لزوم الجماعة

لزوم الجماعة

الخطبة بعنوان لزوم الجماعة، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 14 جمادى الآخر 1447هـ الموافق 5 ديسمبر 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

لزوم الجماعة وأهميته في الإسلام

يُشدد على أهمية لزوم الجماعة كأحد الخصال التي تعزز المحبة والتعاون بين المسلمين وتطهر القلوب من الغل والغش. يُستدل على ذلك من القرآن الكريم.

التحذير من الفرقة وأهمية الطاعة للإمامة

يُبين أهمية الجماعة والتحذير من الفرقة مستندًا إلى أحاديث نبوية وتفاسير شرعية، ويشدد على ضرورة الاجتماع خلف الإمام والطاعة له.

لزوم جماعة المسلمين وإمامهم كصمام أمان

يُوضح أن لزوم الجماعة يعتبر صمام أمان من الفتن والمحن، ويحذر من مخالفة الجماعة وإثارة الفتن، ويُبين أهمية ثلاث خصال: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة.

دعاء بالخير والحماية للبلاد المسلمة

دعاء الله أن يوفق بلاد المسلمين للخير ويحميها من الشر، وأن يرد كيد من أرادها بسوء إلى نحره ويحبط تدبيره، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

  • 15 جمادى الآخرة 1447هـ - 05/12/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من الأحاديث المهمة التي ينبغي أن يعتني بها كل مسلم ومسلمة، بأن يلقي لها بالًا وعناية وأهمية، وخاصة في هذه الأعصار والأزمنة، ما جاء في كتب السنة في مسند أحمد وابن ماجة عن جمع من أهل الصحبة عن أنس وزيد وجابر وأبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم أبدًا: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم». فهذا الحديث من الأحاديث المهمة في دواوين كتب السنة، قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: لم يقع خلل في دين الناس ودنياهم إلا بالإخلال في هذه الثلاث أو في بعضها. ومن هنا كان من الضرورة بمكان العناية بهذا الحديث قدر الإمكان. «ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم أبدًا: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم». ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: «ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم»، لا يغل بالضم، أي أن صاحبها لا يحدث نفسه بالخيانة والغدر وبالترك لهذه الأمور الثلاث لعظيم قدرها. وجاء هذا الحديث بلفظ «لا يغل» بالفتح، بمعنى أن صاحبها لا يحمل في قلبه من الغل والحقد والكراهية والشر، متى ما اتصف بهذه الصفات الثلاث، فإن هذه الأمور من أعظم ما تستصلح بها القلوب، وينشرح لها الصدور، ويرفع الله عز وجل من أصحابها الغل والحقد والحسد والشرور. وأخص بالذكر في هذا المقام ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «ولزوم الجماعة». ولزوم الجماعة، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وأيضًا مما يطهر القلوب من الغل والغش لزوم الجماعة، فإن صاحبها للزومه لجماعة المسلمين يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويسوءه ما يسوءهم، ويسره ما يسرهم. قال: وهذا بخلاف من انحاز عنهم وانشغل بالطعن عليهم والذم فيهم. عباد الله، إن الحرص على التمسك بالجماعة لهو من أصول ديننا، ومن صميم عقيدتنا، ومن ثوابت منهجنا، فلا غرابة أن تتتابع الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على ضرورة التمسك بهذا الأصل الأصيل والركن الركين من دين الله القويم. يقول الله جل وعلا في محكم التنزيل: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾. قال عبد الله بن مسعود: حبل الله هي الجماعة، هي الجماعة. وثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه لا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، ولا تفرقوا، وأن تناصروا من ولاه الله أمركم». وجاء أيضًا في سنن الترمذي من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالجماعة، عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة». وجاء كذلك من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «الجماعة رحمة، والفرقة عذاب، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب». وثبت أيضًا في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». وثبت في سنن الترمذي من حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «وأنا آمركم بخمس: بالسمع والطاعة، والهجرة، والجهاد، والجماعة، والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه حتى يرجع». عباد الله، إن الأحاديث في هذا الباب والأدلة في هذا المضمار لكثيرة وكثيرة جدًا في بيان عظمة الجماعة وما ينبغي من الحرص عليها. وإن مما ينبغي التنويه عليه أن مفهوم الجماعة