غربة أهل الإسلام

الخطبة بعنوان غربة أهل الإسلام، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 10 جمادى الأولى 1445هـ الموافق 24 نوفمبر 2023م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

غربة الإسلام في بدايته وبشارة الغرباء بالطوبى

يستعرض الخطيب حديث «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً» مبيناً أن الغرباء هم المصلحون عند فساد الناس، ويسرد بداية الدعوة السرية في مكة وما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أذى وتعذيب. ويؤكد المقطع بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بالنصر والتمكين للغرباء وأن العاقبة للمتقين.

وعد التمكين وأسباب وهن الأمة وبشرى النصر المشروط

يستعرض المقطع وعد الله بالاستخلاف والتمكين للمؤمنين، مبينًا أن واقع الضعف والهوان سببه فتنتا الشبهات والشهوات وما نتج عنهما من غثائية ووهن في القلوب. ويختم بالبشارة بالنصر والتمكين المشروط بالعودة الصادقة إلى الدين، مستدلًا بحديث القتال الأخير مع اليهود كدليل على العاقبة الحسنة لأهل الإيمان.

الدعاء الختامي على الغاصبين والصلاة على النبي

يحتوي المقطع على دعاء يطلب من الله تعالى أن ينزل بأسه على اليهود الغاصبين والصهاينة المجرمين، وأن يفرق جمعهم ويشتت شملهم ويخالف بين قلوبهم. ويختتم الدعاء بالصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.

