الدرس في قبس من السيرة النبوية 16، تابع المراحل المتعلقة بحياته الشخصية عليه الصلاة والسلام . الحوادث التي تمت له قبل بعثته عليه الصلاة والسلام ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
بعد وفاة أم النبي صلى الله عليه وسلم، تكفل جد النبي عبد المطلب برعايته وأحبه حبًا شديدًا. كان عبد المطلب يفضله على أولاده ويعطيه اهتمامًا كبيرًا.
كان عبد المطلب يحب النبي حبًا شديدًا ويعطيه رعاية قصوى، وقد أوصى عند احتضاره بأن تكون رعاية النبي عند أبي طالب بعد وفاته. وردت روايات متعددة تدل على اهتمام عبد المطلب بالنبي.
بعد وفاة جد النبي، انتقلت كفالته إلى عمه أبو طالب الذي رعاه لأكثر من أربعين سنة. خلال هذه الفترة، وقعت أحداث هامة في حياة النبي مثل حرب الفجار وحلف الفضول.
سيتم التطرق إلى رعاية الله وعنايته بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، حيث حفظه الله من الجاهلية. يُرجى من الله أن ينفع بما قيل ويُصلّى على النبي وآله وصحبه.
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيَّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَمُوَاصِلَةً إخْوَانِي فِي اللَّهِ لِمَا مَضَى مِنْ دُرُوسِ السِّيرَةِ، وَهَذِهِ الدُّرُوسُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ مِنْ الدُّرُوسِ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ عَلَى اطِّلَاعٍ بِهَا، فَلَيْسَتْ قَصَصًا تُرْوَى أَوْ حِكَايَاتٍ تُتْلَى بِحَسَبِ، بَلْ هِيَ مِنْهَاجٌ وَكَذَلِكَ نُبْرَاسٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَتَأَسَّى بِحَيَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَمُرَاجَعَةً لِمَا سَبَقَ، وَكَانَ الْكَلَامُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِيمَا مَضَى عَنْ مَا كَانَ مِنْ مَكْثِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي دِيَارِ بَنِي سَعْدٍ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ عَادَاتِ الْعَرَبِ، فَمَكَثَ نَبِيُّنَا فِي طُفُولَتِهِ فِي بَنِي سَعْدٍ عِنْدَ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ، وَفَرِحَتْ بِهِ أَيَّمَا فَرَحٍ، وَبَقِيَ عِنْدَهَا فَتْرَةً مِنْ الزَّمَنِ إلَى أَنْ وَقَعَتْ تِلْكَ الْحَادِثَةُ، وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِحَادِثَةِ شَقِّ الصَّدْرِ، فَخَافَتْ حَلِيمَةُ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَامَتْ وَسَارَعَتْ إلَى إرْجَاعِهِ إلَى أُمِّهِ خَوْفًا عَلَيْهِ. فَمَكَثَ نَبِيُّنَا وَرَجَعَ إلَى أُمِّهِ، لَكِنَّ مَا هِيَ إلَّا بُرْهَةٌ مِنْ الزَّمَنِ حَتَّى أَلَمَّ الْمَرَضُ بِأُمِّهِ إثْرَ رُجُوعِهَا مِنْ يَثْرِبَ مِنْ الْمَدِينَةِ، فَجَاءَتْهَا الْمَنِيَّةُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَقُلْنَا هَذَا الْأَمْرَ بِلَا نِزَاعٍ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ، فَمَاتَتْ أُمُّهُ وَبَقِيَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَتِيمَ الْأَبَوَيْنِ. فَقَامَتْ فِي سِلْكِ الْفَتْرَةِ أُمُّ أَيْمَنَ وَتَكَفَّلَتْ بِإِرْضَاعِهِ وَبِحِضَانَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَانَ جَدُّهُ مِمَّنْ تَكَفَّلَ بِرِعَايَةِ وَكَفَالَةِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَكَمَا قُلْنَا، وَهَذَا مِنْ تَدْبِيرِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا فِي مَنْشَأِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، يَنْتَقِلُ مِنْ مَرْحَلَةٍ إلَى مَرْحَلَةٍ. ﴿وَوَجَدَكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾، فَإِيجَادُ الْمَأْوَى لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَانْتَقَلَ مِنْ حَيَاةِ الْأَبَوَيْنِ وَانْتَقَلَ إلَى حَيَاةِ جَدِّهِ. وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِتَرْجَمَةٍ سَرِيعَةٍ عَنْ جَدِّهِ، وَهُوَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ، وَكَانَ لَهُ أَبْهَةٌ وَعَظَمَةٌ يَعْرِفُهَا الْعَرَبُ جَمِيعًا، وَكَانُوا يَجْعَلُونَ لَهُ الْمَكَانَ الْأَسْمَى وَالْمَقَامَ الرَّفِيعَ فِي الْمَحَافِلِ وَالْمَجَامِعِ. فَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَتَكَفَّلَ بِكَفَالَةِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَتَأَثَّرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِنَبِيِّنَا، حَيْثُ أَنَّهُ أَحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا، قِيلَ ذَلِكَ لِحَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنَّهُ كَانَ يَتِيمَ الْأَبَوَيْنِ، فَرَقَّ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ رِقَّةً عَظِيمَةً، وَقَامَ بِمَحَبَّتِهِ. بَلْ قَالَ الْعُلَمَاءُ، كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، أَنَّهُ قَامَ بِتَفْضِيلِهِ، كَانَ يُفَضِّلُ نَبِيَّنَا حَتَّى عَلَى أَوْلَادِهِ، كَانَ يُفَضِّلُهُ عَلَى أَوْلَادِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ السِّيَرِ، مَا جَاءَ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ مُرْسَلٌ لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ صَحِيحٌ إلَى الزُّهْرِيِّ، كَانَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ غُلَامٌ يَأْتِي وَسَادَةَ جَدِّهِ، وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مِمَّا عُرِفَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ فِرَاشٌ، وَكَانَ يُفْرَشُ لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، وَذَلِكَ مَا يُدَلِّلُ عَلَى أَبْهَتِهِ وَعَلَى سُلْطَانِهِ لَدَى قُرَيْشٍ، يُفْرَشُ لَهُ فِرَاشٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَيَجْتَمِعُ أَبْنَاؤُهُ عِنْدَهُ، أَبْنَاؤُهُ أَحْفَادُهُ، وَكَانُوا كَثْرَةً يَلْتَفُّونَ حَوْلَهُ، وَلَا كَانَ يُقْدِرُ أَحَدٌ أَوْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَتَجَاوَزَ حَدَّهُ، فَيَأْتِي إلَى وَسَادَةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لِأَنَّ هَذَا مَكَانُهُ الْمُعَدُّ لَهُ، لِتَعْظِيمِ النَّاسِ لَهُ. إلَّا أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ فِي صِغَرِهِ لَوْ رُبَّمَا تَخَطَّى هَذَا الْحَدَّ وَجَلَسَ عَلَى وَسَادَةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَكَانَ النَّاسُ وَكَانَ الْأَوْلَادُ وَالْأَحْفَادُ يَأْمُرُونَ بِسَحْبِهِ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ، فَيَأْتِي عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَيَمْنَعُهُمْ وَيَقُولُ لَهُمْ: «دَعُوهُ دَعُوهُ». وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي رَوَاهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ فِيهَا أَنَّ نَبِيَّنَا كَانَ غُلَامًا يَأْتِي وَسَادَةَ جَدِّهِ، فَتَقُولُ الْجَارِيَةُ الَّتِي تَقُودُهُ الَّتِي تُرَبِّيهِ: انْزِلْ عَنْ وَسَادَةِ جَدِّكَ، فَيَنْهَاهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، يَنْهَاهَا. بَلْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ كَانَ يَتَفَرَّسُ فِيهِ الْخَيْرَ، كَانَ يَتَفَرَّسُ فِيهِ الْخَيْرَ. وَأَيْضًا مِنْ اعْتِنَاءِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ السِّيَرِ، وَهِيَ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ، لَكِنَّ بَعْضَهَا يَحْتَاجُ لِنَظَرٍ فِي أَسَانِيدِهَا. لَكِنِّي أَجْمَعَتْ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ كَانَ قَدْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِنَبِيِّنَا وَأَحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَكَانَ يُعْطِيهِ الِاهْتِمَامَ الْكَبِيرَ وَالرِّعَايَةَ الْقُصْوَى. فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ كِنْدِيرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَجَجْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِذَا بِرَجُلٍ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهُوَ يَقُولُ أَيْ يَنْشِدُ شِعْرَهُ وَهُوَ يَقُولُ: «يَا رَبِّ رُدَّ لِي وَلَدِي مُحَمَّدًا، ارْدُدْهُ لِي وَاصْنَعْ عِنْدِي يَدًا وَارْدُدْهُ لِي». قَالَ: يَا رَبِّ رُدَّ لِي وَلَدِي مُحَمَّدًا، ارْدُدْهُ لِي وَاصْنَعْ عِنْدِي يَدًا. فَقَالَ هَذَا الرَّاوِي: فَقُلْتُ لِمَنْ كَانَ بِجَوَارِي مِنْ الْعَرَبِ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ، ذَهَبَ ابْنٌ لَهُ فَأَرْسَلَ ابْنَ ابْنِهِ أَيْ أَرْسَلَ مُحَمَّدًا، قَالَ هَذَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ذَهَبَتْ ابْنٌ لَهُ فَأَرْسَلَ ابْنَ ابْنِهِ فِي طَلَبِهِ، فَاحْتَبَسَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُرْسِلْهُ فِي حَاجَةٍ قَطُّ إلَّا جَاءَ بِهَا. قَالَ: فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى جَاءَ الْوَلَدُ وَجَاءَ بِالِابْنِ، فَقَالَ أَيْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يُخَاطِبُ نَبِيَّنَا: «يَا بُنَيَّ لَقَدْ حَزِنْتُ عَلَيْكَ كَالْمَرْأَةِ حُزْنًا لَا يُفَارِقُنِي أَبَدًا». وَهَذَا الْأَثَرُ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وَقَالَ: صَحَّحَ الْهَيْثَمِيُّ فِي الْمَجْمَعِ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. فَهَذَا يُدَلِّلُ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى كَيْفَ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ كَانَ يَعْتَنِي وَيَهْتَمُّ بِنَبِيِّنَا، بَلْ وَيَخَافُ عَلَيْهِ. وَجَاءَتْ الرِّوَايَةُ فَإِنَّ كَانَ فِي بَعْضِهَا مَقَالٌ، نَبِيُّنَا كَانَ يَخْرُجُ إلَى الْخَارِجِ، فَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَتْبَعُهُ وَيَبْحَثُ عَنْهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ وَيَدْخُلَ إلَى دَاخِلِ الْبَيْتِ، وَيَأْمُرُ الْجَوَارِيَ أَنْ يَهْتَمُّوا وَيَهْتَمِمْنَ بِهِ. وَهَذِهِ كَمَا قَالَ فِي بَعْضِهَا مَقَالَاتٌ، لَكِنْ مَعَ هَذِهِ الْمَجْمُوعِ الرِّوَايَاتِ تَعْلَمُ أَخِي الْمُسْلِمِ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ كَانَ يَهْتَمُّ بِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي صِغَرِهِ. لَكِنَّ مَا هِيَ إلَّا حِقْبَةٌ زَمَنِيَّةٌ بَسِيطَةٌ أَوْ فَتْرَةٌ زَمَنِيَّةٌ بَسِيطَةٌ إلَّا وَأَلَمَّ الْمَرَضُ بِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَيْثُ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنْ الْكِبَرِ عِتِيًّا، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ وَالْمُؤَرِّخُونَ مَتَى مَاتَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ؟ كَمْ لَهُ مِنْ الْعُمُرِ؟ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ اتَّفَقَ عَلَى مَا قَدْ بَلَغَ فِي الْعُمُرِ مَبْلَغًا مِنْهُ، مَنْ قَالَ قَدْ بَلَغَ الْخَامِسَةَ وَالتِّسْعِينَ، وَمِنْهُ مَنْ قَالَ قَدْ تَجَاوَزَ الْمِائَةَ وَالْعِشْرِينَ. الْمُهِمُّ قَدْ بَلَغَ مِنْ الْعُمُرِ عِتِيًّا، وَقَدْ أَلَمَّ بِهِ مَرَضُ الْمَوْتِ. فَلَمَّا احْتُضِرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَلَّى أَجَلَهُ، أَوَّلُ مَا فَكَّرَ وَاهْتَمَّ بِهِ، اهْتَمَّ بِرِعَايَةِ حَفِيظِهِ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، اهْتَمَّ بِهِ، فَأَوْصَى