الدرس في شرح الفتوى الحموية 10، ألقاها
يشرح مذهب السلف في وصف الله تعالى بأنه فوق سماواته على عرشه وبائن من خلقه، ورفضهم لمذهب الجهمية. يُبين آراء الأئمة في رفض الجهمية واعتبارهم كفارًا.
يناقش اعتقاد أهل السنة والجماعة في العرش والكرسي والحجاب، ويستدل على ذلك بأقوال الأئمة وأحاديث نبوية وآثار صحابية. يُظهر أن الله تعالى مستو على عرشه وبائن عن خلقه.
يتناول الإيمان بنزول الله إلى سماء الدنيا وصفات الله تعالى وأسمائه، ويذكر آراء العلماء في ذلك. يُبين أن أهل السنة يؤمنون بنزول الله دون تكييف أو تفسير.
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وروا عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد الصحاح عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية: أنه هاهنا في الأرض. وهكذا قال الإمام أحمد وغيره. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد... قوله رحمه الله تعالى: وروا عبد الله بن أحمد وغيره. وكما ذكر رحمه الله: رواه عبد الله بن أحمد في كتابه «السنة»، وكذلك رواه الدارمي في «الرد على المريسي»، وكذلك في «الرد على الجهمية»، ورواه كذلك البيهقي في «الأسماء والصفات»، وهو ثابت كما ذكر رحمه الله تعالى بأسانيده الصحاح عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية: أنه هاهنا في الأرض. وهكذا قال الإمام أحمد وغيره. وهذا يبين لنا مذهب السلف رحمهم الله تعالى. انظروا كيف أنهم رحمه الله تعالى سئلوا: كيف نعرف ربنا؟ ما أطالوا لهم في الكلام، ولكن ذكر لهم جوابا علما أنهم يقصدونه ويحتاجون إليه. فقال: نعرفه بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه. ومعنى بائن من خلقه: أنه ليس في خلقه شيء من ذاته، وليس شيء من خلقه في ذاته، ولا فيه شيء مخلوط أو مخالط لخلقه، بل هو بائن عن خلقه جل وعلا، بائن. ومعنى المباين هاهنا: كما سمعتم وذكر، وذكره غير واحد من الأئمة رحمهم الله تعالى: بأنه بائن من خلقه، فليس فيه شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء منه، بل هو بائن منهم جل وعلا، مستوى على عرشه، لا كما تقول الجهمية: بأنه في الأرض مخالط لهم. قال رحمه الله: وروى بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب الإمام قال: سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية، فقال: إنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء. قبل هذا قوله: ولا نقول كما تقول الجهمية أنه هاهنا في الأرض. قوله: أنه هاهنا في الأرض، أن الجهمية كما تعلمون لا يقولون بعلو الله جل وعلا. وما لم يكن عاليا فهو سافل. فالإمام ابن المبارك رحمه الله تعالى فهم من كلامه هذا المعنى: أن من لم يكن في السماء فهو في الأرض. وكذلك فهم غيره. لذا كان من الجهمية من أراد الهروب من هذا المعنى فوقع في شيء هو شر من ذلك. فقيل له: إذا لم يكن في السماء فإذا هو في الأرض. قالوا: نقول لا أنه في السماء ولا في الأرض. وهؤلاء ما ليس كذلك ليس في السماء ولا في الأرض، هل له وجود؟ الجواب: ليس له وجود. ليس له وجود. تفر من شيء فوقع في شيء هو شر منه. وهذا من الخذلان. قوله رحمه الله: ورواه بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب الإمام قال: سمعت حماد بن زيد وعبد الله بن المبارك -كما هو معلوم- من أئمة الإسلام المشاهير، وكذلك حماد بن زيد، وكذلك سليمان بن حرب. قال: وذكر -أي حماد بن زيد- هؤلاء الجهمية، فقال: إنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء. لماذا يحاولون؟ لقوة العلم والسنة في ذلك الزمن، فهم يأتون بعبارات يأتون بعبارات حاصلها ومعناها مقتضى هذا المعنى. قال رحمه الله: وروى ابن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية» عن سعيد بن عامر الضبعي -إمام أهل البصرة علما ودينا- من شيوخ الإمام أحمد: أنه ذكر عنده الجهمية، فقال: شر قولا من اليهود والنصارى. وقد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وهم يقولون: ليس على شيء. وهذا يبين لنا كيف أن الجهمية وقعوا في شيء وقالوا شيئا لم يقله قبلهم أحد من أهل الأديان. وهذا يدل على اللوثة التي وقعت فيهم، ففارقوا أهل الحق وفارقوا أهل الإسلام، بل فارقوا أهل الأديان، فارقوا أهل الأديان في هذه المسألة. قال رحمه الله: وهذه الآثار كلها صحيحة: أثر ابن المبارك، وأثر حماد بن زيد، وكذلك أثر سعيد بن عامر الضبعي رحمهم الله تعالى جميعا. قال رحمه الله: وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة -إمام الأئمة-: من لم يقل إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة. ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح. عندك: بنتن ريحه طيب. أناس عندي ما فيه من العبارة طيب. وهذا كذا كما ذكر. رواه الإمام الحاكم رحمه الله تعالى في «علومه» في «معرفة علوم الحديث» بإسناد صحيح عن ابن خزيمة رحمه الله. وهذا مصير منه بأن هؤلاء كفار؛ أن من قال بأن الله ليس في السماء وأنه على عرشه مبائن من خلقه: أنه كافر بالله. لذا قال: وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. هل تضرب عنقه ردة أم حد؟ الجواب: أنه ردة. لذا قال رحمه الله: قال: ثم ألقي على مزبلة؛ لو كان مسلما لا ألقي، لا دفن في مقابر مسلم، لكن لأنه مرتد يقول: ثم ألقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بريحه -بنتن ريحه- عندكم أهل القبلة ولا أهل الذمة. ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح. قال رحمه الله: وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده عن عباد بن العوام الواسطي -إمام أهل واسط- من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد: قال: كلمت بشر المريسي وأصحاب بشر، فرأيت آخر كلامهم أن يقولوا: ليس في السماء شيء. وهذا كذلك ثابت عنه بإسناد صحيح، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في «مختصر العلوم». وهذه الآثار في «مختصر العلوم» لإمام الذهبي رحمه الله تعالى، «العلوم» للإمام الذهبي، واختصره الشيخ الألباني، وذكر فيه الصحيح من ذلك. قال رحمه الله: وعلى عبد الرحمن بن مهدي الإمام المشهور: أنه قال: ليس في أصحاب الأهواء شر من أصحاب جهم، يدورون على أن يقول: ليس في السماء شيء. أرى -والله- أن لا يناكحوا ولا يوارثوا. وهذا كذلك مصيرهم منه إلى أنهم ليسوا من أهل الإسلام. قال رحمه الله: وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية» عن عبد الرحمن بن مهدي قال: أصحاب جهم يريدون أن يقولوا: إن الله لم يكلم موسى، ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء، وأن الله ليس على العرش. أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا. وعن الأصمعي قال: قدمت امرأة جهم، فنزلت بالدباغين. فقال رجل عندها: الله على عرشه. فقالت: محدود على محدود. قال الأصمعي: كفرت بهذه المقالة. لماذا؟ لأن مقصدها مقصد الجهمية، فهي تنفي العلو تنفي العلو بهذه العبارة، تقول: محدود على محدود، أي أنها تزعم أن إنسانا لو قال بأن الله على عرشه فهو محدود على محدود، فإذا كان محدود على محدود: أن يمتنع أن يكون مستوى على العرش بزعمها. ومن قال بأن الله ليس على عرش يستوى، وأنه ليس في السماء العلو، فهو كافر بالله العظيم. فقوله رحمه الله: كفرت بهذه المقالة. لماذا؟ لأنها من مقالة الجهمية، بل هي كما ترون زوجة الجهم. قال رحمه الله: وعن عاصم بن علي بن عاصم -شيخ أحمد والبخاري وطبقتهما- قال: ناظرت جهما، فتبين من كلامه أنه لا يؤمن أن في السماء ربا. وهذا الرجل كان من خيار الأئمة رحمهم الله وتعالى، حتى كان الإمام يحيى بن معين يلقبهم بسيد المسلمين. وهذا الأثر أيضا ثابت، وكما سمعتم كلها في «مختصر العلوم» للإمام الذهبي الذي اختصره العلامة الألباني رحمه الله. قال رحمه الله: وروى الإمام أحمد بن حنبل الشيباني قال: أخبرنا سريج بن النعمان قال: سمعت عبد الله بن نافع الصائغ قال: سمعت مالك بن أنس يقول: الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان. وقال: وهذا كذلك صحيح عن الإمام مالك. قال رحمه الله: وقال الشافعي: خلافة أبي بكر الصديق حق قضاه الله في سمائه، وجمع عليه قلوب عباده. وهذا كذلك صحيح. