الدرس في شرح الفتوى الحموية 7، ألقاها
يناقش الانحراف عن طريق السلف الصالح وتصنيف المنحرفين إلى ثلاث طوائف: أهل التخيل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل. يشرح تفاصيل أهل التخيل وارتباطهم بالفلاسفة.
يتناول آراء الملحدين والباطنية حول الإيمان بالله واليوم الآخر، ويصنف شيخ الإسلام رحمه الله هذه الآراء على أنها كفرية وباطلة. يشرح تقسيم الباطنية إلى قسمين: باطنية في العلميات وباطنية في العمليات.
يناقش ابن تيمية آراء المتكلمين والفلاسفة وأهل التجهيل في تفسيرهم للصفات الإلهية والمعاد، ويبين أنهم يحرفون الكلام عن معناه الحقيقي أو يجهلون معاني الآيات والأحاديث. يوضح الفرق بين التأويل ومعنى الكلام.
يتناول تناقض بعض المنتسبين إلى السنة في التعامل مع النصوص التي ظاهرها غير مقبول، حيث يظهرون قبول ظاهرها وفي نفس الوقت يؤولونها تأويلا لا يعلمه إلا الله. يشير إلى وقوع كثير من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم في هذا التناقض.
بسم الله الرحمن الرحيم على شِئة الإسلام، رحمه الله تعالى. وأما المنحرفون عن طريقهم، وهم ثلاث طوائف: أهل التخيل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل، فأهل التخيل هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف ومتفقه. فإنهم يقولون: إنما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بيّن به الحق، ولا هدى به الخلق، ولا أوضح به الحقائق. ثم هم على قسمين. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وأما المنحرفون عن طريقهم، أي عن طريق السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم، قال: فهم ثلاث طوائف. وقوله: ثلاث طوائف، هذا الانحراف جملة ينقسم إلى ثلاث طوائف، وتحت هذه الطوائف طوائف كثيرة متفرعة عن هذه الطوائف، كما سيأتي الإشارة إليها بإذن الله جل وعلى. قوله: ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل. وأهل التخييل، التخييل مأخوذ من الخيال، ومعناه الشيء الذي لا حقيقة وراءه، وإنما هو عبارة عن خيالات وأمور لا حقيقة لها في الواقع. قال: فأهل التخييل هم المتفلسفة، أي هم من أهل التخييل. ثم قال: ومن سلك سبيلهم، فقولهم: ومن سلك سبيلهم، إشارة إلى أنه سار على سيرهم. فرق سار على سيرهم، والأصل أن هذه الشبهة وهذه البدعة وهذا الانحراف أصله من الفلاسفة، ثم تفرع عن هذا الانحراف أن أخذ ناس بعقيدة هؤلاء وبقول هؤلاء. قال: هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم، والمتكلم في عرفهم من كان معروفا مشغولا بعلم الكلام. كل هؤلاء من المتكلمين، وكلهم سار بسير الفلاسفة في بعض ذلك، وإن كان بعضهم أحسن وأقرب إلى الحق من بعض. قوله: هو متصوف، والمتصوف مأخوذ من التصوف، والتصوف في عرف المتقدمين كان يطلق على الزهاد المتعبدين. أما المتأخرون من الصوفية، فهم يزعمون أنهم سائرون على سير أولئك، ولكن بين متصوفة المتقدمين والمتأخرين الفرق الكبير والبون الشاسع. نعم، كان عند بعض المتقدمين بعض الشطحات التي كان يعبر عنها السلف رحمهم الله تعالی. قال: فإنهم يقولون: إنما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، أي ليس له حقيقة في الواقع، وإنما هي خيالات يتصورها ويتخيلها الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم يخبر بها العامة كأنها شيء حقيقي واقع. قالوا: وتخييل الحقائق لماذا؟ قالوا: لينتفع به الجمهور، أي عامة الناس. قالوا: لا لأنه بيّن به الحق، ولا هدى به الخلق، ولا أوضح به الحقائق. قالوا: لأنه لو لم يستخدم هذه الطريقة لم استجاب إليه جمهور الناس، ولا عامة الناس. ثم هم على قسمين: منهم من يقول: إن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه، ويقولون: إن من الفلاسفة الإلهية من علمها. وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم أولياء من علمها. ويزعمون أن من الفلاسفة أو الأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين. وهذه مقالة غلات الملحدين من الفلاسفة والباطنية، باطنية الشيعة وباطنية الصوفية، وكلاهما قول باطل وكفري. لأن معنى هذا أنهم يزعمون بهذا الأمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعلم الحقائق على ما هي عليه. قال رحمه الله: ومنهم من يقول: بل الرسول علمها، لكن لم يبينها، وإنما تكلم بما يناقضها، وأراد من الخلق فهم ما يناقضها، لأن مصلحة الخلق بهذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق. ويقول هؤلاء: يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التكسيه مع أنه باطل، وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل. قال: وأما الأعمال، فمنهم من يقرها، ومنهم من يجريها هذا المجرى، ويقول: إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض، ويؤمر بها العامة دون الخاصة. فهذه طريقة الباطنية الملاحدة والإسماعيلية ونحوهم. وفي هذا إشارة من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إلى أن الباطنية على قسمين: باطنية في العلميات، وباطنية في العمليات. قال رحمه الله: وأما أهل التأويل، يقولون: إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني، ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دلهم عليها. ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف النصوص عن مدلولها ومقصود امتحانهم وتكليفهم. ويتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرفوا الحق من غير جهته. وهذا قول المتكلمة الجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك. قال رحمه الله: لكن أولئك الفلاسفة ألزموا الجهمية ومن نحا نحوهم في نصوص المعاد، مع أن الملاحدة أقوى وأظهر أن هؤلاء مع إلحادهم إلا أنهم غالبوا وألزموا الجهمية ومن نحا نحوهم في هذا الباب. قال: وأهل السنة يقولون لهم: ونحن نعلم بالإضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد. فإما أن ترجعوا عن قولكم في الملاحدة الفلاسفة، وإما أن تقروا لأهل السنة والجماعة. قال رحمه الله: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول ونظروه عليه، بخلاف الصفات، فإنه لم ينكر شيئا منها أحد من العرب. فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد ليس بأعظم من إنكار الصفات. قال رحمه الله: وأما الصنف الثالث، وهم أهل التجهيل، وهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف، يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعرف معاني ما أنزل الله إليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معاني الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك. وكذلك قولهم في أحاديث الصفات: إن معناها لا يعلمه إلا الله، مع أن الرسول تكلم بها ابتداء، فعلى قولهم: تكلم بكلام لا يعرف معناه. وهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. قال: فإن وقف أكثر السلف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، وهو وقف صحيح. ثم فرقوا بين معنى الكلام وتفسيره، وبين التأويل الذي انفرد الله تعالى بعلمه. وظنوا أن التأويل في كلام الله تعالى هو التأويل المذكور في كلام المتعشرين، وغلطوا في ذلك. قال رحمه الله: فإن لفظ التأويل يراد به ثلاثة معان، والتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك. فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهرة تأويلا على اصطلاح هؤلاء. قال: ثم كثير من هؤلاء يقولون: تجري على ظاهرها، فظاهرها مراد، مع قولهم: إن لها تأويلا بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله. وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.