لا يقتصر ولا ينحصر في تعامل أفراد المجتمع فيما بينهم البين، لا، بل إن مفهوم الجماعة بمدلوله الشرعي إنما يكون باجتماع الناس مع إمامهم وأميرهم. قال الإمام الشاطبي رحمه الله: قال والحاصل أن الجماعة راجعة إلى اجتماع الناس مع الإمام، أن الجماعة وهي التي تترتب عليها الفضائل والمسائل والأحكام. وعن تميم الداري أن الناس في زمن عمر تطاولوا في البنيان، فخرج عليهم عمر قائلًا: الأرض الأرض، واعلموا أنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة. هكذا قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وإن من تأمل في أحاديث السنة يجد هذا المعنى وهذا المفهوم أن قوام الجماعة يكون بوضع اليد مع إمامهم وأميرهم. قال عليه الصلاة والسلام: «من نزع يدا من طاعة لم تكن له حجة يوم القيامة، ومن فارق الجماعة فإنه يموت كما يموت أهل الجاهلية». لأن من شأن أهل الجاهلية أنهم لا يعترفون بولاية ولا بإمارة ولا سلطنة. «من نزع يدا من طاعة لم تكن له حجة يوم القيامة، ومن فارق الجماعة فإنه يموت كما يموت أهل الجاهلية». وعن فضال بن عبيد رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا تسأل عنهم، وما سيصيبهم من العذاب والجزاء عند ربهم». ومن هؤلاء قال عليه الصلاة والسلام: «من فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيًا». وللأسف كم أكثر العصاة في هذه الأزمان ممن خالف الجماعة وخالف الإمام، ومع ذلك يرى أنه على أحسن الأحوال، والله المستعان. أقول قولي هذا وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فلنزن في هذا المقام مع هذا الحديث العظيم، والذي فيه يخبرنا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم عن ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مبينًا عظيم هذه الثلاث الخصال: فهذه الخصال تجمع أصول الدين وقواعده، وتجمع الحقوق التي هي لله والعباد، وبها تنتظم مصالح الدنيا والآخرة. وعلمنا مما مضى أن حقيقة الجماعة إنما تكون بالهيئة الاجتماعية من تكاتف الراعي مع الرعية. وعلمنا أيضًا من الأدلة الشرعية عظيم الفضائل التي جعلت في حق من استمسك بجماعة المسلمين. ولعل من أعظم فضائلها أن الجماعة اعتبر صمام أمان من الفتن، فإنه من احتمى بالجماعة سلمه الله من شر الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن. ويؤيد هذا المعنى ما جاء في الحديث الصحيح حين قال نبينا صلى الله عليه وسلم لحذيفة عما سيكون في آخر الزمان بظهور دعاة دعات على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قال حذيفة: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: «هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا». قال حذيفة: فما تأمرني يا رسول الله إن أدركني ذلك؟ قال عليه الصلاة والسلام: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». ما أوضحها من مقالة، وما أيسرها من عبارة، إلا أنها خفيت على كثير من الأنام والعامة. فكم من جماعات وفئات وأقوام خرجوا على جماعة الإسلام وبمخالفة الإمام بقصد الإصلاح وتيسير وتغيير المسار، سواء كانوا من أهل البدع والأهواء أو كانوا من أهل الدنيا والمناصب والأطماع. فكان خروجهم سببًا إلى الفساد والدمار، وإلى إثارة الفتن وإراقة الدماء، على خلاف ما يرجو. فما تحقق المراد. فمتى كان الخروج يومًا سببا من أسباب الإصلاح؟ قولوا لي بربكم: متى؟ فأوبق دينه ودنياه، وأهلك أولاه وأخراه، وجلب على البلاد والعباد ما لا تحمد عقباه. وإن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو نبي الأنام عليه الصلاة والسلام، قد توعد كل من سولت له نفسه بمخالفة جماعة أهل الإسلام وبالإضرار بها. قال عليه الصلاة والسلام: «من خرج عن الطاعة وخالف الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية أو ينصر لعصبية فقتل، فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه، ليس مني ولست منه». فاحذر -يا عبد الله- من مخالفة الجماعة بأي حال من الأحوال، سواء كان بالأقوال والأفعال أو كان بالسنان أو باللسان أو كان بإثارة الضغائن والأحقاد أو بنشر الأخبار والإشاعات، كل ذلك مؤدي إلى مخالفة جماعة المسلمين. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله جل في علاه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم ادفع عن بلادنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم أراد بلادنا وسائر بلاد المسلمين بخير توفيقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء، اللهم أشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه، يا رب العالمين. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم أجمعين.