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في «اجتماع الجيوش الإسلامية» وغيره. قال رحمه الله: وفي الصحيح عن أنس بن مالك قال: كانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات. وهذا مثل قول الشافعي السابق: قضاه الله في السماء، وجمع عليه قلوب العباد. والحديث كما ذكر في الصحيح، أي في صحيح البخاري، أي حديث زينب في قصتي هذا. والحديث من حديث أنس. قال رحمه الله: وقصة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة مشهورة في استتابته لبشر المريسي حتى هرب منه لما أنكر الصفات، وقال بقول جهم. قد ذكرها المحدثون، منها ابن أبي حاتم وغيره. وأنتم عندكم: لما أنكر الصفات وقال بقول جهم. هكذا. قال رحمه الله: وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين الإمام المشهور من أئمة المالكية في كتابه الذي صنفه في «أصول السنة» قال فيه: باب الإيمان بالعرش. قال: ومن قول أهل السنة: أن الله عز وجل خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبر عن نفسه في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. يعلم ما ينجي في الأرض. فسبحان من بعد وقرب بعلمه، فسمع النجوى. وذكر حديث أبي رزين العقيلي. قلت: يا رسول الله -يعني- فسبحان من بعد وقرب بعلمه، فهو ربنا جل وعلا كما أخبر عن نفسه بقوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. فالله جل وعلا قريب في علوه، فهو عال جل وعلا، ومع هذا قريب، يسمع صوت الداعين، ويسمع كذلك صرخات المضطرين سبحانه وتعالى. وهذه من خصائص رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله: وذكر حديث أبي رزين العقيلي: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: «كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء». قال محمد: «العماء: السحاب الكثيف المطبق» فيما ذكره الخليل. وذكر آثارا أخرى. ثم قال: باب الإيمان بالكرسي. هذا الحديث: حديث أبي رزين العقيلي: أين كان الله؟ قال: «كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء». هذا الحديث يحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في «الصحيحة» في المجلد السادس منه، في القسم الأول من المجلد السادس، يحسنه بمجموع طرقه، أي: له طرق، حسن بمجموعهما. قال رحمه الله: ثم قال: باب الإيمان بالكرسي. قال محمد بن عبد الله: ومن قول أهل السنة: أن الكرسي بين يدي العرش، وأنه موضع القدمين. ثم ذكر حديث أنس الذي فيه التجلي يوم الجمعة في الآخرة. وفيه: «فإذا كان يوم الجمعة هبط من عليين على كرسيه، ثم يحط الكرسي على منابر من ذهب مكللة بالجواهر، ثم يجيء النبيون فيجلسون عليها». وذكر ما ذكره يحيى بن سالم صاحب التفسير المشهور. أولا: هذا الحديث يذكره رحمه الله تعالى، بعض أهل العلم يحسنه لما جاء له من طرق، وبعضهم يحكم عليه بالضعف. والإمام أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى سئل عنه، فحكم عليه بأنه خطأ. وله طرق أخرى أيضا ذكرها ابن أبي حاتم في «العلل». وقال أبو حاتم: سالم بن عبد الله شيخ شامي. فالحاصل: أن الحديث من أهل العلم -كما سمعته- من يحسنه بمجموع طرقه، ومنهم من يضعفه، ومنهم من يضعفه. قال رحمه الله: لكن قوله: «فإذا كان يوم الجمعة هبط من عليين» -يعني- كون الله عز وجل يأتي يوم الجمعة، وهي المسماة بيوم المزيد. حديث يوم المزيد: أنه يوم الجمعة، وفي أن الله عز وجل يهبط فيلقاه المؤمنون. هذا الحديث حسن بمجموع طرقه. هذا الحديث حسن بمجموع طرقه. وقد تكلمنا على طرقه وتخريجها في كتاب «فتح ربي العباد». قال رحمه الله: وذكر ما ذكره يحيى بن سالم صاحب التفسير المشهور قال: حدثني العلاء بن هلال عن عمار الذهني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إن الكرسي الذي وسع السماوات والأرض لموضع القدمين، ولا يعلم قدر العرش إلا الذي خلقه». وهذا صحيح. وهذا إسناده صحيح على شرط الإمام مسلم. صححه العلامة الألباني كما في «مختصر العلوم». وكذلك شيخنا العلامة الوادعي كما في تحقيقه لتفسير ابن