فِي وَصِيَّتِهِ بِأَنَّهُ إنْ مَاتَ تَكُنْ رِعَايَةُ نَبِيِّنَا عِنْدَ أَبِي طَالِبٍ. وَأَبُو طَالِبٍ يَعْتَبِرُ عَمَّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَهُوَ أَبُو الرَّسُولِ، وَأَبَا طَالِبٍ أَخَوَانِ أَخَوَانِ مِنْ أَبٍ لِأُمٍّ، مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ. فَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَقْصِدُ أَبُو طَالِبٍ يَعْتَبِرُ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَبَعْدَ وَبَعْدَ ذَلِكَ تَمَّتْ الْوَفَاةُ وَمَاتَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ آنَذَاكَ قَدْ بَلَغَ الثَّمَانِ سَنَوَاتٍ، قَدْ بَلَغَ الثَّمَانِ سَنَوَاتٍ. وَلَهُ ذِكْرٌ شَيْخُ الْأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَامِشِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ قَالَ: وَرَوَى ابْنُ سَحَاقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعْبَدٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ تُوُفِّيَ وَرَسُولُ اللَّهِ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ، ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ. فَبَعْدَ مَوْتِ الْجَدِّ الَّذِي اهْتَمَّ بِنَبِيِّنَا، انْتَقَلَهُ الْكَفَالَةُ وَالرِّعَايَةُ إلَى عَمِّهِ، وَهُوَ أَبُو طَالِبٍ، وَسَأَتْ مَعَكُمْ إخْوَانِي فِي اللَّهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِحَيَاةِ نَبِيِّنَا فِي كَفَالَةِ عَمِّهِ. وَهَذِهِ الْفَتْرَةُ وَهَذِهِ الْمُدَّةُ طَوِيلَةٌ طَوِيلَةٌ جِدًّا، قَدْ بَلَغَتْ فَوْقَ أَرْبَعِينَ سَنَةٍ، اللَّاتِي جَلَسَهَا نَبِيُّنَا عِنْدَ عَمِّهِ، جَلَسَهَا عِنْدَ عَمِّهِ. وَهَذِهِ الْفَتْرَةُ طَبْعًا وَقَعَتْ فِيهَا الْكَثِيرُ مِنْ الْحَوَادِيثِ، الْكَثِيرُ مِنْ الْحَوَادِيثِ وَالْأَحْدَاثِ الَّتِي تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهَا وَنَبَّهُوا عَلَى أَهَمِّيَّتِهَا، وَلِذَلِكَ عُلُوِّ أَمْرِهَا عِنْدَ الْعَرَبِ، وَالْحَوَادِيثِ التَّارِيخِيَّةِ الَّتِي وَقَعَتْ لِنَبِيِّنَا فِي ظِلِّ حَيَاةٍ عِنْدَ عَمِّهِ، يَطُلُّ بِهَا الْمَقَامُ. لَكِنَّ مِنْ بَابِ التَّبْسِيطِ وَالتَسْهِيلِ وَالتَيْسِيرِ لِهَذِهِ الْفَتْرَةِ أَنْ تُقْسَمَ إلَى قِسْمَيْنِ: حَوَادِيثُ وَقَعَتْ لِنَبِيِّنَا قَبْلَ الْبِعْثَةِ، وَحَوَادِيثُ وَقَعَتْ لِنَبِيِّنَا بَعْدَ الْبِعْثَةِ فِي ظِلِّ هَذَا التَّنْسِيقِ سَنَذْكُرُ هَذِهِ الْحَوَادِيثَ. فَأَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِالْحَوَادِيثِ الَّتِي وَقَعَتْ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَتْرَةِ جُلُوسِهِ عِنْدَ عَمِّهِ قَبْلَ الْبِعْثَةِ، وَهِيَ كَذَلِكَ حَوَادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنْ ذَلِكَ: حَرْبُ الْفِجَارِ، وَحِلْفُ الْفُضُولِ، وَبِنَاءُ الْكَعْبَةِ، وَزَوَاجُهُ مِنْ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، وَكَذَلِكَ السَّفَرُ وَالتِّجَارَةُ، وَهَكَذَا عَمَلُهُ. وَسَيَأْتِي مَعَنَا كَثِيرٌ مِنْ الْمِثَالِ، لَكِنَّ نُمْتَغِي أَنْ نَعْلَمَ كَذَلِكَ أَنَّ نَبِيَّنَا عِنْدَمَا انْتَقَلَ إلَى بَيْتِ عَمِّهِ، كَذَلِكَ كَانَ عَمُّهُ عَلَى خَيْرِ حَالٍ، أَيْ فَرِحَ بِكَفَالَةِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، مَا تَبَرَّمَ وَلَا تَضَجَّرَ، مَعَ أَنَّ عَمَّهُ كَانَ كَمَا يَقُولُ الْعُلَمَاءُ: قَلِيلَ الْمَالِ، كَثِيرَ الْعِيَالِ. أَيْ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْمَالِ وَمِنْ الْمَادَّةِ الَّتِي تَعِينُهُ فِي النَّفَقَةِ، تَعِينُهُ فِي النَّفَقَةِ، بَلْ كَانَ عَلَى فَقْرٍ، وَكَانَ عَلَى ضَنْكٍ. وَسَيَأْتِي مَعَنَا أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ صِغَرِهِ كَانَ يُعِينُ عَمَّهُ، كَانَ يُعِينُ عَمَّهُ فِي أُمُورِ دُنْيَا، يَشْتَغِلُ وَيَعْمَلُ وَيَحْتَرِفُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي ذَلِكَ. وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ سَنَجِلُ كَذَلِكَ أَنَّ نَبِيَّنَا فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ، وَهِيَ الَّتِي تَعْتَبِرُ قَبْلَ الْبِعْثَةِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ مُنْذُ صِبَاهُ أَيْ مُنْذُ صِغَرِهِ إلَى صِبَاهِ إلَى شَبَابِهِ إلَى كِبَرِهِ، فِي كُلِّ هَذِهِ الْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ، كَانَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا يَعْتَنِي كَذَلِكَ بِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. كَانَ جَلّ فِي عُلَاهِ يُرَبِّيهِ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَيُرَبِّيهِ عَلَى أَحْسَنِ الْأَعْمَالِ، مَعَ نَبِيِّنَا كَمَا قُلْنَا: مَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ رَبُّنَا يُبْعِدُهُ عَنْ أَمَاكِنِ السُّوءِ، وَعَنْ أَعْمَالِ السُّوءِ، فَجَعَلَهُ عَلَى أَكْمَلِ وَعَلَى أَحْسَنِ خُلُقٍ وَخَلَقٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. كَمْ كَانَ نَبِيُّنَا بَلْ كَانَ يُصَرِّحُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ فِي الصِّبَا، لَرُبَّمَا هَمَّ بِأَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِذَا بِالْمَانِعِ، فَإِذَا بِالْمَانِعِ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ. نَبِيُّنَا عَاشَ فِي بِيئَةٍ جَاهِلِيَّةٍ، بِيئَةٍ كُفْرِيَّةٍ، قَدْ طَاشَتْ وَفَاحَتْ بِالْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، مَا يَدْخُلُ بَيْتًا مِنْ بُيُوتِ إلَّا وَأَصْنَامٌ قَدْ بُنِيَتْ، مَا يَمُرُّ عَلَى بُيُوتٍ أَوْ عَلَى طُرُقَاتِ مَكَّةَ إلَّا وَفِيهَا الْأَصْنَامُ قَدْ نُصِبَتْ، وَكَذَلِكَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ التَّمَاثِيلُ قَدْ بُنِيَتْ فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَمَعَ ذَلِكَ مَا عَبَدَ نَبِيُّنَا لِلَّاتِ وَلَا الْعُزَّى، حَمَاهُ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا مُنْذُ الصِّبَا أَنْ يَتَلَوَّثَ بِلَوَثَةٍ مِنْ لَوْثَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ. بَلْ ثَبَتَ فِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ: أَنَّهُ قَالَ: «كُنْتُ أَسْتَمِعُ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ يَقُولُ لِخَدِيجَةَ: وَاَللَّهِ لَا أَعْبُدُ اللاتَ وَالْعُزَّى، وَاَللَّهِ لَا أَعْبُدُ اللاتَ وَالْعُزَّى، وَاَللَّهِ لَا أَعْبُدُ أَبَدًا». فَتَقُولُ لَهُ خَدِيجَةُ وَتَرُدُّ عَلَيْهِ: «خَلِّ اللاتَ، خَلِّ الْعُزَّى، خَلِّ اللاتَ وَخَلِّ الْعُزَّى». فَكَانَ هَكَذَا نَبِيُّنَا، نَشَأَ فِي أَحْسَنِ حَالٍ، وَذَلِكَ بِرِعَايَةِ الرَّبِّ جَلّ فِي عُلَاهِ. وَسَأَتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ مَعَكُمْ فِي دُرُوسٍ قَادِمَةٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْحَقْبَةِ الزَّمَنِيَّةِ، وَكَذَلِكَ النَّظَرُ إلَى رِعَايَةِ اللَّهِ وَعِنَايَتِهِ جَلّ فِي عُلَاهِ فِي حَقِّ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ قَبْلِ الْبِعْثَةِ، كَفَّهُ وَحَمَاهُ وَمَنَعَهُ وَحَفِظَهُ مِنْ أَنْ يَتَلَوَّثَ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْكَارِهِمْ أَوْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ أَوْ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ. فَأَسْأَلُ مَوْلَى جَلّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.