المحاضرة بعنوان عناية السلف بالعلم عند الكبر، والتي كانت في افتتاح الدورة العلمية الثالثة والعشرين بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 4 ذو القعدة 1446هـ الموافق 2 مايو 2025م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد المقطع أن التعلم في الصغر أقوى للحفظ، لكن لا ينبغي للكبار أن ييأسوا من طلب العلم؛ فقد تعلم كثير من الصحابة وهم كبار، وأبرزهم أبو بكر الصديق الذي أسلم قرب الأربعين وصار أعلم الصحابة، ويستشهد الإمام البخاري بقول عمر: «تعلموا قبل أن تسودوا»، ويضيف: «وبعد أن تسودوا».
يبرز المقطع حرص أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم وطلب العلم، ويذكر حديث الكأس الذي يرمز للعلم الذي ناله عمر، كما يستعرض أمثلة من السلف كصالح بن كيسان والفضيل بن عياض الذين بدأوا طلب العلم في سن متقدمة وبلغوا مراتب عالية في العلم والزهد.
يسرد المقطع أمثلة لعلماء كبار مثل مالك بن دينار والكسائي والقفال الشاشي وابن حزم الذين بدأوا التعلم بعد الأربعين، فبلغوا مراتب الإمامة بالاجتهاد والعزيمة، ويؤكد أن المسلم لا ينبغي أن ييأس من طلب العلم مهما تأخر، وأن الاستماع للدروس والحرص على التلقي كافٍ لنيل حظ وافر من العلم.
يحث المقطع على عدم احتقار النفس أو اليأس من طلب العلم، مؤكداً أن الصدق والإخلاص يجلبان توفيق الله، ويختتم بالدعاء بأن يجعل الله المتعلم منارة للعلم والعمل وهداة مهتدياً غير ضال ولا مضل.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد سمعنا خيراً كثيراً عظيماً في العلم، وفي تعليم الأبناء، وحث الآباء أبناءهم على العلم، وكذلك حث الأبناء والشباب أنفسهم على هذا العلم، فهو خير عظيم كما قد سمعتم، حفظكم الله تعالى. وإن كان لا شك أن الذي يتعلم وهو صغير يحفظ أكثر، ويثبت العلم فيه أكثر، هذا الأمر المستقر، كما قال قتادة بن دعامة رحمه الله: «العلم في الصغر كالنقش في الحجر، والعلم في الكبر كالنقش في المدر». لكن هذا في الحفظ، في حفظ العلم وثباته. لكن من تأمل في أمر سلفنا الصالح يرى أنهم كانوا يحرصون على العلم حتى وهم كبار، والمقصود أن الإنسان لا يقول: قد فاتني القطار، أو كذا من هذا الكلام الذي يعتذر منه الكبار فيتركون العلم. فهذه الدورة فرصة عظيمة للصغار وللكبار يتعلمون علم الكتاب والسنة، فلا يحرم العبد نفسه على أنه من الكبار، وأنه قد بلغ كذا وكذا من العمر. فالمتأمل في مواقف السلف وتعلمهم سيجد أن هناك ثلة كبيرة من السلف إنما تعلموا وهم كبار، وصاروا قادة وقدوة في العلم. ولهذا كان أقرب مثال يتأمله الإنسان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كانوا أو تعلموا وهم كبار، تعلموا وهم كبار، قد بلغ أحدهم فوق الأربعين. ولهذا لما ذكر الإمام البخاري رحمه الله في كتاب العلم في باب الاغتباط بالعلم: «وقال عمر: تعلموا قبل أن تسودوا»، قبل أن تسودوا تكونون أسياداً ورؤساء. قال أبو عبد الله الإمام البخاري: لما ذكر هذا الأثر قال أبو عبد الله: «وبعد أن تسودوا، فقد تعلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهم كبار». فقد تعلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهم كبار، فل هذا: قبل أن تسودوا وبعد أن تسودوا. هذا الصديق رضي الله تعالى عنه، متى تعلم؟ أسلم قرب الأربعين، أسلم قرب الأربعين، ولزم النبي عليه الصلاة والسلام، وخاصة في المدينة أكثر، فتعلم علماً عظيماً، فكان أعلم الصحابة، كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم بإجماع العلماء: أن أعلم الصحابة هو أبو بكر الصديق، أعلم الصحابة، مع أنه تعلم وهو كبير، وعرف أشياء عظيمة. قال أبو سعيد: «وكان أبو بكر أعلمنا، أعلمنا بحال رسول الله، وكذلك بعلم رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم أيضاً». كذلك عمر رضي الله تعالى عنه، عمر الخطاب، لما أسلم على القول المشهور، وكان سنه ثلاثة وثلاثون سنة، لكنه اكتسب علماً عظيماً من رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، كان حريصاً على العلم، على مجالس رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، حتى أنه لما احتاج إلى التناوب كان يتناوب مع الأنصاري الذي يعمل معه، يوم يذهب الأنصاري ويأتي بما سمع من رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، ويوم