كثير سورة البقرة عند آية الكرسي. قال رحمه الله: وذكر من حديث أسيد بن موسى قال: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن ابن مسعود قال: «ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه». وهذا حديث حسن أيضا؛ بسبب أسيد بن موسى الراوي فيه، أنه حسن الحديث، ورجاله ثقات. والحديث -كما ترون- يعني حديث ابن عباس، أو موقوف على ابن عباس، وموقوف على ابن مسعود. وإن كانت موقوفة، إلا أنها من الموقوفات التي لها حكم الرفع؛ لأن مثل هذه الأقوال من الأمور الغيبية لا تصدر إلا عن توقيف، وعن سماع وخبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي من الموقوفات التي لها حكم الرفع. قال رحمه الله: ثم قال في باب الإيمان بالحجاب قال: ومن قول أهل السنة: أن الله بائن من خلقه، يحتجب عنهم بالحجاب. ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. وذكر آثارا في الحجاب. ثم قال في باب الإيمان بالنزول قال: ومن قول أهل السنة: أن الله ينزل إلى سماء الدنيا، ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حدا. وذكر الحديث من طريق مالك وغيره إلى أن قال: وأخبرني وهب عن ابن وضاح عن الزهري عن ابن عباد قال: ومن أدركت من المشايخ: مالك، وسفيان، وفضيل بن عياض، وعيسى بن المبارك، وكيع: كانوا يقولون: «إن النزول حق». قال ابن وضاح: وسألت يوسف بن عدي عن النزول، قال: نعم، أؤمن به، ولا أحد فيه حدا. وسألت عنه ابن معين، فقال: نعم، أقر به، ولا أحد فيه حدا. معنى: لا أحد به حدا: أي لا يفسرونه بتفسير من عند أنفسهم، بكيفية معينة، كما تفعل الجهمية، تقول: إذا كان ينزل: يلزم أن تكون السماوات فوقه، ويلزم كذا وكذا. فبعد ذلك ماذا يصنعون؟ يعطلون. لكن أهل السنة والجماعة يعلمون معنى النزول، معنى النزول معلوم. أم لا؟ معلوم. لكن كيف النزول؟ هذا لا يعلمونه إلا الله جل وعلا. والسؤال عنه بدعة. لذا هم يؤمنون ويقرون بهذا المعنى، ويقولون: ينزل ربنا جل وعلا كيف شاء، كما أنه استوى كيف شاء، كما أن علمه وسمعه وبصره كيف شاء. وكيف علمه سبحانه وتعالى؟ مع أننا نعلم معنى العلم، معنى السمع، معنى البصر. لكن كيف علم الله جل وعلا؟ لا نحيط به، ولا يحيطون به علما. قال رحمه الله: قال محمد: وهذا الحديث يبين أن الله عز وجل... طيب. من باب الفائدة: قوله رحمه الله تعالى: باب الإيمان بالحجب. ومن قول أهل السنة: أن الله بائن من خلقه يحتجب عنهم بالحجب. ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: أن حجاب الله جل وعلا الذي يحتجب به نوعان: أن حجاب الله جل وعلا الذي يحتجب به نوعان: حجاب هو صفة له، وحجاب مخلوق. فأما الحجاب الذي هو صفة له: هو الذي جاء في الحديث: «حجابه النور، لو كشفه لأحرق سبحات وجهه منتهى إليه بصره». هذا من صفات الله جل وعلا. وأما الحجاب المخلوق: هو الذي يكشفه الله جل وعلا يوم القيامة، ويرفعه يوم القيامة جل وعلا، فيراه عباده المؤمنون بعد أن لم يكونوا قد رأوه. قال رحمه الله: قال محمد: وهذا الحديث يبين أن الله عز وجل على العرش في السماء دون الأرض، وهو أيضا بين في كتاب الله، وفي غير حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾. وذكر من طريق مالك قول النبي صلى الله عليه وسلم للجارية: «أين الله؟» قالت: «في السماء». قال: «من أنا؟» قالت: «أنت رسول الله». قال: «فأعتقها». وهذا الحديث في مسلم من حديث معاوية بالحكم السليم رضي الله عنه وأرضاه. وما ذكرناه عن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب «التبيان في أقسام القرآن». قال رحمه الله: والأحاديث مثل هذا كثيرة جدا. فسبحان من علمه بما في السماء كعلمه بما في الأرض. فسبحان من علمه بما في السماء كعلمه بما في الأرض لا إله إلا هو العلي العظيم. بمعنى: أن الله عز وجل لا تخفى عليه خافية، علمه قد وسع كل شيء جل وعلا. ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما، كما هو في دعاء الملائكة عليهم السلام. قال رحمه الله: وقال قبل ذلك في الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه قال: واعلم بأن أهل العلم بالله وبما جاءت به أنبياؤه ورسله يرون الجهل بما لم يخبر به عن نفسه علما، والعجز عن ما لم يدع إليه إيمانا. وأنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه لا حيث انتهى في كتابه على لسان نبيه. يرون الجهل... طيب. قال رحمه الله: وقد قال -وهو أصدق القائلين-: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، وقال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. يعني: أنظر إلى هذا التفسير من هذا الإمام رحمه الله ابن أبي زمنين رحمه الله يقول: واعلم بأن أهل العلم بالله -أي العلماء حقا بالله جل وعلا- الذين يعلمون حدود ما أنزل الله، الذين يخشون الله جل وعلا، الذين علمهم موروث من الأنبياء، أخذوه كابرا عن كابر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلقاه الصحابة، وتلقاه التابعون من الصحابة، وتلقاه تابع التابعين من التابعين، وهكذا من العلم الموروث. قال: يرون الجهل بما لم يخبر به عن نفسه علما -أي ما لم يخبر به الله جل وعلا عن نفسه- بل أمسكه الله جل وعلا، فلم يطلع عليه أحدا، لا ملكا مرسلا، ولا نبيا مقربا. يعتقدون أن الكشف عن هذا من العلم أو من الجهل؟ الجواب: يعتقدون أنه من الجهل. الكشف عن شيء حجبه الله عن كل أحد، هذا من الجهل. قال: والعجز عن ما لم يدع إليه إيمانا. قال: وإنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه على لسان نبيه -أي يثبتون ما أثبته الله جل وعلا لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم- على الوجه اللائق بالله جل وعلا، إثبات من غير تمثيل، وتنزيه من غير تعطيل. قال رحمه الله: وقد قال -وهو أصدق القائلين-: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، وقال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾، وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، وقال: ﴿إِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾، وقال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾، وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وقال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وقال: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخَرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾. ومثل هذا في القرآن كثير. فهو تبارك وتعالى نور السماوات والأرض كما أخبر عن نفسه، وله وجه ونفس وغير ذلك مما وصف به نفسه، ويسمع ويرى ويتكلم. هو الأول لا شيء قبله، والآخر الباقي إلى غير نهاية، ولا شيء بعده. والظاهر العالي فوق كل شيء، والباطن بطن علمه بخلقه. فقال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قيوم حي لا تأخذ سنة ولا نوم. وهذا تفسير لقاء الله جل وعلا. والباطن: أي الذي بطن علمه بخلقه، فهو الخبير جل وعلا الذي علم دقائق الأشياء، وعلم كل ما قد يخفى عن مخلوق. علمه الله جل وعلا الذي لا تخفى عليه خافية. قال رحمه الله: وذكر أحاديث الصفات. ثم قال: فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه، ووصفه بها نبيه. وليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. لم تره العيون فتحده كيفه، ولكن رأته القلوب في حقائق الإيمان. أي: قوله رحمه الله تعالى: ليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه. تحديد: أي كما تحده الجهمية. وليس فيها تشبيه؛ لماذا؟ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال رحمه الله تعالى: لم تره العيون فتحده كيفه. أي: لم تره العيون فتقول: كيفية الله جل وعلا كذا وكذا. قال: ولكن رأته القلوب في حقائق الإيمان. بمعنى: أن القلوب لما علمت وسمعت من الإخبارات عنه جل وعلا، قر فيها الإيمان والتعظيم لله رب العالمين جل وعلا. ولكنها لا تعلم كيف هو جل وعلا؛ من باب التعظيم والإيمان والوقوف حيث وقف الكتاب والسنة. قال رحمه الله: وكلام الأئمة في هذا الباب أطول وأكثر من أن تسعه هذه الفتنة. وكذلك كلام الناقلين لمذهبهم -مثل ما ذكره أبو سليمان الخطابي في رسالته المشهورة في «الغنية عن الكلام