شرح الفتوى الحموية 17

الدرس في شرح الفتوى الحموية 17، ألقاها

مذهب أهل السنة في الصفات الإلهية

يناقش مذهب أهل السنة والجماعة في الصفات الإلهية، حيث يُؤكد على حمل النصوص على ظاهرها دون تأويل أو تشبيه. يُستشهد بقول القاضي أبي يعلى والأشعري في إثبات الصفات لله تعالى.

عقيدة السلف في أسماء الله وصفاته

يشرح اعتقاد السلف الصالح في أسماء الله وصفاته والإيمان، ويبين أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. يُؤكد على رؤية المؤمنين لله يوم القيامة دون الكافرين.

موقف أهل السنة من الجدل والبدع

يناقش موقف أهل السنة والجماعة من الجدل والمراء في الدين، ويحذر من الدعاة إلى البدع. يشجع على قراءة القرآن وكتابة الآثار والتواضع وحسن الخلق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل: لا يجوز رد هذه الأخبار ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله لا تشبه بسائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة. وذكر بعض كلام الزهري ومجاهد ومالك والثوري والأوزاعي والليث وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن عيينة والفضيل بن عياض ووكيع وعبد الرحمن بن مهدي وأسود بن سالم وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد ومحمد بن جريج الطبري وغيرهم في هذا الباب، وفي حكاية ألفاظهم طول، إلى أن قال: ويدل على إبطال التأويل أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغا لكانوا إليه أسبق؛ لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد: قوله رحمه الله تعالى: وقال القاضي أبو يعلى، القاضي أبو يعلى الحنبلي الإمام المشهور من كبار حنابلة، وكتابه «إبطال التأويل» كتاب جيد باعتبار ما فيه من مسائل العلم والنقول عن الأئمة، إلا أنه رحمه الله تعالى فيه بعض الهفوات. رحمه الله تعالى، ولكن كما سمعتم وذكرنا مرارا أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ينقل عن هؤلاء الأئمة ما نقلوه من الأقوال الموافقة لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من مسألة الإقرار والإمرار، وأن الواجب الأخذ بالنصوص على ظواهرها، وأن لا يتشاغل الإنسان بتأويلها وإخراجها عن ظاهرها أو بالسعي والبحث والكشف عن الكيفيات. وهذا مذهب الأئمة قاطبة كما ذكر معنا مرارا، وهذا نقل عن أبي يعلى يدل على هذا المعنى. لذا قال: ويدل على إبطال التأويل أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفوها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغا لكانوا أسبق إليه؛ لماذا؟ لأنهم هم السباقون لكل خير ولكل فضيلة ولكل منقبة ولكل أمر من أمور الدين، فما كان في زمنهم دين فهو الدين، وما لم يكن في زمنهم دينا فليس من دين الله جل وعلا في شيء. لذا قال: فلو كان التأويل سائغا لكانوا أسبق إليه؛ لما فيه من إزالة تشبيه ورفع الشبهة، لكن لم يكن ذلك، بل أبقوا النصوص على ظاهرها والألفاظ على ظاهرها، يدل على أن النصوص على ظاهرها هو المراد، وهو الواجب على كل مسلم أن يأخذ به، وأن لا يتشاغل بغيره من أنواع التأويل والتعطيل. قال رحمه الله: وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتكلم صاحب الطريقة المنسوبة إليه في الكلام، في كتابه الذي صنفه في اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين -يعني المشهور بكتاب «مقالات الإسلاميين» مشهور اليوم مطبوع بعنوان «مقالات الإسلاميين»- وأبو الحسن معروف تنسب إليه الأشعرية، ينسبون إلى أبي الحسن الأشعري. وقول الشيخ رحمه الله -أو شيخ الإسلام رحمه الله- المتكلم صاحب الطريقة، الطريقة المنسوبة إليه في الكلام -يعني طريقة منسوبة إليه في الكلام- وهذا يدلنا على أنها طريقة ليست طريقة مأخوذة عن الكتاب