تحذير  الصحبة من فتنة الأمة

تحذير الصحبة من فتنة الأمة

المحاضرة بعنوان تحذير الصحبة من فتنة الأمة، والتي كانت بمسجد حمزة بن عبدالمطلب بالشحر يوم الجمعة 27 شوال 1446هـ الموافق 25 أبريل 2025م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الفتن وعرضها على القلوب وأشراط الساعة

يستعرض المقطع خطورة الفتن في آخر الزمان وكيف تُعرض على القلوب كعرض الحصير، فيميز الله بين قلب أبيض ثبت على الإيمان وقلب أسود اتبع الهوى، مع ذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم بالفرار بالدين والابتعاد عن مواطن الفتن.

فتنة المال في الأمة الإسلامية: حقيقتها وعلاجها

يبيّن أن فتنة هذه الأمة هي المال مستدلاً بالآيات والأحاديث المحذرة من حبه الشديد، موضحاً أن المال ليس مذموماً لذاته بل قد يكون سبباً للدرجات العلا إذا صُرف في طاعة الله، وختم بتعليم النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الأذكار المدركة لفضل أهل المال.

المال ابتلاء إلهي: نماذج الشكر والكفران في السنة النبوية

يسرد قصص الابتلاء بالمال في السنة كنموذج للاختبار الإلهي، مستعرضاً قصة عثمان بن عفان في الإنفاق، وقصة الأقرع والأبرص والأعمى، وقصة الثلاثة الذين ابتلوا بالصحة ثم المال، مبيناً عاقبة الشاكر رضوان الله وعاقبة الكافر سخطه، ومسؤولية العبد عن مصدر المال وإنفاقه يوم القيامة.

عاقبة المال: نعمة معينة أم نقمة ملهية عن طاعة الله

يوضح أن المال قد يكون نقمة على صاحبه إذا ألهاه عن ذكر الله والواجبات، مستشهداً بآيات وأحاديث تحذر من فتنة الدنيا، ومبيناً أن المال يكون سبباً للطاعات وبر الوالدين أو سبباً للمعاصي وقطيعة الرحم حسب استخدام العبد له.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، أحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا ظاهرًا وباطنًا، نحمده سبحانه وتعالى على ما أنعم، جل وعلا، على ما قام به من صفات عظيمة ومن جناب عظيم، سبحانه وتعالى. وأيضًا قبل أن نبدأ، نشكر إخواننا في هذا المسجد المبارك والقائمين عليه، وأيضًا نشكر كل من ساهم أو سعى في عقد هذا المجلس، نسأل الله عز وجل أن يجعله مباركًا، ينفع الله عز وجل به. ونشكر أيضًا أخانا سامي في ضب الله على هذه الكلمة الطيبة، هذه الكلمة التي أشار فيها إلى اعتناب القلوب، فإن القلب هو محور الإنسان، وهو المحرك لهذا الإنسان، ولهذا فالفساد والصلاة يكون بهذا القلب، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». ولهذا، أيها الإخوة الكرام، الفتن أول ما تعرض تعرض على القلوب، الفتن أول ما تعرض تعرض على القلوب، يعرضها القلب، ينظر إليها، فالناس بعد ذلك أشكالًا وأنواعًا، كما جاء في صحيح مسلم في حديث أبي هريرة، النبي عليه الصلاة والسلام قال: «تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا»، الحصير الذي يصنع من سعف النخل، أعواده متفرقة، فهذه الفتن تعرض على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا. وعلى تعرض هذه القلوب أو هذه الفتن، فتن الشبهات وفتن الشهوات، تعرض على القلوب، قال: «فأيّما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيّما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء»، على صفى هذا القلب، حتى تكون القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفا، أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، يثبته الله عز وجل لأنه ثابت في الفتن، ولأنه لم يتشر بالفتن بل صبر وثبت على هذه الفتن، فكان ثابتًا