وأهله»-. قال: فأما ما سألت عنه من الصفات وما جاء منها في الكتاب والسنة، فإن مذهب السلف إثباتها وإجراءها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها. وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف. وإنما القصر في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين. ودين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه. والأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله. فإذا كان معلوما أن إثبات الباري تعالى إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. فإذا قلنا: يد، وسمع، وبصر، وما أشبهها. فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه. ولسنا نقول: إن معنى اليد القوة أو النعمة، ولا معنى السمع والبصر العلم. ولا نقول: إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي وبالأسماع وبالأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل. ونقول: إن القول إنما وجب بإثبات الصفات؛ لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها؛ لأن الله ليس كمثله شيء. على هذا جرى قول السلف في أحاديث الصفات. هذا كله كلام الخطابي. مع التنبيه على أن قوله: وَلَسْنَا نَقُولُ إِنَّ مَعْنَى الْيَدِ الْقُوَّةُ أَوِ النِّعْمَةُ وَلَا مَعْنَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ الْعِلْمَ. إيش عندكم؟ معنى السمع والبصر العلم. يعني: الواو زائدة. قال رحمه الله: وهكذا قاله أبو بكر الخطيب الحافظ في رسالة له أخبر فيها أن مذهب السلف على ذلك -أي إجماع-، نقل الإجماع على هذا. قال رحمه الله: وهذا الكلام الذي ذكره الخطابي قد نقل نحو منه من العلماء من لا يحصى عددهم -مثل أبي بكر الإسماعيلي، والإمام يحيى بن عمار السيجزي، وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي صاحب «منازل السائرين»- وذنب الكلام -وهو أشهر من أن يوصف-، ومثل أبي عثمان الصابوني شيخ الإسلام، وابي عمر بن عبد البر النمري إمام أهل المغرب، وغيرهم. يعني: كلهم نقلوا الإجماع على هذا المعنى الذي نقله الإمام الخطابي رحمه الله تعالى: من أن القول في الصفات كالقول في الذات، يحذو حذوه. وأن إثبات الصفات إثبات وجود، كما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية. قال رحمه الله: وقال أبو نعيم الأصبهاني صاحب «الحلية» في عقيدة له قال في أولها: طريقتنا طريقة المتبعين الكتاب والسنة وإجماع الأمة. قال: فمما اعتقدوه: أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العرش، واستواء الله: يقولون بها، ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه. وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم، ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه. قال الحافظ أبو نعيم في كتابه «حجة الواثقين ومدرجة الوامقين» -تعليفه الوامقين أي المحبين-: وأجمعوا أن الله فوق سماواته، عال على عرشه، مستوى عليه، لا مستول عليه -كما تقول الجهمية-: إنه بكل مكان. خلاف القرآن. نزل في كتابه: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. له العرش المستوي عليه، والكرسي الذي وسع السماوات والأرض. وهو قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. وكرسيه جسم. والأراضون السبع والسماوات السبع عند الكرسي كحلقة في أرض فلاة. وليس كرسيه علمه -كما قالت الجهمية-، بل يوضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه -كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم-. وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، والملائكة صفا صفا -كما قال تعالى-: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. وزاد النبي صلى الله عليه وسلم: وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، فيغفر لمن يشاء من مذنبي الموحدين، ويعذب من يشاء -كما قال تعالى-: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال رحمه الله: وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني -شيخ الصوفية في حدود المائة