المحاضرة بعنوان كيف يكون العلم نافعا ؟، والتي كانت ضمن الدورة العلمية الثالثة والعشرين بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 6 ذو القعدة 1446هـ الموافق 4 مايو 2025م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
العلم النافع هو علم الكتاب والسنة الذي ينفع في الدنيا والآخرة، بينما العلوم الدنيوية إما ضارة أو محايدة وتحتاج لربطها بالله لتصبح نافعة. ثمرة العلم الحقيقية هي خشية الله كما دل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
لا ينفع العلم إلا إذا أوجب خشية الله ورجاء ثوابه، فالعالم الذي لا يقوده علمه إلى طاعة الله يعد جاهلاً في حكم الشرع. يجب أن تكون نية التعلم للخوف من الله والعمل بطاعته لا للشهادات أو الدنيا.
العلم النافع هو ما قُصِد به وجه الله، فمن تعلم لغير الله لم يرح رائحة الجنة. العلوم الدنيوية تتحول إلى طاعة وقربة إذا نُوي بها التعرف على عظمة الخالق والدعوة إليه، ومن غفل عن الآخرة كان من الخاسرين.
يختم الدرس بآية تشير إلى غفلة الناس عن الآخرة، ثم يدعو الله أن يوفق للخير ويجعلهم هداة مهتدين. ويختتم بالشكر للمشاهدين على متابعتهم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل أن جمعنا في هذه الدورة المباركة في هذا المسجد المبارك، مسجد التقوى، وهو دار الحديث بالشهر، واجتمعنا لأجل العلم والتعليم، وأيضًا لننهل من علوم الكتاب والسنة. فيا أيها الإخوة، إن علم الكتاب والسنة هو العلم الذي ذُكر في الكتاب والسنة، وهو علم الآخرة، وهو العلم النافع؛ لأن العلوم كثيرة، والناس الآن يتعلمون علومًا كثيرة، فمن هذه العلوم ما يكون من علوم الدنيا البحثة، ومنها ما يكون من علوم مشتركة فيها نفع وفيها ضرر. وأما العلم الخالص النافع فهو علم الكتاب والسنة وإجماع الأمة وما قرره أئمة هذا الدين، فهذه العلوم التي ينتفع بها الإنسان، والتي أيضًا تنفع الإنسان في الدار الآخرة. وقد كان نبيه عليه الصلاة والسلام يستعيذ من العلم الذي لا ينفع. أيها الإخوة الكرام، ومن العلوم التي غير العلوم الشرعية تقسم إلى قسمين: منها ما فيه ضرر وليس فيه نفع، فيه ضرر وليس فيه نفع، وهذا لا ينبغي للشخص أن يتعلمه؛ لأنه لا نفع له في ذاته بل فيه ضرر، وهذا مثل علم النجوم، وعلم السحر، وعلم الكلام، هذه العلوم ضارة تضر الإنسان وتضر بدينه، فلا يجوز له أن يتعلمها. وهناك علوم ليست ضارة، لا تضر الشخص، فهذه العلوم لا بد فيها من شروط؛ من أرادها لا بد فيها من شروط حتى تكون هذه العلوم نافعة، مادام أنها لا تضر، فيحولها الإنسان إلى نفع. كيف يحولها الإنسان إلى نفع؟ أولاً: يربطها بالله جل وعلا، يربط هذه العلوم بالله وبالدار الآخرة. فإن ربطها بالله جل وعلا وبالدار الآخرة فإنها علوم قد تنفع. الله عز وجل يقول في سورة فاطر: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾. هذه الآية ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله أن ربنا جل وعلا في هذه الآية ربط علوم الدنيا بعلوم الآخرة لأمرين: إن الله عز وجل ذكر علومًا من علوم الدنيا، أن هذه الثمار التي تخرج من الأرض لها ألوان، هناك الأحمر، هناك الأبيض، هناك الأصفر، هناك الأسود، كل هذه الألوان موجودة في الثمار، وكذلك الجبال أنواع الجبال، هناك الجبل الأسود، وجبل أبيض، وجبل أحمر، وكذلك من الدواب والناس أيضًا تختلف ألوانهم. ثم قال: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾. أيش المناسبة؟ قال العلماء: إن الله عز وجل أراد أن يربط هذه العلوم بالله عز وجل، فمن ربطها بالله فإنه ينتفع بها، ومن لم يربطها بالله لا ينتفع بها أبدًا. الآن بعض الناس، مثلاً، أو بعض أهل الفلك والهيئة، تجد مثلاً يتعلمون هذه الأمور، يعلمون الأتربة، يعلمون أنواع الجبال، يتعلمون أشياء من هذا العلم، لكن ما المقصود من هذا العلم عندهم؟ أشياء يقصدون علومًا، مثلاً، أحياناً يتعلمون علوم الذرة، علومًا مثلاً، يتعلمون بعض العلوم التي قد تنتج لهم أشياء، كلها علوم ظاهرة، يتعلمون هذه العلوم، لكن أيش مقصدهم في هذه العلوم؟ لا شيء، غايتهم الدنيا، غايتهم أنهم يكسبون أموالًا خلف هذا الاكتشاف أو خلف هذا المنتج. بخلاف الذي يريد الله والدار الآخرة، ممكن يكون بهذه العلوم يتوصل إلى الله. الآن هذه العلوم التي عرفها: ألوان الثمار، ألوان الجبال، ألوان الدواب، ألوان كذا، هذه توصله إلى الله، يتقي الله عز وجل، أولاً فيها يعرف هذه الأشياء لأجل يعرف عظمة الله جل وعلا. ولهذا ذكر الحافظ ابن كثير أيضًا: قال حتى يتعرف الإنسان على عظمة الله فيجره ذلك إلى خشية الله. فالعالم مهما كان، سواء كان عالمًا بالدين أو عالمًا بالدنيا، إذا لم يربط هذا العلم بالله فإنه لا ينتفع بهذا العلم. ولهذا مثلاً بعض الناس يتعلم علم الكتاب والسنة لكن يتعلمه لأجل الشهادة، لا يتعلمه لأجل أن يعمل به، فهذا ما ينتفع به هذا العلم، ما ينتفع به؛ لأنه لم يتعلمه لأجل أن يعمل به. هنا قبل تنبيه معنا: يكون جلسة مع الطلاب الساكنين هنا في الدورة بعد صلاة العشاء إن شاء الله، نرجو من الجميع الحضور. طيب، قلنا أن هذه العلوم إذا لم تُرتب بالله جل وعلا فإن الإنسان لا ينتفع بها، سواء كان علوم الدنيا أو سواء كانت علوم الآخرة. ولهذا كما قلنا، الله عز وجل ربط كل هذا، معرفة هذا، ربطها بالخشية: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾. فكل من ربط العلم بالله كان هذا العلم دليلًا يوصله إلى الله جل وعلا، وإلى خشيته، وإلى أيضًا الخوف من الدار الآخرة. فللهذا يقول الله عز وجل: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾. انظر إلى هذه الآية العظيمة، يقول الحافظ ابن جرير الطبري في هذه الآية: ربنا جل وعلا يخبر أن من قنت له أن يطيع الله عز وجل ورسوله، ويريد طاعة الله ورسوله، فإنه يقنت، يظل ساجدًا وقائمًا، يحذر الآخرة، يحذر، عنده خوف أن الله عز وجل يعذبه، ويرجو رحمة ربه. فهذا الذي أراد بعلمه الرب سبحانه وتعالى. وأما من لم ينهه هذا العلم عن الخير، أقصد: من لم ينهه هذا العلم عن الشر، ولم يحثه على الخير، بل أنه لم ينفعه، ولم يحذره، ولم يقربه إلى الخوف من الله ورجاء ثواب الله، فهذا العلم وبال عليه. ولهذا قال: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾. إنما يتذكر أولو الألباب. أي: هذا الذي يعلم هو الذي يجعل طاعة الله عز وجل، هذا العلم يوصله إلى الله، يخاف به ربه سبحانه وتعالى، ويرجو ثواب الله جل وعلا بهذا العلم، قاده هذا العلم إلى الخير، فهذا الذي يعلم. وأما الذي لا يعلم، هذا الذي قاده العلم إلى الشر، لم يقودوه هذا العلم للخير، لم يربطوا بالله جل وعلا، لم يربطوا بالخوف من الله، لم يربطوا برجاء ثواب الله عز وجل. فقال الله عز وجل: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾. فللهذا أخذ من هذه الآية أنه: أولاً، أن الإنسان أولاً يجعل هذه العلوم تربطه، أو هذه العلوم تكون تدله على الخير، العلوم التي يكون فيها الخير، فيها الصلاة، فيها الصلاح، أيضًا يكون بهذا العلم يخاف الله ويرجو ثوابه. وهذا أيضًا يدلنا على فائدة أخرى، وهي: نية العبد، لماذا يتعلم هذا العلم؟ لماذا يتعلم هذا العلم؟ ليش يتعلم هذا العلم؟ ليخاف الله عز وجل به ويرجو ثواب الله سبحانه وتعالى، وإلا فهو جاهل. لو تعلم من العلم ما لا علما كثيرًا، لكنه لم تكن نيته لأجل الله، فللهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن ماجه، حديث أبي هريرة وغيره: «من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يصيبه إلا لدنيا، أو لا يتعلمه إلا لدنيا، فإنه لم يرح رائحة الجنة، لم يرح رائحة الجنة». وقال بعض السلف في قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ﴾، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ﴾، فما أرادوا الله عز وجل، وإنما أرادوا الحياة الدنيا، وأيضًا بكل، سواء كان بعلمهم أو بعملهم، أرادوا الحياة الدنيا، فأولئك لا خلاق لهم في الآخرة، لا نصيب لهم من نعيم الآخرة، بل توعدهم الله عز وجل بالعذاب العظيم. فللهذا يحتاج إلى نية، وهذه النية حتى العلوم، كما قلنا، العلوم التي ليست لله عز وجل إذا نواها لله صارت نفعًا له. أن بعض العلوم دنيوية بحتة، لكن هناك أناس توصلوا بها إلى الله عز وجل. ولهذا ربنا جل وعلا يقول: ﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾. على بعضهم مثلاً يتكلم على فوائد السمع، أيش في السمع؟ أو أعضاء السمع، أعضاء العين، أيش العين؟ هذه أيش مكونة؟ هذه أمور دنيوية غالبًا بحتة، لكن كثير من الناس توصل بهذه العلوم إلى الله، رأى عظمة الله جل وعلا. فهذا أيضًا إذا وصل هذا العلم إلى الناس ونوى أن هذه دعوة إلى الله، أيضًا قد يؤجر على ذلك. فللهذا فالنية هنا لها دور، النية لها دور في هذه أيضًا الأمور. وكذلك أيضًا في هذه الحياة، معنا أخذ من هذه الآية أن الإنسان الذي يعيش في هذه الحياة إما يجعل الأشياء يستفيد منها في الدار الآخرة والخوف من الله والرغبة إلى الله، وإما أنه لا يستفيد من شيء، تكون غايته الدنيا المحضة، تكون غايته الدنيا المحضة. الله عز وجل لما ذكر في بداية سورة الروم: ﴿ الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾. يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، يعلمون فقط ظاهر هذه العلوم، لكن أيش قصدهم بهذه العلوم؟ فهم كما قال الله عز وجل: ﴿ وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾. يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون، ما عندهم أنهم يعلمون هذه الأمور لأجل الله، لا لأجل الدنيا، لأجل الأموال، لأجل كذا، ما عندهم غاية لله عز وجل. فللهذا لم يستفيدوا من هذه العلوم، لم يستفيدوا من هذه العلوم. فللهذا من أراد أن يستفيد من علم الكتاب والسنة أو حتى علوم الدنيا يربطها بالله جل وعلا، هذا هو الهدف من هذه الآيات العظيمة، سواء كان آية فاطر، أو آية الزمر، أو هذه آية الروم، يبين الله عز وجل أن من لم يربط العلم والعمل بالله جل وعلا سبحانه وتعالى وبعظمته وبخوفه وبرجائه، فإنه لا يستفيد من هذا الشيء الذي يفعله، فهو يريد فقط الحياة الدنيا، مهما على شأنه في الدنيا، مهما على شأنه، سواء كان في علم الكتاب والسنة أو في العلوم الأخرى، لو على شأنه في هذه العلوم، لكنه لم يستفد، ولم تكن غايته الدار الآخرة، فإنه خاسر، فإنه خاسر، مثل ما ذكر الله عز وجل: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذا المقام، ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، وأن يجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين، ويجعلنا ممن ينفعه سبحانه وتعالى بعلمه، ويعلمنا سبحانه جل وعلا ما ينفعنا، والحمد لله رب العالمين. شكرا للمشاهدين.