في دين الله جل وعلا، سعيدًا من السعداء الذين هم أهل جنة الله جل وعلا. عند أحمد وأبي داود من حديث المقداد بن الأسود الكندي رضي الله عنه أنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن السعيد لمن جنب، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي، أي ابتلي بهذه الفتن، فتن الشهوات والشبهات، ولمن ابتلي فصبر عليها، أي فعجبا له لأنه صبر على هذه الفتن». الإنسان خلق يحب الفتن، قلبه يحب الفتن، ونفسه تحب الفتن، وأن هذه الفتن هي أشياء يحبها الإنسان، جبل على محبتها، فمن صبر على هذا الابتلاء فعجبا له، وصار من السعداء. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباد كالكوز مجخية، كالكوز مجخية». معنى منكوز: الكوز فيه ظلمة، وأيضًا إذا نكس صارت ظلمته أعظم، قال: «حتى قال: كالكوز، كالكوز المنكوز، والآخر أسود مرباد، قال: والآخر أسود مرباد كالكوز مجخية، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه، عما تشربت به هذه الفتنة». لهذا، فهذه القلوب يجب الاعتناء بها، خاصة من الفتن. الفتن، أيها الإخوة الكرام، كثيرة، كثيرة، جدة، أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام، في فتن عامة وفتن خاصة. فربنا جل وعلا يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، بل تعم، ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾، اتقوا هذه الفتنة، الفتنة هنا من باب الإطلاق، معنى عامة، ليس فتنة واحدة، وإنما فتن، ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، بل هي تعم هذه الفتن. لهذا، النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا بهذه الفتن، وأنها كثيرة، وهو يبتلي، من الله عز وجل، يبتلي الله عز وجل به عباده. قال الله عز وجل: ﴿أَلْفَ لَا مِيمَ * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، لابد من الابتلاء، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. وأخرج البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت النبي، أو قال: أشرف النبي عليه الصلاة والسلام على أطم من آطام المدينة، مرتفع مثل الجبل، أطم من آطام المدينة، فقال عليه الصلاة والسلام: «إني لأرى الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر»، أنا كثيرة، كمواقع القطر، القطر عندما تنطر يعم العرض، «إني أرى الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر». أيضًا في الصحيحين من حديث بهريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال، قال عليه الصلاة والسلام: «لتكونن فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه»، تشرف لها أي دخل فيها، «من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذ فليعد به»، إذا وجد ملجأ أو مكان يبتعد عن هذه الفتن فإنه يبتعد عنها. في الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة قال: يوشك، عليه الصلاة والسلام يقول: «يوشك أن يكون خير مال المر المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن». هذا في آخر الزمان، تكثر الفتن، تكثر كثيرًا، كلما جاءت فتنة جاءت بعدها أخرى، تتراكب الفتن على القلوب، على قلوب الناس، حتى أن المؤمن، المؤمن الثابت في دينه، يخشى على نفسه الانتكاس من كثرة الفتن، والعياذ بالله. ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بكثرتها في أحاديث كثيرة، من ذلك ما أخرج الإمام البخاري ومسلم من حديث أنس قال: «إن من أشراط الساعة كثرة الفتن»، كثرة الفتن من أشراط الساعة. بصحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان يحدث الناس في مكة والناس حوله، فقال: كنا مع رسول الله، أو خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، فنزلنا منزلا، أنا خرج في غزوة، قال: فنزلنا منزلا، فمنا من ينتظل، ومنا من هو في ججره، من ينتظل معناه صلح السهام، ومنا من هو في ججره في مكانه في خيمته، فإذا منادي رسول الله صلى الله عليه عليه وسلم ينادي الصلاة جامعة، قال: فجئنا، فقال عليه الصلاة والسلام، أي بعد ما صلى، قال عليه الصلاة والسلام: «ما من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، ما من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه له، ونبي الله صلى الله عليه وآله وسلم هو خيرهم، بلغ الرسالة وأدى أمانة الله جل وعلا التي أرسله الله عز وجل بها، فما من خير إلا ودلنا عليه، وما من شر إلا وحذرنا منه»، عليه الصلاة والسلام. قال: «ما من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه له وينذرهم شر ما يعلمه له، وإن هذه الأمة، هذه الأمة أمة النبي عليه الصلاة والسلام، أمة محمد صلوات الله وسلامه عليه، وإن هذه الأمة جعلت عافيتها في أولها، العافية في أول هذه الأمة والبركة في أول هذه الأمة عظيمة، لاتباعهم، ولي أيضًا عدم دخولهم في الفتن، بل ابتعدوا من الفتن، وإن هذه الأمة، وإن هذه الأمة جعلت عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، تجيع الفتنة، يرقق بعضها بعضًا، تجيع الفتنة، يرقق بعضها بعضًا، أن يجعل بعضها بعضًا رقيقًا، كلما جاءت فتنة جاءت التي بعدها أعظم منها». حتى كما جاء في مسند الإمام أحمد في حديث بهريرة أنه قال: «حتى يحسب المؤمن أن تلك الفتنة، أي التي سبقتها، كانتفاخة العرنب، أنا لا شيء عند هذه الفتنة، فتنة عظيمة، فتنة في الدين، فتنة في الدنيا، يفتن الرجل حتى في بيته». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تجيع الفتنة، يرقق بعضها بعضًا، فيقول المؤمن: هذه مهلكة»، المؤمن هذا ليس الفاسق، ليس المنافق، لا، المؤمن يقول: المؤمن هذه مهلكة، هذه عن هذه اللي بن تهلكنا، هذه الفتنة ما سأسلم منها أبدًا، فعلى وجد غبها في قلبه فخاف منها، وهكذا المؤمن، المؤمن لا يطمئن ويقول: ما علي من الفتن، أنا، معنى كأنه يرى أنه ما ستصيب هذه الفتن وما ستؤثر عليه، فلا يبالي بها فيدخل فيها وتدخل في قلبه فيزل، والعياذ بالله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فيقول المؤمن: هذه مهلكة، هذا فتنقشع، تذهب، والمؤمن ثابت، قال: فتجيه الفتنة، فتنة أخرى، فيقول المؤمن: هذه مهلكة». وهذا يدلك على أن المؤمن يكون عنده يقظة في الفتن، يعرف الفتن ويعرف مداخلها، لا ينجر مع من ينجر، ولا أيضًا يدخل مع من دخل، يظن أن هذا أمر سهل. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «تجيه الفتنة فيقول المؤمن: هذه، هذه فتنقشع، ثم قال عليه الصلاة والسلام: فمن أحب أن يدخل الجنة وتأتيه منيته، أن يأتيه الموت وهو مؤمن، قال: من أحب أن يدخل الجنة وتأتيه منيته وهو مؤمن، فليأتِ الناس ما يحب أن يؤتى إليه». فأيها الإخوة الكرام، الفتن كثيرة كما قد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، ونحن في هذا المجلس إن شاء الله تعالى نأخذ فتنة خاصة أخبرنا بها نبينا عليه الصلاة والسلام أنها فتنة هذه الأمة، فتنة خاصة بهذه الأمة، ليس خاصة معنى أنها لم تكن في الأمم، لا، كانت في الأمم، لكن فتنة بها كثير من هذه الأمة. عند أحمد والترمذي من حديث جبير بن مفير عن كعب بن عياط الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن لكل أمة فتنة، لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال»، لكل أمة فتنة على تختص بها، وفتنة أمتي المال. هذه الفتنة، فتنة، فتنة هذه الأمة هي المال. الفتن كثيرة كما ذكرنا وكما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذا المال فتنة هذه الأمة، اختصت هذه الأمة بأن تفتن بالمال. الله عز وجل قد ذكر سبحانه وتعالى أن هذا المال فتنة: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. أيضًا ربنا جل وعلا بين سبحانه وتعالى أن الإنسان طبع على محبة المال، بل محبة المال ليس محبة عادية، بل محبة شديدة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، الخير هنا قال المفسرون هو المال، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، المال خير لأنه نعمة. ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث مالك بن عوف، أو مالك بن عوف، قال، أو عمر بن عوف أقصد، في الصحيحين قال: «إنما أخشى عليكم، أو قال: ما أخشى عليكم الفقر، ولكن أخشى عليكم الدنيا لتنافسوها»، فقال رجل: يا رسول الله، يأتي الخير بالشر؟ أي المال الذي يتسبه الإنسان في الدنيا يأتي بالشر، هو خير، ثم ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا في أكل الحيوانات، يبين له أن الأكل للحيوانات قد يمرضهاحيانًا وقد يقتلها، وهي إنما تأكل، وهكذا أيضًا هذا المال. في الصحيحين من حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه قال: أتيت النبي عليه الصلاة والسلام أريد ما أريد، أو سألته المال، فأعطان، ثم جئته فسألته فأعطان، ثم جئته فسألته فأعطان، ثم قال: «يا حكيم، إن هذا المال حلو خضر، إن هذا المال حلو خضر، فمن أخذه بحقه بورك له فيه، من أخذه بحقه بورك له فيه، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع، يصير لاهد وراء هذا المال، والذي لم يأخذه بحقه كان كالذي يأكل ولا يشبع». لهذا ربنا جل وعلا ذكر أن الإنسان من طبعه أنه يحب المال حبًا شديدًا: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. أيها الإخوة الكرام، المال لا يدم لأنه مال، أو أن الإنسان جمعه، أو أن الإنسان عنده أموال من إرث أو من غير أو عمل، ليس كذلك، المال لا يدم بهذا، بل قد يكون هذا المال يرفع الرجل إلى الدرجات العلاء، يكون من أهل السعادة وأهل الجنة، هذا البال. ولهذا أهل المال أحيانًا تكون لهم ميزات، في الصحيحين في حديث بهريرة، وجاء في صحيح مسلم حديث بذر، لما جاء الصحابة رضي الله عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور، قال: الدثور أي أهل الأموال، ذهب أهل الدثور بالأجور والدرجات العلاء، ذهب أهل الدثور بالأجور والدرجات العلاء، عندهم أموال لكن هذه الأموال تعلوها، ليست ضدهم، تعلوها معهم تفيدهم. فقالوا: ذهب أهل الأموال وهل الدثور بالأجور والدرجات العلا؟ قالوا: ماذا، لماذا هذا الكلام؟ قالوا: يا رسول الله، يصلون كما نصل، ويصومون كما نصوم، لكن يتصدقون بفضول أموالهم، ويحجون ولا نحج. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا أدلكم على شيء إذا عملتموه سبقتموهم، أو قال: سبقتم من قبلكم ومن جاء بعدكم إلا من عمل بعملكم»، فأخبرهم نبي صلى الله عليه وسلم وعلمهم أن الرجل يسبح بعد صلاة ثلاثًا وثلاثين، ويحمد ثلاثًا وثلاثين، ويكبر ثلاثًا وثلاثين، ويتمم المئة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له. فجاء بعد ذلك الصحابة رضي الله عنهم قالوا: يا رسول الله، سمع إخواننا من أهل الأموال، سمعوا بذلك ففعلوا مثل ما فعلنا، فقال عليه الصلاة والسلام: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». فالرجل قد يبتلى بالمال، لكن، لكن يستعمله في طاعة الله جل وعلا. ولهذا تعلمون حديث الغبطة، هذا الحديث خرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود، ومن حديث ابن عمر، ومن حديث أنس، كلها في الصحيحين، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا حسد إلا في اثنتين»، وهذا نفض حديث عبد الله بن مسعود: «لا حسد إلا في اثنتين، لا حسد إلا غبطة»، الحسد هنا المراد به غبطة، «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فهو يسلطه في هلكته بالحق، فهو يسلطه في هلكته بالحق، على ما يعبث به، ولا أيضًا يبطر به، ولا أيضًا يستخدمه للحرام، وإنما يستخدم هذا المال في طاعة الله جل وعلا، يؤدي حق الله من الزكاة، يؤدي حق الله من صلة الرحم وغير ذلك». مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي كبشة الأنماري: «إنما الدنيا لأربعة»، وذكر رجلًا آتاه الله عز وجل مالًا وعلمًا، فهو يعمل بماله في الحق، ويصل به رحمه، يصل به رحمه، ويعمله في الحق، معنى أنه يؤدي حق الله فيه. وأيضًا جاء في لفظ في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل والنهار»، وجاء في لفظ: «فهو يتصدق به آناء الليل والنهار»، آناء، يستعمله في طاعة الله، يستفيد من هذا المال، يربح أجورًا عظيمة. لهذا كثير من أهل العلم فضل الغني الشاكر على الفقير الصابر، فضل الغني الشاكر، غني لكن شاكر، يشكر نعمة الله عليه، فضله على من؟ على الفقير الصابر. الغني أو صاحب المال يفعل أمورًا عظيمة تشفع له يوم القيامة، بل قد تدخله الجنة. لما عسر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجهز جيش العسرة، جيش الذي أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يذهب به إلى تبوك إلى الروم، في شدة الحرب، وكان النبي عليه الصلاة والسلام ما عنده ما يجهز هذا الجيش، فقال عليه الصلاة والسلام: «من يجهز جيش العسرة فله الجنة»، قال: فجهزه عثمان بن عفان بماله، كان عثمان رضي الله عنه تاجرًا، فجهز الجيش، جاء بالخيل وجاء بالسلاح، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يضر عثمان ما فعل بعد اليوم»، جهز جيشًا بماله. انظر أيضًا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين»، فاشتراها عثمان بخالص ماله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فله الجنة». انظر عمل واحد كسب به جنة الله عز وجل بسبب أن عنده مال. لهذا قال العلماء: إن هذا المال قد يرفعك إلى الدرجات العلاء، المال ليس نقمة، لكن صاحبه يحوله إلى نقمة، بل المال نعمة، لكن كما قلنا صاحبه يحوله إلى نقمة. وليس أيضًا كذلك، لا يظن الظان، وهذه فكرة عند كثير من الناس، أبطلها القرآن، لا يظن الظان أن من أعطاه الله عز وجل مالًا أنه يحبه، أو أنه يستحق، يظن في نفسه أنه ما أعطي هذا المال إلا لأنه ذكي، لأنه كذا، فطن، لأنه يسعى، لأنه كذا، معنى هذا: أخذته بجهدي، وأخذته بكذا. كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، أو قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ نِعْمَةً﴾، ﴿ثُمَّ خَوَّلْنَاهُ﴾، قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾، معنى أنعم الله عز وجل عليه، ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾، منا، أو قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ﴾، ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾، ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ﴾، الآية الأخرى: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾، ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾، لا تحسب أن هذا المال أعطاك الله عز وجل إياه أنك لأجل أنك ذكي، أو أنك كذا، أو أنك تعرف المكاسب، تعرف من أين يدخل المال، لا، هذا فضل من الله، وهي أيضًا فتنة، ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، قد قالها الذين من قبلهم، ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. لهذا الله عز وجل قال: ﴿فَعَمَّا الْإِنْسَانَ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾، ﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾، اطاه من المال، اطاه من هذه الحياة، ﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّ أَكْرَمَنِ﴾، أنا ما أكرمني إلا لأنه يحب، وأنا استحق ذلك، ﴿فَيَقُولُ رَبِّ أَكْرَمَنِ﴾، ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّ أَهَانِ﴾، إذا اجعله فقير، ما عنده مال، ولا عنده شيء من هذه الأغراض الدنيا، ﴿فَيَقُولُ رَبِّ أَهَانِ﴾، ﴿كَلَّا﴾، لا هذا ولا هذا، لا أن الله عز وجل من أعطاه مالًا أكرمه وفضله، ولا أيضًا الذي لم يعطيه مالًا أنه يهين، لا أبدًا، وإنما هي حكمة من الله جل وعلا، من شاء جعله، أعطاه الله عز وجل مالًا، ابتلاه الله عز وجل بهذا المال، فله، فلهذا أراد الله عز وجل أن يخرج هذه الخصلة من قلب المؤمن، فليس أن الله عز وجل يعطي المال من يحب. ولهذا قال عبد الله بن مسعود، وجاء مرفوع: «إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب». فلهذا كما قلنا، إن هذا المال قد يستفيد منه الإنسان في طاعة الله جل وعلا، ويرفع به الدرجات، ويرفع به الدرجات، يرضى الله عز وجل عنه، وقد يكون العكس. عندنا قصة ذكرها نبينا عليه الصلاة والسلام، وهي في الصحيحين، حديث بهريرة، قصة عظيمة فيها عبرة في هذا الباب، فيها عبرة في هذا الباب، أن الرجل قد يبتلى بالمال فيفوز ويرضى الله عز وجل عنه، وقد يبتلى بالمال ويخسر، ألا وهي قصة الأقرع والأبرص والأعمى، الأقرع والأبرص والأعمى. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن فيمن كان قبلكم ثلاثة: أقرع وأبرص وأعمى، ابتلاهم الله، أو قال في الحديث: أراد الله عز وجل أن يبتليهم، فأرسل إلى الأقرع ملكًا على صورة رجل، فقال له: ما الذي تريده من هذه الدنيا، أيش الذي تريده، تمان؟». أنا كما يقولون، أول كان يقولون: إذا لقيت الخضر، فيقول لك: تمان، هذه قصص ليست صحيحة، لكن كان الناس يتداولوها، والخضر قد مات، ليس هناك خضر، لكن يقولون: إذا لقيت، أو لقيت الخضر، يقول لك: تمان. هذا الملك قال لهذا الأقرع: «تمان، أيش الذي تريده من هذه الدنيا؟». قال: «أريد شعرًا حسنًا، قد قذر للناس، معنا، أصلع، معنا ما عنده شعر، قال: أريد شعرًا حسنًا». ولو قال: «أريد شعرًا حسنًا، قال: ما تريد من المال؟ قال: أريد الإبل». قال: «فعقاه ناقة عشراء حامل، وأصلح الله عز وجل له شعرًا». ثم جاء الأبرص، وقال له: «ما تريد من هذه الدنيا؟». قال: «أريد أن يشفيني الله عز وجل من هذا المرض، قد، قديرا للناس، أريد لونًا غير هذا اللون، أريد اللون الذي هو الطبيعي». فأعطاه الله عز وجل لونًا حسنًا، فقال له: «ما تحب من المال؟». قال: «أحب البقر». فأعطاه بقرة والد، معنا، أيضًا ستطع. ثم ثم جاء للأعمى، وقال: «ما تحب من الدنيا؟». قال: «أن يرجع الله عز وجل لي بصري حتى أبصر به الناس». فأرجع