حل الأزمات بالسجود لرب البريات

حل الأزمات بالسجود لرب البريات

الخطبة بعنوان حل الأزمات بالسجود لرب البريات، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 26 صفر 1446هـ الموافق 30 أغسطس 2024م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية السجود في الإسلام وتأثيره على المسلمين

يُشدد على أهمية السجود في الإسلام كوسيلة لتخفيف الهموم والأحزان وتقريب العبد من ربه. يُبين أن السجود له أثر كبير في حياة المسلمين حيث يذهب الهموم والأحزان.

فضل السجود وكيفية أدائه بشكل صحيح

يُوضح فضل السجود مثل الاقتراب من الله ورفع الدرجات في الجنة، ويُنبه على ضرورة أدائه بشكل صحيح على الأعضاء السبعة في الصلاة وتلاوة القرآن.

عاقبة المرائين يوم القيامة وجزاء المخلصين

يُبين عاقبة المرائين يوم القيامة حيث لن يستطيعوا السجود لله كما كانوا يفعلون رياءً في الدنيا، ويُنبه إلى ضرورة الإخلاص في العبادات.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل في علاه، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة وأيها المؤمنون، فإن العبد في هذه الحياة يجد أنواعا من الضيق ومن الحزن ومن الهموم والغموم بشتى أنواعها، وكذلك يجد أشياء يريد أن يحلها أو أن يريد أن يكون لها بابا لأجل أن يفتح هذا الباب حتى تذهب هذه الأمور. وربنا جل وعلا قد جعل هذه الدنيا دار أحزان ودار هموم وغموم، فلهذا يصيب الإنسان منها، لكن الله عز وجل جعل حلولا كثيرة، جعل للعبد حلولا كثيرة يلجأ إليها وأيضا كذلك يأتي إليها ويطلبها حتى يذهب الله عز وجل عنه ما يجد. فليس القلب تذهب منه هذه الأشياء بالمال ولا أيضا بالجاه ولا بغيرها من هذه الأشياء، إنما هي طمأنينة القلب وراحة القلب، إنما تأتي بعبادة الله جل وعلا. وإن من أعظم الأمور التي جاءت في الكتاب والسنة مما جاء أن يكون هذا الأمر مفتاحا لمثل هذه الهموم ولمثل هذه الغموم ولمثل أيضا هذه الأحزان، فإن هناك عبادة عظيمة هي ضمن عبادة وتكون أيضا عبادة وحدها، ألا وهي عبادة السجود. عباد الله، فإن السجود عباد الله من أعظم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى الله، وهي مفتاح عظيم لهذه الهموم والأحزان. فإن كثرة السجود والاطمئنان في السجود من أعظم ما أعطاه الله عز وجل للعبد في راحته في هذه الدنيا. فإن نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان من أكثر الناس سجودا لله جل وعلا، وكان إذا حزبه أمر - أي اشتد عليه أمر وحزنه أمر وضاق عليه - هرع إلى الصلاة عليه الصلاة والسلام، كما في مسند أحمد وأبي داود عن حذيفة رضي الله تعالى عنه. ولهذا عباد الله، ربنا جل وعلا لما ذكر حال النبي عليه الصلاة والسلام في مكة وما كان يضايقه أولئك الكفار الذين يغيظهم السجود لله جل وعلا، يغيظهم أن يسجد العبد لله جل وعلا، وإنما أرادوا أن يسجد الناس لأصنامهم. فلما كان النبي عليه الصلاة والسلام في مكة يأتي إلى الكعبة ويسجد لله جل وعلا ويترك أصنامهم، فغاضهم ذلك، فقال ذلك الشقي أبو جهل - فرعون هذه الأمة -: «يأتي محمد ويعفر وجهه بالتراب عندكم». قالوا: «نعم». قال: «قال إذا جاء فإني سأطأ رقبته»، أي إذا فعل هذا وأنا عندكم سأفعل هذا الأمر. قال: «فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام وكان أبو جهل في ناديه وفي مجلسه، فقالوا: «هذا محمد صلى الله عليه وسلم وهو يسجد»، فقام هذا الخبيث وهذا النجس الذي أراد أن يطأ في رقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قرب من النبي عليه الصلاة والسلام رأوه يتقهقر إلى الخلف ويرجع إلى الوراء، فقالوا: «ما بالك؟» قال: «والله لما قربت منه رأيت أهوالا وأشياء ورأيت فحلا عظيما كان أراد أن يعضني». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو قرب لأخذته زبانيه الله جل وعلا»، أي لأخذته الملائكة الزبانية، كما قال الله عز وجل: ﴿فليدع ناديه سندع الزبانية﴾. ولهذا أنزل الله عز وجل في هذه الحادثة قوله سبحانه وتعالى: ﴿أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى لماذا يمنعه من الصلاة وهو يأمر بالمعروف ويأمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى الله مطلع عليه ومشاهده ألم يعلم أن الله يرى كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية كلا لا تطعه واسجد واقترب﴾. أي اقترب من ربك جل وعلا بالسجود إليه سبحانه وتعالى، إذا أردت أن تذهب هذه الأمور وأن يذهب عنك أذية هؤلاء. وكذلك أيضا لا تجد شيئا مما يجده الإنسان عندما يضايقه غيره، فإنك اقترب إلى الله عز وجل واسجد. فلهذا عباد الله، فالسجود عباد الله من أعظم الأمور التي ينبغي للمسلم أن يحافظ عليها. والسجود يكون في الصلاة، ويكون كذلك للسهو، ويكون للشكر. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلم الصحابة ويعلم الأمة أن أقرب ما يكون العبد في صلاته وهو ساجد، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة. يعلمهم ذلك بقوله وبفعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكان يسجد لله جل وعلا لما حصل الكسوف، لما حصل الكسوف في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، جاء عند أحمد وأبي داود أن النبي عليه الصلاة والسلام سجد طويلا، فسمعه الصحابة يقولون: «اللهم إنك وعدتنا ألا تعذبهم وأنا فيهم، وإنك وعدتنا ألا تعذبهم وهم يستغفرون». فلهذا عباد الله، كان الصحابة رضي الله عنهم أيضا كانوا يعملون بهذا. الصديق رضي الله عنه لما سمع بقتل مسيلمة سجد، علي رضي الله عنه لما سمع بقتل رأس الخوارج فإنه سجد، وغيرهم من الصحابة والتابعين. قد كان الناس يحبون السجود، يقول الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى: «دخلت إلى بيت المقدس فرأيت رجلا يصلي كثيرا ويسجد ويطيل في السجود»، قال: «حتى قلت: ما هذا؟ ما يدري أصلى شفعا أو وترا؟». قال: «فلما قضى صلاته، وجاء في رواية: أنه كان في مجلس من مجالس قريش فرأى رجلا يفعل هذا». قال: «فجئته فقلت: يا عبد الله، إنك تصلي ولا تدري أختمت على شفع أو وتر؟» فقال: «إن لم أكن أدري فالله يدري، سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه خطيئة». قال: «فقلت: من أنت؟ يرحمك الله». قال: «أنا أبو ذر». قال: «صاحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». فقال الأحنف: «حتى خجلت من نفسي»، أي أني أقول له مثل هذا الكلام. فهذا عباد الله، كان الصحابة رضي الله عنهم يسمعون كلام النبي عليه الصلاة والسلام وأيضا يطبقونه، يعلمون أن هذا السجود وكثرة السجود لها أثر عظيم في حياة العبد، لها أثر عظيم في ذهاب الهموم وذهاب الأحزان، وكذلك أيضا حل الأزمات والمشكلات، سواء كان عند الفرد أو عند المجتمعات. فلهذا عباد الله، فإن من تقرب إلى الله وجد حلاوة هذه العبادة، وجد هذه الراحة التي في قلبه، فيسجد لله جل وعلا، يسجد لله في ليله ونهاره. كان بعض السلف يسجد ليلة كاملة، كما جاء عن الحسن وعن غيره، يسجد ليلة كاملة حتى الفجر. كان يقول بعض أصحاب سفيان: «كنت مع سفيان فصلى المغرب في الحرم، ثم صلى ركعتين بعدها، فسجد»، قال: «فقمت فطفت، ثم صليت، ثم فرأيته ساجدا حتى جاء وقت العشاء». عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه صلى بالناس صلاة، فسجد فيها طويلا، فقالوا: «يا عمار، ما هذا السجود؟» قال: «كنت مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فصلى صلاة، ثم سجد فيها سجودا طويلا»، فقلنا: «يا رسول الله، ما هذا السجود الطويل الذي سجدت؟» قال: «دعوت ربي بثلاث»، ثم ذكر الحديث، دعا الله عز وجل في هذا السجود. كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الله عز وجل في سجوده، وكذلك كان الصحابة. وهذا مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أقرب ما يكون العبد وهو ساجد». وكذلك قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم»، أخرجه الإمام مسلم عن ابن عباس. فقمن، أي حري أن يستجاب لكم، أي في هذا الموضع، هو موضع استجابة للدعاء، لأن العبد أقرب ما يكون في هذا الدعاء أو في هذا السجود أقرب ما يكون لربه سبحانه وتعالى. فنسأل الله جل وعلا أن يمن عليه بنعمه وبهدايته، وكذلك بطمأنينة القلب وراحته. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. عباد الله، إن من وفق لكثرة سجوده لله ووجد طمأنينة ذلك ولذته فليبشر بخير، فإن لمن سجد كثيرا واطمأن في سجوده له فضائل عظيمة جدا. أولا، يقترب من الله جل وعلا، يكون من المقربين عند الله سبحانه وتعالى، وهذا ما أعظمها من نعمة. فتعلمون أيها الإخوة أن درجة المقربين هي أعلى درجات أهل الجنة. وأهل الجنة على درجات، وأيضا كذلك الذي يكون يسجد كثيرا له منزلة أعظم من هذه، أعظم من أن يكون من المقربين، بل يكون من رفقاء النبي عليه الصلاة والسلام. فقد جاء في صحيح مسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي - مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له: «سل». فقال: «يا رسول الله، أريد مرافقتك في الجنة». فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أعني على نفسك بكثرة السجود». فهذا عباد الله، وجاء أيضا عن عدة من الصحابة عن أبي فاطمة وعن غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيرفع الله عز وجل بهذا السجود الدرجات. وكما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، درجات الجنة ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض. فترفع بهذه الأشياء العظيمة. كذلك عباد الله، من أحس بعدم الخشوع وحس أيضا كذلك بعدم اللذة في قراءة القرآن، فليكثر في السجود. فإن الله عز وجل لما ذكر أهل العلم، فذكرهم أيضا كذلك بكثرة السجود أو بالخشوع في السجود. كما قال الله عز وجل: ﴿إن الذين أوتوا العلم إذا يتلى عليهم كتاب الله يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا﴾، أي هذا السجود يزيدهم خشوعا. فلهذا عباد الله، أيضا كذلك العبد إذا سجد لله عند تلاوة القرآن، طرد الشيطان وصاح الشيطان وبكى أو بكى الشيطان، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أمر ابن آدم بالسجود فسجد، وأمرت بالسجود فلم أسجد». عباد الله، فإن هذا السجود العظيم عبادة عظيمة يتقرب بها العبد إلى الله، وكذلك هي إزاحة لهذه الهموم والغموم، وحل لهذه الأزمات التي تعتريه في هذه الحياة. لكن ينبغي عليه من باب التنبيه عباد الله أن يكون هذا السجود سجودا صحيحا لله عز وجل، أن يسجد على سبعة أعظم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أي على الجبهة، وأشار إلى أنفه، أي أنه يسجد سجودا على جبهته وعلى أنفه معا، وعلى يديه، وعلى ركبتيه، وأطراف أصابعه. لا ينبغي له أن يرفع شيئا في سجوده من هذه الأشياء، أو أنه يقصر على هذه السبعة، حتى يكون سجوده سجودا صحيحا. ولا يخترش ذراعيه، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يضم يديه إلى بطنه، فيسجد سجودا صحيحا. فإذا أراد العبد هذا السجود أيضا يسجده لله جل وعلا، يسجده لله، فإنه يأتي يوم القيامة ولا تحرق النار موضع السجود. بل والأعظم من ذلك، أنه إذا سجد لله في هذه الأرض، ينادي مع أهل السجود يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود، فلا يستطيعون. خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة، وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون، يدعون إلى السجود فلا يسجدون. فيوم القيامة لا يستطيعون أن يسجدوا. وكذلك من يسجد رياء وسمعة في هذه الدنيا ونفاقا، فإنه لا يستطيع أن يسجد يوم القيامة. إذا أردت أن تسجد يوم القيامة، فأخلص سجودك لله، واجعله سجودا صحيحا، فإنك تسجد يوم القيامة لله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث الشفاعة: «فيسجد لله عز وجل كل عبد، فيسجد لله عز وجل كل عبد سجد لله في هذه الدنيا، ويريد أن يسجد من يسجد له رياء، فيعود ظهره طبقا كلما أراد أن ينحني يرجع ظهره إلى الخلف، لا يستطيع أن يسجد». وهذا معنى قوله جل وعلا: ﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾، أي لا يستطيعون السجود. فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل السجود والركوع، ومن أهل الطاعات، ويجعلنا من عباده الصالحين. والحمد لله رب العالمين.