يذهب عمر ويأتي بما سمع من رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، حتى اكتسب علماً كثيراً عظيماً. حتى جاء في صحيح البخاري في حديث عبد الله بن عمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أريت في النوم أن معي كأساً من لبن فشربت منه، حتى رويت، حتى رأيت الري يجري في أظفاري». النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «كان معي كأس فيه لبن فشربت من هذا الكأس، قال: حتى رأيت هذا اللبن، الري، عن شبع، النبي صلى الله عليه وسلم روى من هذا الشراب اللبن، حتى قال: رأيته يجري على أظفار، قال: ثم أعطيته عمر، ثم أعطيته عمر فشرب». فقالوا: وما أولته يا رسول الله؟ قال: «العلم». قال: «العلم». أي أن عمر عنده علم كثير، أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام، فشرب من ذلك الكأس الذي هو كأس اللبن، وهو العلم. فهكذا أيها الإخوة الكرام، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تعلموا وهم كبار. كذلك أيضاً كثيراً من السلف تعلموا وهم كبار، أنه قد بلغوا الأربعين. بل ذكر الحاكم أبو عبد الله أن صالح بن كيسان التابعي، أنه تعلم وهو ابن ستين سنة، تعلم عن العلم، أخذ الأحاديث وسمع وهو ابن ستين سنة. وكذلك أيضاً هناك من تعلم وهو كبير، كان الفضيل بن عياض، وهو من خيرة العلماء وخيرة الفقهاء. الفضيل بن عياض كان شاطراً، قاطع طريق، يقطعوا على الناس الطريق، ثم هداه الله عز وجل، وتاب إلى الله جل وعلا، وصار من نجوم العلماء، من خيرة أهل العلم، ممن يذكر مع كبار العلماء والزهاد، كابن المبارك وسفيان الثوري وغيرهم من علماء الأمة. كذلك مالك بن دينار، كان يشرب الخمر ويفعل ويفعل، ثم تاب إلى الله وتعلم، وصار من أئمة الزاهدين، ومن أئمة أهل العلم. وانظروا أيضاً كذلك إلى الفقهاء، ففقهاء كثيرون من أهل المذاهب ومن غيرهم، من أئمة المذهب، تجد أنهم تعلموا وهم كبار، ولهم قصص كثيرة. فهذا الكسائي إمام النحو، كان تعلم وهو كبير، قيل أنه تعلم بعد الأربعين، تعلم بعد الأربعين. وكذلك الإمام أبو عبد الله المروزي، القفال الشاشي، إمام الشافعية، الذي قيل له: الشافعي الثالث، أيضاً كذلك تعلم بعد الأربعين، كما قال السمعاني، وهو أحد تلاميذه، وغيرهم من العلماء. ولو ذكرنا وسردنا لطال بنا المقام، لكن إنما هو من باب التذكير فقط، أن الإنسان لا ييأس، ولا أيضاً يائس نفسه من العلم، ويقول: قد فاتني القطار، أو كذا من هذه الكلمات التي تئس العبد، بل يحرص ويعزم، فإذا وجد الحرص ووجد العزم، فإنه يفعل العجائب. فلهذا تجد في قصص هؤلاء، تجد أنه أصابهم حدث، كان له موقف، فجعله يجتهد حتى يصير إماماً من أئمة العلم. الكسائي إمام النحو، إمام القراءة حمزة الزيات، أيضاً كذلك لما قرأ القرآن، فقال: «ألف لام ميم، ذلك الكتاب لا زيت فيه»، لأن كان القرآن ليس فيه نقاط، فقال: «لا زيت فيه»، فقال له أبوه: «يا بني، إنما لا ريب فيه»، ﴿الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، فاذهب فتعلم. فحمله ذلك الاجتهاد حتى صار إماماً من أئمة القراءة. وكذلك أيضاً ما حصل لابن حزم، وما حصل لغيرهم من أئمة الإسلام، حصلت لهم شيء من الحوادث، فمعنى هزت الشوق الذي في قلوبهم، وأيضاً حركت أفئدتهم إلى العلم، فصار عندهم حرص عظيم، حتى فاقوا من كان قد تعلم قبلهم، وقد اجتهد قبلهم، فاجتهدوا اجتهاداً عظيماً. فلهذا لا ينبغي للمسلم أن ييأس من العلم، ويستفيد من هذه الدورة، وكذلك يستفيد من دروس العلم التي تحصل في هذا المسجد، أو في البلاد التي هو فيها، فيجتهد ويسمع، فإن كثيراً من العلم أخذوا العلم بالسماع، يسمعون فقط، ما يكتبون، ولا أيضاً يقرؤون، يسمعون، فأخذوا علماً كثيراً بالسماع، حتى بعضهم رووا كتب. فهذا ابن المذهب، الذي روى المسند، الإمام أحمد، كان يسمع فقط، لا يكتب ولا يقرأ، فروى هذا المسند، الذي هو مسند أهل الإسلام، معناه قرابة ثلاثين ألف حديث. فلهذا لا يحتقر الإنسان نفسه، ويائس نفسه، ويبتعد عن العلم، فمن وجد الله عز وجل فيه الصدق والإخلاص، فإن ربنا جل وعلا يوفقه إلى الخير. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، وأن يجعلنا منارة للعلم والعمل، ويجعلنا سبحانه وتعالى هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين. والحمد لله رب العالمين، وجزاكم الله خيراً.