الله عز وجل له بصره، فقال له: «ما تحب من المال؟». قال: «أريد الغنم». فأعطاه أيضًا غنمة والد، معنا، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. ما بعد، فكما ذكرنا، أيها الإخوة الكرام، إن المال نعمة، قد يرفعك الله عز وجل بسبب هذا المال إلى درجات علام، كما قلنا في هذا الحديث، ابتل الله عز وجل هؤلاء الثلاث: الأقرع والأبرص والأعمى، فهذا أعطاه إبلًا، أن أقرع الشراء معنا في الشهر العاشر ستلت، وهذا وهذا أعطاه بقرة والد، وهذا أيضًا غنم حامل. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فانتج هذا، وولد هذا، وولد هذا»، معنا: أنتجت الإبل، الإبل، وولدت البقر، وولدت الغنم، فهذا معه واد من الإبل، والثاني عنده واد من البقر، والثالث عنده واد من الغنم. فأنا أعطاهم الله عز وجل مالًا بعد أن كانوا فقراء، ما عندهم شيء، كانوا يريدون فقط أن يشفيهم الله عز وجل، الأقرع يريد شعرًا، والأبرص يريد لونًا، والأعمى يريد أن يرد الله عز وجل له بصرًا. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ثم جاءهم ذلك الملك في صورة الرجل، معنا، كأنه آخر، الله أعلم، ظاهر الحديث على أنه في صورة أخرى حتى لا يعرف، أو لا، وقد يكون أنه جاء في نفس الصورة، لكن الحديث لم يبين هل في نفس الصورة جاء، أو أنه جاء في صورة أخرى». فجاء إلى الأقرع، وقال: «مسكين، أريد ناقة أبلغ بها في سفر، أعطاك الله عز وجل كذا ودع». قال: «والله، والله، لقد ورثت هذا المال كابرًا عن كابر». انظر إلى الكذب والكبر والبطر، قال: «لقد ورثت هذا المال كابرًا عن كابر، هذا بدكائنا، هذا بحرصنا، وهذا أيضًا كان دأب آبائنا، كان عندهم أموال، وجئت وفعلت مثلهم، هذا المال جمعته، ليس هكذا، بعض الناس يقول: هذا المال جمعنا في عرقنا، تعبنا في هذا المال، جمعته أنا وأبي، أنا وكذا». فقال: «هذا المال ورثته كابرًا عن كابر». فقال له هذا الملك الذي هو على صورة رجل: «إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت». وذهب إلى الأبرص، وقال له مثل ما قال لصاحبه: «بطر، أبلغ بها سفر؟». فقال: «هذا ورثته كابرًا عن كابر». فقال له: «إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت، على ترجع أنك أبرص». ثم جاء إلى الأعمى، وقال له: «مسكين وابن السبيل، شاة أبلغ بها سفر، أعطيني شاة، أمشي بها وأشرب منها لبنًا، أنا في الطريق». فقال: «عندك، عندك، هذا المال، هذا المال عندك، فقد كنت فقيرًا». أنا لا أملك، اعترف بأنه كان فقيرًا، قال: «فقد كنت فقيرًا، فأعطاني الله عز وجل هذا المال، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، الذي تريده منه خذه، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك على شيء، أخذته لله، معنا: أنا أتبرع لك، حتى لو أخذته كله، خذ الذي تريده، حتى لو كان أكثر، ما سأقول لك شيء أبدًا، أنا أريد وجه الله، أعطاني الله عز وجل إياه، فأنا أريد وجه الله فيه». قال: «فقال له الملك: أمسك عليك مالك، إنما ابتليتم، أنتم الثلاثة، فرضي الله عنك، وسخط عن صاحبيك». انظر كيف المال ابتلاء، ابتلى الله عز وجل به هذا الرجل الأعمى، ففاز، ورضي الله عز وجل عنه، وابتلى الأقرع والأبرص، فخسر، وسخط الله عز وجل عليهم، أي غضب الله عز وجل عليهم. فلهذا، كما قلنا، المال قد يكون نعمًا لك، ابتلاك الله عز وجل به، لكن عرفت هذه الفتنة، فأخذتها بحقها، فمن أخذه بحقه بورك له فيه. أيضًا قد يكون هذا المال أيضًا كما هو معلوم نقمة على العبد، وهذا غالب الناس، لأن النفس تحب المال، فتبطر به. فقال الله عز وجل لما ضرب مثالًا للدنيا، معنى هذا للدنيا كله: ﴿كَمَثَلِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾، معنى أن هذا المال بركة عظيمة، يستخدمه الإنسان في حقه، وإلا سيذهب عليه، سيكون بالًا عليه، وخسارًا عليه. فالإنسان يسأل عن أشياء، ومنها المال، يسأل من جانبين، كما في حديث أبي برزة نضلة بن عبيد رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن...»