبيع أو يبتاع في بيوت الله سبحانه وتعالى أن يقول له: لا أربح الله تجارتك. ويشرع لمن رأى من يرفع صوته بالسؤال عن الضائعات والضوال أن يقول: لا ردها الله عليه. فالبيع والشراء محله خارج المسجد، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فكنت في بيع وشراء خارج المسجد، فاترك بيعك وشراءك وأقبل على بيوت الله سبحانه وتعالى، فإذا قضيت الصلاة فاخرج واطلب الرزق الحلال. هذا يدلنا على أن محل البيع والشراء خارج المسجد. وهكذا عباد الله، ننبه على أمر وهو أن المساجد ليست محلا للإعلانات والنشرات والدعايات، ولو كانت هذه النشرات فيها أمور شرعية، فهذا غير مشروع. فهذا الذي يفعله بعض الناس في مساجدهم من تعليق الإعلانات والنشرات وبعض الملصقات، ولو كانت فيما يزعمون أنها شرعية، هذا ليس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا من هدي السلف الصالح، فإنه يشغل رواد المسجد ويجعلهم يزحمون على الأبواب. وهكذا بعض هذه النشرات تكون نشرات خرافية أو حزبية أو دعوة إلى البدع والموالد والفرقات أو لشيء من ذلك. لهذا، المساجد تنزه في داخلها عن هذه الإعلانات وهذه الملصقات وهذه النشرات، فليس من هدي السلف الصالح. إن كان ولا بد فليكن خارج المسجد، أما بيوت الله سبحانه وتعالى فإنها تنزه عن ذلك. وهكذا عباد الله، تنبيه على أمر وهو الحرص على عمارتها العمارة الحسية المشروعة المطلوبة. وأما المبالغة في ذلك في العلو أو في التزويق أو في النقوش أو في الآيات وغير ذلك، فهذا غير مشروع. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أمرت بتشييد المساجد». قال ابن عباس: «لا تزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى». وهكذا من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد، لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد». ففي الحديث الأول يقول عليه الصلاة والسلام: «ما أمرت بتشييد المساجد»، تشييدها أي المبالغة في رفعها وبنائها، فهذا ليس مشروعًا، وهذا ليس مطلوبًا، الإسراف والتبذير والمسابقة في المفاخرة والمباهاة في النقوش والأموال الكثيرة التي تصرف في ذلك، لعل عشرات المساجد تبنى بقيمة مسجد واحد بولغ فيه وزخرف في بنائه. وإذا نظرنا إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لعرفنا من الآثار الواردة أن جدر المسجد كانت من اللبن، وأن سقفه كان من جريد النخل، وأن عمد المسجد كان من جذوع النخل. وهكذا بقي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كذلك إلى زمن أبي بكر، فلما مات أبو بكر ونخر جدار المسجد، فإن عمر رضي الله عنه أعاد بناءه على الحال الأول ولكن وسعه. ثم لما كان في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه احتاج إلى توسعة للمسجد وتجديد، فأعاد بناءه، وجعل جدره من الحجارة، وجعل سقفه من الساج، وجعل عمدَه من الحجارة. وهذا كله في باب التقوية والتوسعة في المسجد. وأول من زخرف في المساجد الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان، ولم يكن من فعل الصحابة، ولم يكن من فعل علماء التابعين. لهذا عباد الله، فهذه الزخرفة وهذه النقوش وهذه المبالغات في تكاليف المساجد، هذه ليست مشروعة بل محدثة، وهذه ليست حلالًا بل تكون حرامًا وإثمًا على أصحابها. الذي ينبغي على من بنى بيوت الله سبحانه وتعالى أن يحرص على قوة البناء وحسن التصميم والسعة للمصلين، وتوفير المرافق من دورات المياه الكافية، وإذا استطاع أن يهيئ المسكن للإمام والمسكن للمؤذن فهذا هو المطلوب في بيوت الله سبحانه وتعالى. أما هذه الزخرفة وهذه المبالغة وهذا التبذير والإسراف وهذا التباهي والتفاخر، فهذا كله يكون مردودًا على أصحابه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وهكذا يحرص من بنى المسجد على الإخلاص لله تبارك وتعالى، فهو أساس الأعمال وميزان القبول، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. وقد نبه العلماء على أن من