الدرس في شرح الفتوى الحموية 8، ألقاها
يناقش معاني التأويل في الاصطلاح الإسلامي، ويوضح ثلاثة معانٍ للتأويل: صرف اللفظ عن ظاهره، وتفسير الكلام، والحقيقة التي يؤول إليها الكلام. يُبيّن أن التأويل في لغة القرآن مرتبط بالحقيقة التي يؤول إليها الكلام.
يشرح تأويل القرآن وأنواعه، ويفرق بين التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم والتأويل الذي لا يعلمه إلا الله. يستشهد بآيات قرآنية وأقوال العلماء لتوضيح هذه المفاهيم ويحذر من ادعاء معرفة الأمور الغيبية.
يؤكد على أهمية تدبر القرآن وفهم معانيه، مستشهدًا بأقوال السلف الصالح. يبين أن الصحابة تعلموا القرآن والعلم والعمل معًا، وأن القرآن يحتوي على بيان لكل البدع والضلالات.
ينقل عن الإمام الأوزاعي إجماع التابعين على أن الله فوق عرشه ويؤمنون بصفاته الواردة في السنة. يذكر أقوال الأئمة الأربعة ويبين معنى "أمروها كما جاءت" أي على ظاهرها دون تأويل.
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فإن لفظ التأويل يراد به ثلاثة معان، والتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو صرف اللفظ عن احتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقتضي بذلك، فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهرة تأويلًا على الاصطلاح، على اصطلاح هؤلاء. وظنوا أن مراد الله تعالى بلفظ التأويل ذلك، أي على اصطلاح هؤلاء، على اصطلاح المفوضة كذلك. وظنوا أن مراد الله تعالى بلفظ التأويل ذلك، وأن للنصوص تأويلًا يخالف مقتضاها لا يعلمه إلا الله، أو يعلمه المتأولون. ثم كثير من هؤلاء يقولون: تجرى على ظاهرها، فظاهرها مراد، مع قولهم: إن لها تأويلًا بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله. وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنة، من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، تقدم معنا التعليق على هذه الفقرة، وتقدم معنا أيضًا قوله رحمه الله: «ثم كثير من هؤلاء يقولون: تجرى على ظاهرها»، ويقصد بهؤلاء المفوضة. قال: يقولون: تجرى على ظاهرها، ثم قال: فظاهرها مراد، يعني يقولون: تجرى على ظاهرها، فعلى هذا يكون ظاهرها مرادًا. قال: مع قولهم: إن لها تأويلًا بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله، تأويل لا يعلمه إلا الله. إذن: ها ظاهرها مراد أو ليس بمراد؟ ها جماعة ليس بمراد. إذن: حقيقة قولهم أن ظاهرها مراد: أن ظاهر ليس بمراد. وهذا عين التناقض. قال رحمه الله: المعنى الثاني: أن التأويل هو تفسير الكلام، سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه. وهذا هو التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم. وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم، وهو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، والراسخون في العلم، كما نقل ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن إسحاق، وابن قتيبة وغيرهم. وكلا القولين حق باعتبار، كما قد بسطناه في موضع آخر. ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا، وكلاهما حق. قوله رحمه الله تعالى: والمعنى الثاني: أن التأويل هو التفسير، أي المعنى الثاني: معنى التأويل في اصطلاح المتقدمين، في اصطلاح المتقدمين من لا إلخ رحمهم الله تعالى: أنهم يطلقون التفسير أو التأويل، ويقصدون به التفسير. هذا معنى عند المتقدمين؛ لأن عند المتقدمين معنيان للتأويل: الأول التفسير، والثاني سيأتي معنا بإذن الله جل وعالى. فإذا عند المتقدمين: أن التأويل إذا أطلقوه، مقصودهم بذلك التفسير. لذا نجد في كتب الأئمة المتقدمين، كالإمام ابن جرير الطبري ونحوه، يقول: «القول في تأويل قول الله جل وعلا كذا وكذا»، «القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا»، القول في إيش؟ في تأويل. ما معنى في تأويل؟ أي في تفسير. ومنهم قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل». ما معنى علمه التأويل؟ أي التفسير. فصار رضي الله عنه وأرضاه من أحبار هذه الأمة، بل حبر هذه الأمة رضي الله عنه وأرضاه بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا المعنى يتنزل قول الله جل وعلا على القراءة الأخرى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، أي يعلمون تأويله. فالتأويل ها هنا بمعنى ماذا؟ بمعنى التفسير. واضح. وهي قراءة قرأ بها جماعة من الأئمة، وذكر أنها منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقوله رحمه الله: «وكلا القولين حق باعتبار»، بمعنى: كلا القولين، أي كلا القراءتين، سواء قراءة الوقف أو قراءة ماذا؟ الوصل. قراءة الوصل لها معنى، وقراءة الوقف لها ماذا؟ معنى. وكلاهما صحيحان باعتبار. قال رحمه الله: والمعنى الثالث: أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، وإن وافقت ظاهره. فتأويل ما أخبر الله به في الجنة من الأكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك، هو الحقائق الموجودة أنفسها، لا ما يتصور من معانيها في الأذهان، ويعبر عنها باللسان. وهذا هو التأويل في لغة القرآن، كما قال تعالى عن يوسف: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله. إذن: هذا التأويل تتنزل عليه القراءة بالوقف: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. ثم قالوا: «والراسخون في العلم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا». إذن: المعنى الثاني الذي يدل عليه الكتاب والسنة، وكان عليه سلف هذه الأمة: أن التأويل يطلق ويراد به حقيقة الشيء، وما يؤول إليه الشيء. حقيقة الشيء وما يؤول إليه الشيء، وإن وافق ظاهره. وإن وافق إيش؟ ظاهره. وكما مر معنا في كتاب التدمرية: أن التأويل على قسمين. أن التأويل على قسمين، أي تأويل الذي بمعنى ماذا؟ بمعنى ما يؤول إليه الشيء، وحقيقة الشيء. تأويل في العلميات، أو قل في الأخبار. وتأويل في العمليات، أو قل في الأوامر، أو قل في ماذا؟ في الأوامر. أما التأويل في العلميات أو في الأخبار: فهو أن يقع الخبر كما هو. فمتى وقع الخبر كما هو؟ فإن هذا يقال: تأويل ذلك الخبر. تأويل ذلك الخبر، منه قول الله جل وعلا عن يوسف عليه السلام: أنه في أول الأمر، حينما كان صبيًا صغيرًا، أخبر أباه بالرؤية: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾. ثم لما حصل ذلك بعد أن دخل مصر، وحصل ما حصل بينه وبين أخوته، وجاء أبوه وأمه وإخوته، لما جاءوا وخروا له سجدًا، قال ماذا؟ قال: «يا أبت هذا تأويل رؤيا من قبل قد جعلها ربي حقًا». إذن: حينما وقع ما أخبر به، قال: هذا تأويل، أي ما آل إليه الأمر، ووقع الأمر كما حصلت الرؤية. إذن: ما كان من التأويل كان موافقًا لماذا؟ الخبر. واضحة. جماعة موافقًا لماذا؟ الخبر. ومنهم قول الله جل وعلا أيضًا: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾، يقول: الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق. يوم يرون أي الإخبارات التي أخبرهم الله جل وعلا بها، من أمور الآخرة والمعاد والنار والجنة إلى غير ذلك. يوم يرونهم على ما هو عليه، هذا هو تأويل ذلك الشيء. هذا في ماذا؟ في الأخبار، أو قل في العلميات. وأما في العمليات: فبأن يعمل ما أمر به. لذا قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: قالت: «إن الله جل وعلا لما أنزل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من أن يقول: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك». قالت: «يتأول القرآن». يتأول القرآن. إذن: تأول التأويل في العمليات: بأن يفعل ماذا؟ بأن يفعل المأمور. واضح. جماعة. في الأخبار: بأن يقع الخبر على ما هو عليه. على ما هو عليه. قال رحمه الله: وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله. ما هو هذا التأويل؟ أي الذي يؤول إليه الشيء. ولا سيما من الأشياء الغيبية التي لا يطلع عليها، أو لا يعلمها إلا من التي لا يعلمها إلا الله جل وعلا. فهذه هذا من هذا النوع من التأويل. مثل الإخبارات كيفية الجنة والنار، مثل كيفية صفات الله جل وعلا وأسمائه. ومثل أشياء كثيرة أخبرنا الله جل وعلا بها، ولا نعلم كيفيتها، وإن كنا نعلم معانيها. واضحة. جماعة. قال رحمه الله: وتأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرض الله تعالى بعلمها، وهو الكيف المجهول الذي قال فيه السلف: كمالك وغيره: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول». فالاستواء معلوم، يعلم معناه، ويفسر، ويترجم بلغة أخرى. وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم. وأما كيفية ذلك الاستواء: فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. قال رحمه الله: وقد روى عفوا. وقوله: أي قول إمام مالك رحمه الله تعالى المشهور، وكذلك قول شيخه من قبله ربيعة: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول». والسؤال عنه بدعة. إلى آخر ذلك. جمع الإمام مالك رحمه الله تعالى بين التأويلين، أي بين بيان التأويلين: التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم، والتأويل الذي لا يعلمه إلا الله. فقال: «الاستواء معلوم»، إذن: هذا من المعنى الذي يعلمه العلماء. أم لا؟ هيا. جماعة. من المعنى الذي يعلمه العلماء. قال الله جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. ما معنى الاستواء؟ قال إمام مالك: «الاستواء معلوم». واضح. معلوم عند من؟ عند العلماء رحمهم الله. وأما التأويل الذي لا يعلمه أحد إلا الله: فهو تأويل إيش؟ الكيفي. والكن. لذا قال: «والكيف مجهول». إذا كان في جواب مالك رحمه الله تعالى: تقرير لهذه المسألة بعينها، من أن التأويل منه ما هو معلوم، هو الذي بمعنى إيش؟ بمعنى التفسير والبيان، من حيث المعنى الظاهر. ومنه ما هو مجهول، وهو ما كان من المعنى الباطن، الذي هو معنى الكيف والكن. فجمع الإمام مالك رحمه الله تعالى بهذه الكلمات بين التأويل المعلوم للعلماء، والتأويل الذي لا يعلمه إلا الله جل وعلا. قال رحمه الله: وقد روي عن ابن عباس ما ذكره عبد الرزاق وغيره في تفسيرهم عنه: أنه قال: «تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل». فمن ادعى علمه فهو كاذب. وهذا الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما رواه ابن جرير وغيره بإسناد رجاله كلهم ثقات إلى أبي الزناد عن ابن عباس. وأبو الزناد لم يسمع من ابن عباس رضي الله عنهما، فإذا هو منقطع بسبب هذه العلة. وأما قوله: يعني هذا قوله: «وتفسير لا يعلمه إلا الله». وقوله: «فمن ادعى علمه فهو كاذب». هذه اللفظة، أو بهذه الزيادة، جاءت في حديث عن ابن عباس مرفوعًا. ولكنه ضعيف جدًا؛ لأنه من طريق محمد بن السائب الكلبي، وهو واهٍ. وذكر ابن كثير رحمه الله تعالى: أن الأقرب أنه من قول ابن عباس. أن الأقرب أنه من قول ابن عباس رضي الله عنهما. والشاهد منه: أن التفسير منه ما تعرف العرب من كلامها. واضح. فهو تفسير بماذا؟ بظاهر المعنى، بالمعنى الظاهر المعروف في لغة العرب. وتفسير لا يعذر أحد بجهالته؛ لماذا؟ لأنه معلوم لكل الناس. يعني كتفسير مثلا: «لا إله إلا الله». لا أحد يجهل تفسيرها. تفسير الصلاة، ما معنى الصلاة؟ الزكاة، لا يعذر أحد. صيام لمن كان يعني صيام. والصلاة وما شابه ذلك. لا يعذر أحد بماذا؟ بجهل معلومة لكل أحد. قال: «وتفسير يعلمه العلماء». وتفسير يعلمه العلماء، وهو الذي يكون بماذا؟ بالاستنباط، وبالنظر في الأدلة، والتأمل فيها. وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل، وهو الذي بمعنى الكيف والكن. فهذا لا يعلم إلا من؟ إلا الله جل وعلا. قال: «فمن ادعى علمه فهو كاذب». لماذا؟ لأن الله جل وعلا حجبه عن البشر. فكيف يدعي علمه مدعٍ؟ واضحة. جماعة. كيف يدعي مدعٍ علمه، والله جل وعلا قد حجب علمه عن كل أحد؟ وما علم الإنسان من علم، إنما هو من علم الله جل وعلا. ما تعلمه الإنسان من العلم، إنما هو من من؟ من علم الله جل وعلا. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. فإذا بما شاء. وقال الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم لنبيه: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾. وقال له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. إذن: العلم من من؟ من الله جل وعلا. والله قد حجب هذا العلم عن كل أحد. فكيف بعد هذا يدعي مدعٍ بأنه قد علم ما حجبه الله جل وعلا عنه من العلم؟ لذا قال ابن عباس: «فمن ادعى علمه فهو كاذب». واضح. يا أخوان. أم لا؟ لأنه مدعٍ لشيء لا يعلمه حقيقة. قال رحمه الله تعالى: وهذا كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». وهذا من هذا الباب. يعني: مهما تصور الإنسان، فالأمر فوق ذلك. مهما رأت عينه، فالأمر فوق ذلك. مهما سمعت أذنه، فالأمر فوق ذلك. قال رحمه الله: وكذلك علم وقت الساعة ونحو ذلك. فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. وهذا من هذا الباب أيضًا. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال رحمه الله: وإن كنا نفهم معاني ما خاطبنا به، ونفهم من الكلام ما قصد إفهامنا إياه. كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. وقال: ﴿أَفَلَمْ يَتَدَبَّرُوا الْقَوْلَ﴾. فأمر بتدبر القرآن كله، لا بتدبر بعضه. إذن: الأصل أن الله جل وعلا أمرنا بتدبر القرآن. ما معنى تدبر القرآن؟ أي نتفهم القرآن، نفهم معانيه، ونعلم معانيه. وفي الوقت نفسه، أخبرنا الله جل وعلا: أن هناك أشياء لا نعلمها، ولا نستطيع الوصول إليها. وهي معرفة العلم الذي استأثر به الله جل وعلا نفسه، فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه. واضح. جماعة. منها: إخبار الساعة، ووقت الساعة. ما في الجنة حقيقة الجنة، وما في الجنة، وكيفية الجنة، وما فيها، وما عداه الله فيها. وكذلك ما في الأمور الأخرى من الميزان والحوض والصراط، إلى غير ذلك من الأشياء التي لا يعلمها إلا الله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله: قال أبو عبد الرحمن السلمي: «حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن، عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات، لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل». قالوا: «فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا». وهذا الأثر له طرق، وهو أثر صحيح. بل قل: هو حديث صحيح؛ لأن أبا عبد الرحمن السلمي، وهو التابعي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، يقول: «حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن». وهنا ذكر عثمان، وابن عفان، وذكر ابن مسعود. وجاء في الإسناد الآخر: «أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات». إذن: هذا مرفوع أم ليس بمرفوع؟ مرفوع. إذا تعلموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات، لم يتجاوزوها. بل ماذا يصنعون؟ قال: «حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل». هذا تدبر وتفهم لمعاني قرآن أم لا؟ وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بين للمسلمين ما يحتاجونه أم لا؟ هيا. جماعة. هذا واضح. بين في أن النبي صلى الله عليه وسلم علم ما أنزل إليه، وبين ما أنزل إليه أتم بيان وأحسن بيان. والصحابة رضي الله عنهم وأرضاه كانوا على هذا السير يسيرون: يتعلمون عشر آيات، يحفظونها أولًا، ثم يتعلمون العلم والعمل، ثم بعد ذلك. قالوا: «فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا». حتى يذكر عن بعضهم: يذكر عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه حفظ أنه حفظ سورة البقرة في نحو عشر سنين، أو نحو ذلك. يعني: قد يقول: قال ماذا؟ إيش ابن عمر ما عنده حفظ في هذه المدة؟ الجواب: لا. لكن كانوا ماذا؟ يحفظون ويتعلمون ويعملون، ثم ينتقلون إلى غيرها. فهذا فيه دلالة على أن الصحابة يعلمون القرآن، أي معاني القرآن. والرسول صلى الله عليه وسلم يعلم معاني القرآن، وعلمها إياهم. وهكذا. قال رحمه الله: وقال مجاهد: «أردت المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية، وأسأله عنها». وهذا الأثر عن مجاهد عن ابن عباس أيضًا: أثر ثابت. له أسانيد كثيرة، وهو أثر حسن. يعني: من حيث الإسناد. له إسناد يعني له. جاء من طرق، وهو إسناد حسن ثابت إلى مجاهد رضي الله عنه وأرضاه. وفيه أيضًا هذا المعنى: فيه أن مجاهدًا، وهو تابعي، بل إمام المفسرين في زمانه، أي في زمان التابعين، يقول: «عرضت المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما، من فاتحته إلى خاتمته». ماذا يصنع؟ قال: «أقف عند كل آية، وأسأله عنها». هذا السؤال عن ماذا؟ إذن: يحفظها، أو يعرف معانيها؟ يعرف معانيها. ففيها دلالة على ما كان عليه التابعون من الاهتمام بفهم القرآن. وفيها دلالة أيضًا: ما كان عليه ابن عباس من فهم القرآن، من أوله إلى آخر. وأنه فسر القرآن كله. وأنه علم معاني القرآن كله رضي الله عنه وأرضاه. فيكون هذا من ماذا؟ من هذا الباب. ممن فهم القرآن، وأبلغه لمن بعده. قال رحمه الله: وقال الشعبي: «ما ابتدع أحد بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها». وهذا أيضًا ثابت إلى الشعبي رحمه الله تعالى. فقد رواه الإمام الخلال في كتاب السنة بإسناد صحيح. إلا أن فيه قال: «ما ابتدع أحد بدعة إلا وفي كتاب الله عز وجل ما يكذبه». إلا وفي كتاب الله عز وجل ما يكذبه، أي: ما يبين كذبه. ما يبين كذبه؛ لماذا؟ لأن الله جل وعلا جعل هذا القرآن ناصرًا للحق، ودامغًا للباطل. قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. قال رحمه الله: وقال مسروق: «ما نسأل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن علمنا قصور عنه». وهذا الأثر ذكره الخطيب في الفقيه والمتفقه، وذكره كذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. هو وأثر الشعبي. وقال: «وأمثال ذلك من الآثار الكثيرة المذكورة بالأسانيد الثابتة». أسانيد الثابتة. فشيخ الإسلام صحح هذا الأثر. أما أنا فما وقفت عليه. وإنما وقفت على معناه عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضى، كما في الإبانة لابن بطة، وكذلك في تاريخ البخاري الكبير، وغيره. قال رحمه الله: والمقصود هنا التنبيه على أصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلال في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. وأن من جعل الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي أنزل إليه، ولا جبريل جعله غير عالم بالسمعيات. ولم يجعل القرآن هدى، ولا بيانًا للناس. وهذا يرده الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة. وتقدم شيء من ذلك من حال الصحابة الكرام: كيف كانوا يتعلمون القرآن. قال رحمه الله: ثم هؤلاء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية، فلا يجعلون عند الرسول، وأمته في باب معرفة الله عز وجل: لا علوم عقلية، ولا سمعية. وهم قد شاركوا الملاحدة من وجوه متعددة. وهم مخطئون فيما نسبوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى السلف من الجهل. كما أخطأ في ذلك أهل التحريف والتأويلات الفاسدة، وسائر أصناف الملاحدة. شاركوهم من حيث لم يشعروا. جعل الرسول لا يعني: رسول الأمة الأول. لا عندهم علوم عقلية، ولا نقلية؛ لماذا؟ لأن العلوم النقلية: حروف وألفاظ لا معاني لها. لا يدرون ما معانيها. والعقلية: لم يستنبطوا، ولم يشغلوا كما يقال: عقولهم لمعرفة الحق والصواب. إذن: لا هم عندهم خبرة وعلم لا بالعقلية، ولا بالنقلية. وهذا القول هو مساوٍ لقول من؟ لقول الفلاسفة، والباطنية، والقرامطة. بزعم هذه الدعوة في حق من؟ في حق الرسل، وأتباعهم. في حق الرسل وأتباعهم. قال رحمه الله: ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها، وعيان من نقل مذهبهم، إلى غير ذلك من الوجوه، بحسب ما يحتمله هذا الموضع. ما يعلم به مذهبهم. أي: كأنه يقول باختصار. كأنه يقول بماذا؟ باختصار. سينقل وسيذكر عن السلف، وأحوالهم، وأقوالهم: الشيء العظيم والكثير باختصار. وإلا الموضع والكلام أوسع من ذلك. قال رحمه الله: روى أبو بكر البيهقي في أسماء السفات بإسناد صحيح للأوزاعي قال: «كنا والتابعون متوافرون، نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته». وهذا كما ذكر شيخ الإسلام بإسناد صحيح عن الإمام الأوزاعي رحمه الله، صححه كما ترون شيخ الإسلام. وكذلك صححه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في اجتماع الجيوش الإسلامية. وكذلك جود إسناده الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري. وهذا فيه نقل الإجماع. فيه نقل الإجماع من الإمام الأوزاعي. والإمام الأوزاعي هو قرين الإمام مالك، وقرين الإمام الثوري، وقرين الإمام الليث بن سعد. وكان العلماء رحمهم الله تعالى يقولون: «أئمة الدنيا في زمانهم أربعة: مالك في المدينة، والأوزاعي في الشام، والثوري في الكوفة، والليث بن سعد في مصر». أئمة الإسلام رحمهم الله تعالى وفقهاؤهم. فها هنا الأوزاعي يقول: «كنا والتابعون متوافرون». هو تابعي يقول: «كنا نقول: كنا والتابعون متوافرون، نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته». هذا نص واضح صريح أم لا؟ نص واضح صريح. وإجماع. نقله من؟ نقله إمام من أئمة تابعي التابعين، ثقة جليل، وهو الإمام الأوزاعي. قال رحمه الله: فقد حكى الأوزاعي، وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين، الذين هم: مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق. حكى شهرة القول في زمان التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش، وبصفاته السمعية. يعني: إذا قال إنسان إذا سمع كلام الأوزاعي في هذا، بعض المتأخرين من الأشاعرة، ومن كان على شاكلتهم، بل من المعتزلة: ماذا سيقول عنهم؟ هيا. جماعة. قد يحكمون عليه بالكفر. يقول: من قال: من الأشاعرة إلى السماء. وقال: «إن الله في السماء». فإن اعتقد ذلك فهو كافر، وإن لم يعتقد ذلك فهو ضال. فما ظنوا هؤلاء بهؤلاء؟ إما رحمهم الله تعالى. ونقول: قولهم واضح، صريح، إجماع على أن الله في السماء. وأن هذا كان محل إجماع بين الأئمة، وبين التابعين رضي الله عنهم أجمعين. قال رحمه الله: وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافي لصفاته؛ ليعرف الناس أن مذهب السلف كان بخلاف هذا. قال رحمه الله: وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: «سئل مالك بن أنس، والزهري عن تفسير الأحاديث، فقال: أمروها كما جاءت». قال: «أمروها كما جاءت». نعم. وهذا الأثر أيضًا رواه كما ذكر الخلال، ابن منده في التوحيد، والبيهقي كذلك في الأسماء والصفات، وهو صحيح. صححه كذلك من المتأخرين: علامة الألباني رحمه الله تعالى، كما في مختصر العلو للذهبي. وهذا أيضًا نص صريح: «أمروها كما جاءت»، أي: على ظاهرها. «أمروها كما جاءت»، أي: على ظاهرها، دون تأويل يخالف ظاهرها. فمعنى قول الأئمة والسلف رحمه الله تعالى: «أمروها كما جاءت». الذي نقله عنهم الأوزاعي: هو كقول الأوزاعي: «إن كنا والتابعون متوافرون، نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه». هذا «أمروها كما جاءت» أم لا؟ قال: «ونؤمن بما وردت في السنة من صفاته». هذا «أمروها كما جاءت» أم لا؟ إذا: معنى «أمروها كما جاءت»: أي كما جاءت على ظاهرها، المتبادرة إلى الأذهان، المعلومة في لغة العرب. فلا نتأولها بتأويلات فاسدة، كتأويلات الجهمية. ننتبه لهذه العبارة؛ لأن بعض الجهال، وبعض المفترين على مذهب السلف: ظنوا أن هذه العبارة فيها معنى التفويض. «أمروها كما جاءت»، أي: لا نعلم معناها. واضح. جماعة. وهذا فهم خاطئ، وقص، وفاسد. من الحق: أنهم أرادوا «أمروها كما جاءت»، أي: على ظاهرها، أي: على ظاهرها المعلوم، المتبادر إلى الأذهان. وإلا الناقل لهذا الأمر، الذي هو الأوزاعي: هو الناقل للفظ الأول. هكذا. جماعة. اللفظ الأول قال ماذا؟ نقول: وإيش والتابعون المتوافرون؟ «إن الله تعالى ذكره فوق عرشه». نقول: «إن الله فوق عرشه». هذا علم الظاهر أم لا؟ علم الظاهر. «أمروها كما جاءت». قال رحمه الله: وروى أيضًا عن الوليد. روى أيضًا: أي الخلال عن الوليد بن مسلم قال: «سألت مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقالوا: أمروها كما جاءت». وفي رواية: «فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف». وهذا كذلك يبين المعنى الأول. وهذا كذلك يبين المع