، هنا ذكر الشباب، ذكر الابتلاء، لأن أكثر الابتلاء يكون للشباب، فإذا ابتلى الله عز وجل العبد وهو شاب، ابتلاه ببلوة، فاستمر بها، فإنه ما سيخرج أبدًا منها. كثير من الناس الآن يظن أنه مثلًا الآن وهو شاب يقول: أتمتع بهذا المال الذي عندي، إذا صرت مثلًا كبير أعطيها أولادي، وأنا أجلس المسجد وأعطيع الله، لا، هذا بعيد جدًا. النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين في حديث، قال عليه الصلاة والسلام: «يكبر ابن آدم ويكبر معه ثنتان: حب المال وطول الأمل، حب المال وطول الأمل، حب المال»، هذا يستمر معك، ما ستخرج منه إلا إن شاء الله. فلهذا قال: «وشبابه فيما أبلاه، وماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه»، المال ذكر سؤالين: فيما، من أين أخذه، وفيما أنفقه، على، من أين جئت بهذا المال، هل من حلال أم من حرام، ثم بعد ذلك السؤال الثاني: فيما أنفقته، هل في الحلال أم في الحرام. لأن هناك أناس يأخذون المال ولا يبالون به، فإن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أناسًا يتخوضون في مال الله بغير حق، ما ليس لهم، فلهم النار»، يخوضون في المال، يأخذون الحرام ولا يبالون. في حديث المرداس، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى لا يدري الرجل أخذ المال من حلال أم من حرام، لا يدري ولا يبالي»، أفرط أنه يأخذ المال من الحلال أو من حرام، ما يبالي، يقع فيه أشياء كثيرة، ولا يسأل، يقول: أنا ما كنت أعلم، طيب، كيف تدخل معاملات وأنت ما تعلم؟ لابد أن تسأل عن هذه المعاملات، هل هي صحيحة وليست صحيحة، وإلا إذا كان فيها ربح تجد أنه لا يسأل، وإذا لم يكن فيها ربح أو فيها خسارة يسأل، وهذا خطأ، وهذا من حب المال الذي وضعه، الذي جبل عليه الإنسان، لكن لابد أن يترفع عنه. فهذا ابتلاء، فلهذا، أيها الإخوة الكرام، قد يكون المال أيضًا نقمة على صاحبه، نقمة على صاحبه، كما قد ذكرنا في حديث حكيم بن حزام، وأيضًا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عمر بن عوف، قال: «ما أخشى عليكم الفقر، ولكن أخشى عليكم الدنيا، فتبسط عليكم، فتهلككم كما هلكت». وهنا الدنيا أراد بها المال، حب المال والالتهاب. وقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، إذا ابتليت بمال ثم ألهاك عن الواجبات، فهذا نقمة عليك، ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. ثم قال جل وعلا: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾، ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، اجعل هذا المال تنفق منه، لا تجعل هذا المال فقط لما تشتهيه من الدنيا، سواء كان حلالًا أم حرامًا، فإن هذا سيؤديك إلى ما هو أعظم، لا تجعل هذا المال يلهيك عن طاعة الله، يلهيك عن الواجبات. انظر، قد يكون هذا المال كما قد ذكرنا قبل، قد يكون هذا المال سببًا للطاعات، وقد يكون سببًا للمعاصي، قد يكون سببًا لبر الوالدين، يبر والديه ويصلهم ويصل أرحامه بهذا المال، وقد يكون أيضًا العكس، يعق والديه ويقطع أرحامه بسبب هذا المال. أخرج الإمام مسلم في صحيحه أن النبي عليه