الخطبة بعنوان الشتاء بين العبادة وسفك الدماء، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 6 رجب 1447هـ الموافق 26 ديسمبر 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن الأحكام الشرعية المتعلقة بالشتاء مثل إسباغ الوضوء والاغتسال والتيمم والمسح على الخفين. كما يشير إلى التخلف عن صلاة الجماعة في ظروف جوية قاسية.
يبرز أهمية الشتاء كونه موسمًا للعبادة لسهولة الصيام وقيام الليل بسبب قصر النهار وطول الليل. يشجع على اغتنام هذه الفرصة للتقرب إلى الله.
يحذر من المشاركة في احتفالات الكفار بأعيادهم ويبين حكم الشرع في ذلك. كما يشدد على أهمية الاستعداد للشتاء بأخذ الاحتياطات الصحية والتدفئة.
يتضمن دعاءً لله بحماية البلاد من الفتن الظاهرة والباطنة، ويطلب التوفيق لمن يريد الخير والابتعاد عن الشر.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن من حكمة الله جل وعلا في ملكوته وكونه، وفي مخلوقاته وخلقه، أن غاير بين الفصول، فجعلها أربعةً تدور تتعاقب فيما بينها على مدى العصور والعقود. وإن هذا التغاير بين الفصول لغاياتٍ حميدة ولمصالح جليلة، ففيها انتظام مصالح الخليقة وتوازن قوى مصادر الطبيعة، وقبل هذا وذاك، فهي آية من آيات البديعة التي تدل على مدى قدرته العظيمة جل في علاه، فتبارك الله أحسن الخالقين. ومن هذه الفصول الجليلة فصل الشتاء، والذي نحن وإياكم نتقلب فيه في هذه الأثناء، هو فصلٌ تميز بقصر نهاره وبطول ليله، وبرودة جوّه وبانخفاض درجة حرارته، وبنزول المطر أحيانًا في زمنه. ولما تميز به الشتاء من خصائص ومزايا، كانت له أحكام ومسائل ووصايا يجدر التنبيه لها في هذا المقام. فإن من أحكام فصل الشتاء ما يتعلق بالأحكام الشرعية، منها ما يتعلق بأحكام الطهارة. فليس الشتاء ذريعة يا عبد الله في أن تتساهل في استخدام الماء. قال عليه الصلاة والسلام: «المكفرات: إسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة». فقوله عليه الصلاة والسلام: «إسباغ الوضوء في السبرات»، أي الليالي الشاتية، فينبغي لكل عضو من أعضاء الوضوء أن يناله من التعميم من الماء ما ينبغي. ويدخل في هذا الباب الإغتسال، فإنه يجب على كل مسلم ومسلمة إذا جاءت موجباته. ولا بأس بأن الإنسان ينتقل من الإغتسال إلى التيمم، وذلك إذا خشي الضرر، فقد ثبت عن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه أنه قال: احتلمت ذات ليلة في ليلة باردة شاتية، فخشيت على نفسي من الهلاك إن اغتسلت، قال: فتيممت وصليت بأصحابي، ثم غدا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بفعله، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. لكن ينبغي أن نعلم أنه إذا أمكن تسخين الماء فهو مقدم على التيمم. وأيضًا مما يتعلق من أمر الطهارة في الشتاء ما كان من مشروعية المسح على الخفين للرجال والنساء على حد سواء، كما ثبت ذلك في السنة المتواترة الغراء، وأنها يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بليهن للمسافر، وأنه لا يشرع المسح على الخفين إلا بعد أن تدخلهما على طهارة. وأيضًا من أحكام الشتاء فيما يتعلق بأمر الصلاة، وذلك إذا تزامن معه ما يكون منه طول الأمطار النازلة وهبوب الرياح العاتية، فحينها يشرع التخلف عن صلاة الجماعة، أو أن ينادي المنادي «الصلاة في الرحال» أو «صلوا في رحالكم»، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المؤذن في ليلة باردة أو ذات مطر أن ينادي «ألا صلوا في الرحال». وأيضًا مما يشرع من الرخص في هذا الباب الجمع بين الصلاتين إذا رأى الإمام ذلك من باب دفع المشقة والحرج عن المصلين في الأوضاع القاسية، فيجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء إذا دعت الحاجة إلى ذلك. ومن أحكام الشتاء أيضًا أن نعلم أن هذا الفصل يعتبر موسمًا من مواسم العبادة والتعبد، حتى قال بعض السلف: «الشتاء غنيمة العابدين»، وذلك لما تمتع به هذا الفصل من قصر ساعات نهار أمكن الصوم بلا مشقة ولا كلفة، فكان في ذلك فرصة بأن يقبل أهل الصيام كمن عليه قضاء من رمضان أو في ذمته كفارات ونذور أن يعجل بها الآن، أو من أراد أن يستزيد لله بشريعة الصيام. فقد صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة». قال الشراح: أي الغنيمة السهلة. وأيضًا لطول ساعات ليل الشتاء، فإنه أمكن قيام الليل مع أخذ قصط كاف من النوم، وليتأتى هذا إلا في هذا الفصل. وقد ثبت عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: «إذا دخل الشتاء، يا أهل القرآن، يا أهل القرآن، طال الليل لصلاتكم، وقصر النهار لصيامكم، ألا فاغتنموا، ألا فاغتنموا». وأيضًا من الأعمال المشروعة في موسم الشتاء ما يكون من النفقة والصدقة، إذ أن الناس في مثل هذه الأيام هم بحاجة إلى الاستزادة بوسائل التدفئة وما يكون من الطعام والثياب، وكل ذلك يحتاج إلى نفقة. قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «فاعلموا أن للصدقة في أيام الحاجة وفي أيام الشتاء شأن عظيم». وأيضًا مما أذكر في هذا المقام مما ينبغي الحرص عليه من الأعمال، وخاصة أن الشتاء قد صادف الإجازة الفصلية التي يتفرغ فيها الطلاب، ما يكون من ضرورة اغتنام الأوقات بما ينفعهم في دينهم ودنياهم، من الإقبال على موائد القرآن، والإنكباب على حلقات الذكر والعلم، والالتحاق بالدورات العلمية، سواء كانت في المسائل الشرعية أو في علوم اللغة أو في سائر العلوم الدنيوية. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعمة مغبون فيها كثير من الناس: الصحة والفراغ». ومن أعظم صور الفراغ هذه الإجازات التي تنضي على أبنائنا. عباد الله، وإن مما أحب أن أنبه عليه أن هذا الترغيب الذي سمعتموه في الحث على الأعمال إنما هو اغتنامًا لهذا الفصل، فصل الشتاء، وليس لذلك مدخل في تعظيم رجب، والذي علينا دخل. فإن رجب هو شهر كباقي الشهور، ما تميز بعبادة من العبادات، ولا بطاعة من الطاعات، فما تميز بصلاة ولا صيام، ولا بذكر ولا بذبيحة، ولا أوراد. بل الذي عليه المحققون من العلماء أنه لم يثبت في رجب لا فضيلة ولا خصيصة سوى أنه من الأشهر الحرم الذي يُعظم القتال فيه، لعظمته عند ربه. قال جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾، أي أمر جسيم ومنكر عظيم أن يحدث القتال في الأشهر الحرم. هذا الشهر الذي كان تعظمه أهل الجاهلية حتى أسموه بالشهر الأصم، لأنه شهر كان أصم من سماع القتال فيه. قال أبو رجاء العطاردي: «كنا في جاهلية نعبد الحجر، فإذا رأينا غيره أفضل منه رمينا ذاك وعبدنا هذا، قال: فإذا دخل رجب قلنا: جاء منصل الأسنة، فلا ندع رمحًا عليه حديدًا ولا سهمًا عليه حديد إلا ونزعناه وألقيناه». فيا سبحان الله، هذا أهل الجاهلية وهم في جاهلية، يعظمون رجب، فما ظنكم يا أهل الإسلام؟ فأين الإجلال والإعظام لما أمر الله جل وعلا بتعظيمه؟ فها هي الدماء تسفك، وها هي الأرواح تزهق، وها هو السلاح يرفع، فإلى الله المشتكى. أقول قولي هذا وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، لازِم في هذا المقام في استذكار أهم المسائل والأحكام والتي يحتاجها الأنام في هذا الفصل بالذات، فصل الشتاء. وقد مضت معنا ما يتعلق ببعض الأحكام الشرعية. وأيضًا مما يضاف من الأحكام الدنيوية في هذا الفصل ما ينبغي من أخذ الحذر والحيطة من الأمراض والأسقام والأوبئة والتي تنتشر في مثل هذه الأوقات والأزمنة، كنزلات البرد والسعال والخميات وأمراض الصدر والالتهابات. فإنه كما ذكر العلماء الأثبات، فإن فصل الشتاء من الفصول التي تنضج بها الأمراض والطواعين المهلكات. فعن سليم بن عامر قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «إن الشتاء قد حضر، وهو عدو، فتأهبوا له أهبته بالصوف والخفاف والجوارب، واتخذوا الصوف شعارًا وذعارًا، فإن البرد عدو سريع دخول، بعيد خروج». ومن هنا ينبغي الاستعداد باتخاذ وسائل التدفئة من آلات وثياب وأطعمة، وذلك خاصة للأطفال والضعفاء والعجزة. وأخيرًا مما أذكره في هذا المقام أنه في مثل هذه الأيام قد بدأت الاحتفالات بميلاد المسيح عيسى عليه السلام عند النصارى، عباد الصليب، فلا زالت تستمر الاحتفالات حتى تاريخ واحد فيكون الاحتفال برأس السنة الميلادية، فيقوم الكفار بإظهار الحفلات والمهرجانات، والتي فيها الانغماس في الفواحش والمنكرات، والانغماس في العقائد الباطلة والشركيات. فلا غرابة، فإن أعياد المشركين في كل زمان كذلك، جمعوا بين الشهوات والشبهات الضالة. لكن مما يؤسف له أن نرى جماعة من أبناء التوحيد من يشاركون الكفار في احتفالاتهم ويباركونهم في هذا العيد المجيد على حد زعمهم. وإن هذا الفعل لهو من الحرمات، أن يكون من التشبه بالكافرين والكافرات في أخص مناسباتهم، وما فيه تأييد لباطلهم. ومع هذا كله، ففيه أيضًا مدى ضعف أمتنا والتقليد والتبعية لأعداء ملتنا. فها هم الكفار لا يحتفلون بأعيادنا، فعلى ما نحتفل بأعيادهم؟ ألنا الدنية أم لهم؟ وإن الذي عليه أهل العلم من العلماء على أن عيسى عليه السلام لم يولد في الشتاء كما يدعي النصارى أهل الافتراء، بل ظاهر القرآن ويؤيد ذلك نصوص عندهم في الإنجيل على أن عيسى عليه السلام لم يولد في الشتاء. وفي كلام ربنا عز وجل أنه قال: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾، والرطب لا يكون في الشتاء أبدًا. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم ادفع عن بلادنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم من أراد بلادنا وسائر بلاد المسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء، اللهم أشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه، يا رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.