والسنة وعن سلف الأمة، وإنما هي مأخوذة عن هذا الرجل، وهو متكلم، أبو الحسن الأشعري رحمه الله مكث أربعين سنة على الاعتزال، ثم من الله جل وعلا عليه بأن أنقذه من ذلك، ولكنه ارتمى مرة أخرى إلى طريقة ابن كلاب، ومكث فيها ما شاء الله أن يمكث، ثم بعد ذلك أفاق، فأراد الله به خيرا فعاد ورجع إلى مذهب السنة وإلى مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وكان هذا آخر مراحله، وهي المرحلة التي مات عليها رحمه الله تعالى، كما ذكر ذلك غير واحد ممن ذكر وألف في ترجمته. قال رحمه الله: ذكر فرق الروافض والخوارج والمرجئة والمعتزلة وغيرهم، ثم قال: مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث. جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاء عن الله، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يردون شيئا من ذلك. وإن الله واحد أحد فرد صمد لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وإن محمدا عبده ورسوله، وإن الجنة حق والنار حق، وإن الساعة آتية لا ريب فيها، وإن الله يبعث من في القبور. وإن ... إلى آخره. ثم قال: مقالة قول أصحاب الحديث: الإقرار وما رواه الثقات، وأن الله واحد أحد فرد صمد لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله على عرشه كما قال تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، وأن له يدين بلا كيف كما قال تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾، وكما قال تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، وأن له عينين بلا كيف كما قال تعالى: ﴿تجري بأعيننا﴾، وأن له وجها كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وأن أسماء الله تعالى لا يقال: إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج. وأقروا أن لله علما كما قال تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾. وأثبتوا له السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة. وأثبتوا لله القوة كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾. وذكر مذهبهم في القدر. قوله رحمه الله تعالى: وأن أسماء الله تعالى لا يقال: إنها غير الله، كما تقدم معنا أن هذا اللفظ من الألفاظ المجملة، هذا اللفظ أي: هل أسماء الله جل وعلا هي الله أو هي غيره؟ تقدم معنا أن الألفاظ المجملة القاعدة عند أهل السنة والجماعة أنهم يستفصلون فيها، فيثبتون المعنى الحق، ويردون المعنى الباطل. فأسماء الله جل وعلا إن قصد بها أنها غير الله، وأرادوا بذلك أنها غير الذات الإلهية -غير الذات الإلهية- نعم، أسماء الله غير الذات الإلهية؛ لأن الأسماء للمسمى. أما إذا أرادوا: أن أسماء الله غير الله، وأرادوا بالله جل وعلا الله الجليل العظيم بأسمائه وصفاته، فهذا المعنى غير صحيح، هذا المعنى غير صحيح كما تقدم معنا الكلام على هذا في شرح الطحاوية عند الكلام على لفظ «الغير». فإذن قوله رحمه الله: وأن أسماء الله تعالى يقال: إنها غير الله -أنها غير الله- هذا فيه إجمال، ولكن أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى لما ذكر هذا الأمر ذكره بناء على أن المعتزلة كانوا يقولون: بأن أسماء الله أسماء الله غير الله، ويريدون بذلك أن ما كان غير الله فهو مخلوق، فتوصلوا بذلك إلى أن أسماء الله مخلوقة، وأن القرآن مخلوق. واضح. قال: ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. والكلام في اللفظ والوقوف، فمن قال باللفظ -من قال باللفظ- وفي الوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق. ويقرون -يعني هذه المسألة كذلك مرت معنا إشارة إليها- وهي أن القرآن القرآن كلام الله جل وعلا، والكلام في اللفظ أي: هل لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق؟ هل مقصود الكلام في اللفظ؟ وتقدم أن هذا من الألفاظ كذلك مجملة؛ لأن لو قال الإنسان: لفظي بالقرآن مخلوق، قد يقصد باللفظ الملفوظ -واضحة- قد يقصد باللفظ اللفظ الذي هو المصدر، ويقصد به كذلك الملفوظ الذي هو كتاب الله جل وعلا المقروء المتلو المكتوب، فيكون قوله: مخلوق لفظي بالقرآن مخلوق، أراد لفظه، وأراد كلام الله -واضح- يكون فيه إثبات مخلوق، إثبات أن كلام الله مخلوق، وهذا قول من قول المعتزلة -واضحة-. وإن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، لفظي بالقرآن غير مخلوق -كذلك لفظي لفظ- هذا قد يراد به المصدر على بابه، وقد يراد به الملفوظ، أي ملفوظي ومقروئي غير مخلوق، فهذا يصدق على القرآن أنه غير مخلوق، لكن على أفعاله بأنها غير مخلوقة -واضح- يكون وقع في قول من القدرية، وأن أفعاله غير مخلوقة. قال الله جل وعلا: ... إذن كلا اللفظين في الإثبات والنفي، إطلاق الإثبات خطأ، وإطلاق النفي كذلك خطأ، بل كما نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى بأن قال: أن من قال: بأن لفظي بالقرآن مخلوق قال: فهو جهمي، ومن قال: ليس بمخلوق فهو مبتدع؛ لماذا؟ لأنه لفظ مجمل، والحق والصواب أن يستفصل، فيقال: لفظي بالقرآن مخلوق، اللفظ قد يطلق ويراد به المصدر الذي هو اللفظ، فهذا بهذا المعاني نعم، اللفظ مخلوق؛ أي لفظي الذي هو من فعل المخلوق فهو مخلوق، قراءة مخلوقة، كتابة مخلوقة، وهكذا. وإن أراد به الملفوظ المقروء المكتوب فهو من كلام الله جل وعلا، هو من كلام الله جل وعلا، وكلام الله جل وعلا ليس بمخلوق. وقوله: هو الوقف، معنى الوقف التوقف، معنى الوقف إما أن يقصد بالتوقف التوقف في القرآن: هل هو مخلوق أم لا؟ لأنه ظهرت طائفة في زمان الإمام أحمد وغيره، لما كان الجهمية يقولون: بأن القرآن مخلوق، قام عليهم الأمر، فقالوا: من قال بالقرآن -من قال: إن القرآن مخلوق- فهو كافر، جاءت فرقة وسط ثالثة، ماذا قالوا؟ قالوا: نحن نتوقف في هذا الأمر، نحن نتوقف في ماذا؟ في هذا الأمر. فقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره: الواقفة أشد علينا وأشر من الجهمية؛ أشد علينا من الجهمية وأشر من الجهمية؛ لماذا؟ أشر من الجهمية؛ لأنهم ملبسون؛ لأن حقيقة قولهم هو قول من قول جهمية، ولكنهم ملبسون؛ لأن الإنسان إذا قال: متوقف، يأتي إلى آخر يقول: ما أدري أن نحكم عليه بحكم هو متوقف، لكن حقيقة أمره ماذا؟ يقول: بأن القرآن ليس من كلام الله، أنا متوقف: هل هو من كلام الله؟ أنا متوقف: هل هو مخلوق؟ يقول: أنا متوقف -واضح-. فكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره من الأئمة يقول: واقفة شر من الجهمية، شر من الجهمية، والأمر كذلك في اللفظ والملفوظ كذلك -واضح-. يعني اللفظ والملفوظ إن كان من هذا الصنف يقول: أنا لا أقول كذا ولا كذا، توقف. إن كان توقفه بسبب عدم ظهور المسألة له، كان معروفا من علماء السنة والخير، فالأمر فيه واضح، توقف؛ لأن المسألة أشكلت عليه. أما إن كان معروفا بأنه من أذناب الجهمية ونحوهم، فهذا لا يحسن الظن به. قال رحمه الله: ويقرون أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون؛ لأنهم عن الله محجوبون، على الله عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. وهذا هو الصحيح، وهذا هو الصحيح في المسألة، بل نقل الإجماع -إجماع القرون الثلاثة- على أن الكفار لا يرون ربهم جل وعلا، وإنما ظهر الخلاف كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد القرن الثالث، ظهر الخلاف في مسألة الكفار: هل يرون ربهم أم لا؟ ظهر بعد القرن الثالث. أما قبل القرن الثالث فالعلماء متفقون على أن الكفار لا يرون ربهم جل وعلا. قال رحمه الله: وذكر قولهم في الإسلام والإيمان والحوض والشفاعة، وأشياء إلى أن قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ولا يقولون: مخلوق، ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار. قوله: ولا يقولون مخلوق، تقدم الكلام على هذه الفقرة أيضا، وأنه من الألفاظ المجملة -واضح-؛ لأنه قد يراد مخلوق -مخلوق- يراد العمل، عمل العامل -واضح- هو عمل الذي يعمله الإنسان من فعله هو مخلوق. وقد يراد به أمور الإيمان: لا إله إلا الله، القرآن، أسماء الله -واضح- فإذا لا يطلق في هذا النفي أو الإثبات، بل يستفصل. إن أريد بأنه مخلوق والمراد بذلك لا إله إلا الله، والمراد بذلك أسماء الله وصفاته، فهذا ليس بصواب، بل القرآن ليس بمخلوق، لا إله إلا الله ليست مخلوقة، وما شابه ذلك، أسماء الله وصفاته والقرآن ليست بمخلوقة. وإن أريد وقصد بالمخلوق أنهم أفعالهم فماذا؟ فهي مخلوقة؛ أي أفعالهم التي يفعلون بها الإيمان، من مثلا صلاة، سجود وركوع، وصيام، وجهاد، وما شابه ذلك من أعمال الإيمان. قال رحمه الله: إلى أن قال: وينكرون الجدل والمراء في الدين والخصومة فيه والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل. قلت: قرأت: ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر. قال: وينكرون الجدل والمراء في الدين والخصومة فيه والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل، ويتنازعون فيه من دينهم، ويسلمون للروايات الصحيحة، ولما جاءت به الآثار التي جاءت بها الثقات عدلا عن عدل، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يقولون: كيف ولا لما؛ لأن ذلك بدعة -إلى أن قال- يعني بدعة عنهم، ما فيتعين عندك. قوله رحمه الله تعالى: لا يقولون كيف، أي: كيف صفات الله جل وعلا؟ كيف أسماء الله جل وعلا؟ كيف الجنة؟ كيف النار؟ إلى غير ذلك. ولا يقولون لما في باب القضاء والقدر، في باب القضاء والقدر: لماذا أعز الله فلانا وأذل فلانا؟ لماذا أغنى الله فلانا وأفقر فلانا؟ لماذا جعل الله جل وعلا فلانا مؤمنا وجعل فلانا كافرا؟ لماذا جعل فلانا رسولا وجعل فلانا عدوا؟ إلى غير ذلك من الأمور، لا يقال في باب القضاء والقدر: لماذا؟ لا يقال: لما؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، الله جل وعلا لا يسأل، الله جل وعلا هو الملك جل وعلا، يفعل في ملكه ويتصر في ملكه كيف شاء جل وعلا، فكيف يأتي إنسان ضعيف يسأل ربه جل وعلا: لما فعل كذا؟ هذا سوء أدب مع الله جل وعلا. وكما ذكره: ومن البدع؛ لأن الله جل وعلا لا يفعل الشر إلا لحكمة عظيمة جليلة. وقد مرت معنا بعض الحكم والتنبيه عليها فيما مر معنا في شرح الطحاوية: أن الله جل وعلا يفعل ما يفعل لا للشر المحض، أفعاله كلها خير. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والخير بيديك والشر ليس إليك»، فهو يفعل ما يفعل جل وعلا لحكمة -لحكم عظيمة جليلة- علمها الموفقون فخضعوا لحكمة الله جل وعلا وآمنوا بربهم جل وعلا وعظموه، وعلموا أنه لا يفعل شيئا إلا لحكمة علموها أم جهلوها. وفي المقابل جهل هذه الحكمة أو الحكم أناس فعارضوا واعترضوا على الله -على الله جل وعلا-. فإذن لا يقال: كيف، ولا يقال كذلك: لما. وقوله رحمه الله تعالى: وينكرون الجدل والمراء في الدين والخصومة والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل، ويتنازعون فيه من دينهم -إلى آخر كلامه- أي: الجدل الباطل، الجدل الباطل. أهل السنة والجماعة أبعد الناس عن ذلك الجدل -يعني الجدل عن الحق وبالباطل- أما الجدل -يعني الجدل- الجدل لبيان الحق وإظهار الحق وإعلاء منارة الحق لمن كان قادرا عالما دانيا، فلا بأس بذلك بشروطه. قال رحمه الله: إلى أن قال: ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. تقدم معنا أن في هذه الآية قولان -أن في هذه الآية لأهل العلم- يعني