الخطبة بعنوان التعرض للنفحات في شهر الرحمات، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 23 شعبان 1446هـ الموافق 22 فبراير 2025م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث الخطيب عن عظمة شهر رمضان وما فيه من نفحات رحمة وأجر عظيم، مستشهداً بأحاديث نبوية تحث على التعرض لنفحات الله. ويبين أن الصوم عمل عظيم يجزي الله به بلا حساب، وأن أجر الحسنة يضاعف إلى سبعمائة ضعف بينما أجر الصوم أكبر عند الله.
يستعرض المقطع فضائل شهر رمضان العظيمة، منها ليلة القدر التي تعدل عبادة ألف شهر، وتكفير السيئات ومغفرة الذنوب للصائمين والقائمين إيماناً واحتساباً. كما يذكر فتح أبواب الجنة، وغلق أبواب النار، وتصفيد مردة الشياطين، وحث المسلم على اغتنام هذه النفحات.
يتحدث الخطيب عن فضائل شهر رمضان وما فيه من أوقات مستجابة للدعاء كدعوة الصائم عند فطره وفي قيام الليل والسجود، ويحث على اغتنامها بالدعاء للنفس والأهل والأمة. ويختم بذكر الفرحتين اللتين وعد بهما الصائم: فرحة عند فطره وفرحة عظيمة عند لقاء ربه.
يختتم المتحدث بالدعاء لله أن يختم حياته بالحسنى وأن يجعله من الفائزين بجنة الفردوس. ويختتم الخطبة بالحمد لله رب العالمين.
إن الحمد لله، أحمده تعالى، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدًا، يصلح لكم أعمالكم، ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، فإننا مقبلون على شهر عظيم، شهر فيه أجور عظيمة، ونفحات كريمة. فهذا الشهر المؤمن يفرح به، وأيضًا كذلك يستقبله بالتهيئة والاستعداد لطاعة الله جل وعلا، ويتعرض لنفحات الله سبحانه وتعالى. وكما جاء في الحديث الذي صححه الشيخ الألباني رحمة الله عليه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال - وجاء من حديث أنس، وأبي هريرة، ومحمد بن مسلمة - قال في الحديث: «إن لربكم في دهركم نفحات، فتعرضوا لنفحات رحمة الله، فلعلها تصيب شيئًا منكم، أو قال: فلعلها تصيب أحدًا منكم، فلا يشقى بعدها». تعرضوا لنفحات الله جل وعلا، أي: خير الله سبحانه وتعالى، ومعطياته، وجوائزه، وكذلك أجوره العظيمة. فإن هذا الشهر ليس هناك وقت ولا شهر فيه الأجور العظيمة مثل هذا الشهر. شهر عظيم، فيه بركات كثيرة. كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، شهر مبارك، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم أجرها فقد حُرِم». أيها الإخوة الكرام، هذا الشهر العظيم جعل الله عز وجل فيه هذه النفحات، فتعرضوا لها أيها الإخوة، تعرضوا لها. فإن العبد لا يدري أين هدايته وأين سعادته، فلعل نفحة من هذه النفحات العظيمة تجعلك سعيدًا في الدنيا والآخرة. فأخلص نيتك أيها العبد في الاستعداد لهذا الشهر، فإن فيه أجورًا عظيمة، فيه أيها الإخوة أجور بلا عد ولا حساب. في الحديث القدسي قال الله عز وجل: «يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصوم لي وأنا أجزي به، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف». قال: «والصوم لي وأنا أجزي به». انظروا إلى هذا الحديث العظيم، أجور عظيمة يتحصل عليها العبد إذا عمل الصالحات. الصوم أول الأعمال الصالحة في هذا الشهر، يتحصل به هذا الأجر العظيم. الصوم هو شهر صبر، يترك العبد أحب المحبوبات إليه، يتركها لله، فهو قادر على أن يأكل ويشرب في خفية، لكنه متقٍ لله، لكنه يعامل الله، فلذلك عامله الله عز وجل بأعظم مما يعامل، فلذلك أعطاه الله عز وجل للأجر العظيم: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. أعطاه الله عز وجل أجرًا عظيمًا لا يدرى كم هذا الأجر، لكنه عند الكريم سبحانه وتعالى. «الصوم لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف»، أن يضعفها الله عز وجل، لكن الصوم أكثر من هذا، أكبر من هذا الأجر، يغرف لهم غرفًا، كما قال الإمام الأوزاعي. هذه نفحة من نفحات الله جل وعلا مما يعطي من الأجور العظيمة. أيضًا كذلك عباد الله، هذا الشهر فيه ليلة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «خير من ألف شهر»، ثلاث وثمانون سنة وأكثر، تتحصل عليه على عمل من هذه الأعمال، تعمل عملًا صالحًا، تتحصل في ليلة أكثر مما تتحصله في ثلاث وثمانين سنة عمرًا كاملًا. ذكر الإمام مالك رحمه الله في موطئه عن بعض أهل العلم من أهل المدينة، أو من هما أهل الثقة، قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نظر إلى أعمار هذه الأمة فرآها قليلة، فأعطاه الله عز وجل ليلة القدر، خير من ألف شهر، يعوض الله عز وجل بها عبادة». أيضًا عباد الله، هذا الشهر فيه تكفير السيئات، وفيه أيضًا كذلك مغفرة الذنوب، وفيه كذلك أيضًا مضاعفة الأجور. جاء في الأحاديث الكثيرة فيها مغفرة للذنوب في هذا الشهر. في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». أيها، أي فضيلة عظيمة! يغفر الله عز وجل لك ما كنت تعمل من الذنوب. وهنا الذنوب - عند أكثر أهل العلم - أنها الصغار، وأما الكبائر فلا بد فيها من توبة إلى الله جل وعلا، لا بد أن تتوب إلى الله سبحانه وتعالى. فهذه فرصتك أيها العبد، أنك إذا ارتكبت شيئًا من هذه الجرائم فإنك تتوب في هذا الشهر العظيم، الذي يتوب الله عز وجل على عباده. بل ربنا سبحانه وتعالى يعتق عتقاء في هذا الشهر العظيم، ولله عتقاء في كل ليلة من هذا الشهر، كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي: «في كل ليلة يعتق الله عز وجل عتقاء». وجاء في سنن ابن ماجه: «أن لكل مسلم دعوة مستجابة، ويعتق الله عز وجل منهم». هكذا عباد الله، هذا الفضل العظيم لا ينبغي أن يفرط فيه المفرط، لا ينبغي أن يفرط فيه العبد الذي يريد الله عز وجل والدار الآخرة. هذا الأجر العظيم الذي فيه سعادة الدنيا والآخرة. أيها الإخوة الكرام، في هذا الشهر تفتح فيه أبواب الرحمات، وتغلق فيه أبواب النيران والجحيم، وتصفد فيه مردة الجن، وتسلسل هذه المردة الذين يغوون الناس. فهذا فتح عظيم، تفتح لك أبواب الجنة الثمانية، هذا أجر عظيم. فيأخذ المؤمن من نسمات هذه الأبواب العظيمة التي فتحت، فتنعكس عليه في حياته، وفي أيضًا سيره إلى الله، فيجد روحانية لا يجدها في غيره من الشهور. يجد في نفسه مجاهدة للأعمال الصالحة، يجد في نفسه إقبالًا على قراءة القرآن، يجد في نفسه إقبالًا على القيام، وعلى الصلاة، وعلى غيرها، وهذا من توفيق الله عز وجل للعبد. أيضًا كذلك، غلقت أبواب النيران السبعة حتى لا يجد حرها، بل يتنفس بنفس الجنة، فيزداد طاعة، فتزاد فتزاد طاعة الله عز وجل في قلبه. فلذلك يا عبد الله، ينبغي على المسلم وعلى المؤمن أن يقبل على الله عز وجل، وأن يتهيأ ويستقبل هذا الشهر بما فيه من هذه النفحات العظيمة، وهذه الأجور العظيمة التي لا يحرم منها إلا محروم. نسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يجعلنا من عباده الصالحين، ومن عباده المنيبين المقبلين، ومن المقبلين عليه جل وعلا. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، إمام المتقين، صلوات الله وسلام عليه. أما بعد، عباد الله، أيها الإخوة الكرام، جاءنا هذا الشهر العظيم، أو نحن نستقبل هذا الشهر العظيم مع هذه الأزمات، ومع هذه أيضًا كذلك ما يعانيه الناس من غلاء الأسعار، ومن هبوط العملة، وكذلك ضيق المعيشة، وغيرها من هذه الأمور والأزمات التي يعيشها الناس في هذا الشهر، أو في قبل هذا الشهر. فلذلك جعل الله عز وجل في هذا الشهر دعوة مستجابة لكل عبد صائم لله جل وعلا، كما جاء في الأحاديث: «لكل مسلم دعوة مستجابة»، أخرجه أحمد، وأخرجه ابن ماجه بسناد حسن. وأيضًا كذلك جاء أن هذه الدعوة عند فطره، لكل صائم دعوة عند فطره مستجابة. فينبغي للمسلم أن يحرص على هذه الدعوات، كذلك يحرص على هذه الدعوات في قيام ليله، فإن في قيام الليل دعوة مستجابة في آخر الثلث من الليل. كذلك عباد الله، الساجد إلى ربه دعوته مستجابة، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. اجتمعت أمورا، واجتمعت فضائل وأوقات لاستجابة الدعاء، فينبغي للمسلم أن يحرص على أن يدعو لنفسه، ويدعو لأهله، ويدعو لأمته بالصلاح والرشاد، يدعو الله عز وجل. فهذه فرصة عظيمة، لعل هذه الأمة، ولعل هذا الشعب المسلم يتعرض لهذه النفحة فيسعد في هذه الحياة، وقبل يوم القيامة، فسعادته تكون أعظم. عباد الله، فهذه عظائم جعلها الله عز وجل في هذا الشهر، ومن أعظم ذلك ونختم به عباد الله: ما يجده العبد من فرحة يفرحها في هذه الدنيا، وكذلك يفرحها يوم القيامة، كما جاء في الحديث الذي يخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة: «وإن للصائم فرحتين يفرحهما: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه». قال العلماء: فرحة عند فطره، إما أن يكون عند كل ليلة يفرح أنه أدى الواجب الذي عليه لله جل وعلا، وصبر على الطعام والشراب والشهوة لأجل الله، فأدخل الله عز وجل في قلبه الفرح أنه أتم هذه العبادة وهذه النعمة. ومن العلماء من يقول: أن هذا الفرح يكون في إتمام الشهر، فتأتي بعده العيد التي يفرح بها عباد الله، التي يفرح بها المسلمون، وكل ذلك داخل في هذا الفرح، أنه يفرح في كل ليلة، ويفرح بعد انتهاء الشهر. فهذا الفرح الذي يجده العبد، فرح قلبه وانشراح صدره لما يكون من تأديته لعبادة الله جل وعلا، وختام هذه العبادة، وأنه أداها لله سبحانه وتعالى. وكذلك الفرح العظيم، الفرح العظيم الذي يكون يوم القيامة عندما يلقى الله جل وعلا، عندما يلقى الكريم سبحانه وتعالى، يلقى العظيم جل وعلا، في ذلك اليوم الذي يحتاج إلى الحسنات، يحتاج إلى هذه الأعمال الصالحة تكون معه في ذلك اليوم، حين يلقى الله، حين يلقى الله جل وعلا، فيفرح، فيفرح بصومه الذي صامه في هذه الأشهر، فيفرح بصومه الذي صامه في هذا الشهر العظيم، يفرح بهذا الصوم، يباعد الله عز وجل عن وجه النار سبعين سنة لصيام يوم واحد، فكيف بصيام شهر، فكيف بصيام أشهر، فكيف بصيام سنوات؟ أيها الإخوة الكرام، فيفرح العبد بلقاء ربه جل وعلا أيما فرح، فرح عظيم لما يلقى من الحفاوة، ولما يلقى من الكرم، ولما يلقى من الأجر العظيم عند الله جل وعلا. فنسأل سبحانه وتعالى أن يختم لنا بالحسن، وأن يجعلنا من عباده ممن فاز بجنته سبحانه وتعالى، جنة الفردوس. والحمد لله رب العالمين.