فيها قولان لأهل العلم. وأن الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن المراد بالقرب ها هنا قرب الملائكة. قال رحمه الله: إلى أن قال: لكن الآية الأخرى تدل على هذا، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. قال رحمه الله: إلى أن قال: ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة والتشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار. ويرون مجانبة كل داع إلى بدعته، هذا مما يدعو إليه أهل السنة والجماعة، يدعون إلى مجانبة -ما معنى المجانبة؟- أي البعد، المجانبة من الجنب، أي التجنب. ومعناها البعد والنفور والخلاص من أهل الأهواء والبدع؛ لماذا؟ لأن صحبتهم ممرضة، بل مميتة للعبد. وكما قيل: «ليس من مات فاستراح بميت، ولكن الميت ميت الأحياء» -أي ميت بالأهواء والبدع- قلبه مظلم، لا يرى الحق، وإنما يرى الباطل. والعلماء رحمهم الله تعالى بعضهم يقيدون كل داع إلى بدعة لشره -أي يقيدون الحذر والنفور من الداعي إلى البدعة- الداعي، أما غير الداعي فربما خفف من أمرهم، وذلك أمر نسبي، وذلك أمر نسبي؛ إذ أن الداعي شره أشد. ورب إنسان لا يظهر بالدعوة، والمقصود بالداعي إلى البدعة الذي يظهر بدعته ويدعو إليها جاهرا، إما بالحجج والبراهين القولية أو المكتوبة أو ما شابه ذلك، أو المناظرات والتنظير، هذا يعد داعيا. وما عدا ذلك يعد ليس من الداعين، ولكن العلماء يحذرون وينفرون من مجالسة المبتدعة بشتى أنواعهم وألوانهم، ولا سيما الداعي -الداعي- منهم أشد؛ لماذا؟ لأنهم دعاة إلى الشر. وكما جاء في الحديث: «الدعاة إلى أبواب جهنم، من أطاعهم قذفوه فيها». والناس في ذلك ألوان، منهم من يظهر بحجة الغيرة والحرص على السنة، وآخرون بحجة المرونة واللين والرحمة، وأن دعوتنا رحمة، دعوة واسعة، دعوة معتدلة، وما أشبه ذلك. هذه كانت موجودة في الأزمان السابقة، كانت موجودة: الخوارج غلوا، المعتزلة غلوا، وفي المقابل ماذا؟ الجبرية ومن كان على شاكلتهم ماذا؟ أهل تمييع. وما زال إلى زماننا هذا، نجده من الناس ممن كان منتسبا إلى السنة، إلى زمان قريب. منهم من انحرف عن الطريق فاتجه اتجاه التشدد والغلو والطعن في كل من هب ودب، وآخر إلى الطريق المنهج الأفيح الفسيح الذي يسع الأمة. والكل باطل، والحق وسط بين هؤلاء وبين هؤلاء. والمجانبة لهؤلاء ولهؤلاء مطلوبة؛ لأن كلا الفريقين يبعدك عن الحق ويبعدك عن طريقه ويبعدك عن الله رب العالمين جل وعلا. وينبغي للإنسان أن يسير إلى الله جل وعلا على ما سار عليه السلف الصالح والأئمة في كل زمن ومكان، ممن كان يسير على سيرهم رحمهم الله. وكما قال ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: «اقتدوا بمن مات؛ لماذا؟ قال: فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة» -واضحة- نقتدي بأئمة رحمهم الله، سواء كان في هذا الزمان الذين ماتوا على الاستقامة والصالح والدعوة إلى الله على منهج السلف الصالح. ونحذر ممن يزخر في القول يمنة ويسره، ويدعو إلى سبيل لا إلى سبيل الله جل وعلا. قال رحمه الله: ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة والتشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار والنظر في الفقه، مع الاستكانة والتواضع وحسن الخلق، وبدل المعروف وكف الأذى وترك الغيبة والنميمة والسعاية وتفقد المآكل والمشارب. فهذه جملة، وترك الغيبة والنميمة معروف، لكن كما يقال: ومن الغيبة ما هو مشروع، وهي ما ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، وهي ستة، ذكرها الإمام النووي وغيره، ونقل عليها الإجماع، نقل عليها الإجماع، منها: بيان سبيل المبطلين، هذا من الغيبة، إما أن يقال: إنه من الغيبة المشروعة، وإما أن يقال: بأنه ليس من الغيبة؛ لأنه مشروع.

شاركنا على