  • 12 جمادى الأولى 1445هـ - 24/11/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، أخرج الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال: قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء، فطوبى للغرباء». وجاء في رواية خارج الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الغرباء، قال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس، الذين يصلحون إذا فسد الناس». وجاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد والطبراني، وصححه العلامة الألباني رحم الله الجميع، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طوبى للغرباء، طوبى للغرباء». قالوا: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أناس صالحون قليل في ناس سوء كثير، من يعصهم أكثر ممن يطيعهم». أيها المسلمون، عباد الله، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الدين وبدايته، وعن غربة أهله، فقال عليه الصلاة والسلام: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء». وطوبى: قيل هي الجنة، وطوبى: قيل أنها شجرة في الجنة، وطوبى: قيل هي الحياة الطيبة والعيش الطيب. بدأ الإسلام غريبًا، فقد بعث الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام في مجتمع جاهلي، وفي مجتمع يعيش حياة مظلمة وحياة تعيسة، هي أشبه ما تكون بحياة الوحوش في أدغال الغابات، وحياة الحيتان في أعماق البحار، فقويهم يأكل ضعيفهم، وغنيهم يستغل ويستبد فقيرهم. انتشرت عادات سيئة وصفات ذميمة في ذلكم المجتمع الذي وصفه ربنا عز وجل بقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، دعا نبينا عليه الصلاة والسلام أول ثلاث سنوات دعوة سرية، والسبب في ذلك أن قريشًا لو علمت أو أحست بهذه الدعوة المباركة لحاولت أن تقضي عليها منذ بدء ظهورها وهي في مهدها. فدعا عليه الصلاة والسلام أقرب الناس إليه، فأسلمت زوجته خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي أول من أسلم من النساء. وهكذا أسلم ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو أول من أسلم من الصبيان. وأسلم صديقه الحميم وصاحبه الوفي أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو أول من أسلم من الرجال. وهكذا أسلم مولاه زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو أول من أسلم من الموالي. ثم بدأ الناس يدخلون في الإسلام، فأسلم الزبير بن العوام، وأسلم سعد بن أبي وقاص، وأسلم طلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وغيرهم من السابقين الأولين، ومن العشرة المبشرين بالجنة. ثم بعد ثلاث سنوات أمر نبينا عليه الصلاة والسلام بأن يصدع بهذا الدين: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. فجعل عليه الصلاة والسلام يدعو الناس جهارًا، يدعو الناس جهارًا. لكنها غربة، وأيما غربة عاشها نبينا صلى الله عليه وسلم وعاشها المسلمون معه. أخرج الإمام أحمد في مسنده، وهكذا ابن خزيمة في صحيحه، من حديث طارق المحاربي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال: طارق: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مر بسوق ذي المجاز، وعليه حلة حمراء، وعليه حلة حمراء، وهو يقول: «يا أيها الناس، يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». قال: وهو يقول: «يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». قال: ورجل يتبعه يرميه بالحجارة، قد أدمى عقبيه وكعبيه. قال: ورجل يتبعه يرميه بالحجارة، قد أدمى عقبيه وكعبيه، وهو يقول: «يا أيها الناس، لا تطيعوه، إنه كاذب، يا أيها الناس، لا تطيعوه، إنه كاذب». قال طارق: قلت: من هذا؟ قالوا: هذا غلام بني عبد المطلب، يعنون النبي صلى الله عليه وسلم. قال: قلت: من هذا الذي يتبعه يرميه بالحجارة، قد أدمى عقبيه وكعبيه؟ قالوا: هذا عمه عبد العزى أبو لهب، هذا عمه عبد العزى أبو لهب. أي غربة هذه يا عباد الله؟ بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء. جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث عمرو بن عبسة السلمي رضي الله تعالى عنه، قال عمرو: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأصنام، وهم يعبدون الأصنام. قال: فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا. قال: فقعدت على راحلتي حتى أتيت مكة. قال: فرأيت رجلًا، قال: فرأيت رجلًا مستخفيًا، جرأ عليه قومه. بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء. قال عمرو بن عبسة: قال فتلطفت حتى دخلت عليه، ثم قلت له -أي للنبي صلى الله عليه وسلم-: فقلت له: ما أنت؟ قال: «أنا نبي». قلت: وما نبي؟ قال: «أرسلني الله». قلت: وبما أرسلك؟ قال: «أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يعبد الله ولا يشرك به شيئًا». قال: قال عمرو بن عبسة: قلت له: من معك على هذا الأمر؟ من معك على هذا الأمر؟ قال: «حر وعبد، حر وعبد». تأمل يا رعاك الله غربة أهل الإسلام منذ بداية الرسالة وفجر النبوة. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: خرج أبو جهل يومًا على أصحابه -أي عند المسجد الحرام- فقال أبو جهل: أيكم يذهب إلى بيت فلان فيأتي بسلاء جزورهم فيضعه على ظهر محمد إذا هو سجد؟ وسلاء الجزور: الأوساخ والدماء التي تخرج من جوف الناقة. قال: فيضعه على ظهر محمد إذا هو سجد. قال: فانبعث لها أشقى القوم، عقبة بن أبي معيط. فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعها على ظهره الشريف، فما استطاع أن يرفع رأسه عليه الصلاة والسلام. قال ابن مسعود: وأنا واقف أنظر، ولو كان بي قوة لدفعت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: حتى ذهب إنسان فأخبر ابنته فاطمة، قال: فأتت وهي جويرية، فدفعت الأذى عن أبيها، ثم جعلت تسبهم، ثم جعلت تسبهم، والقوم يتضاحكون، حتى جعل بعضهم يميل على بعض، أي من شدة الضحك. فلما انصرف عليه الصلاة والسلام من صلاته، قال: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش». فلما سمعوا دعوته أمسكوا عن الضحك، وخافوا أن تصيبهم دعوته. ثم قال: «اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وبعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط». قال ابن مسعود: وذكر السابع فلم أحفظه. قال ابن مسعود: فوالذي بعث محمدًا بالحق، لقد رأيت هؤلاء الذين سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى يوم بدر، حتى سحبوا إلى قليب بدر. بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ. قال خباب بن الأرت، وحديثه في صحيح البخاري: قال: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له تحت ظل الكعبة، فقلنا: ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لقد كان من قبلكم يؤخذ الرجل منهم فيحفر له في الأرض، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع في مفرق رأسه فيجعل نصفين، ويؤتى بأمشاط الحديد فيمشط ما بين لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون، ولكنكم قوم تستعجلون». كان عليه الصلاة والسلام يمر بمكة، وعمار بن ياسر يعذب، وأبوه وأمه يعذبان، فيقول: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة، صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». كم عذب بلال في رمضاء مكة، يسحب على ظهره، يسحب على ظهره، ويوضع الحجر الكبير على بطنه وصدره، وهو يقول: «أحد، أحد». ثم كان يقول بعد ذلك: قال: «لو أعلم كلمة كانت تغيظهم أكثر من هذه الكلمة لقلتها لهم». وهكذا كان يعذب خباب، وهكذا كان يعذب صهيب، وهكذا كان يعذب غيرهم. بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء. أسأل المولى جل علاه أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. الحمد، الحمد لله رب العالمين. أشهد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. رب العالمين، له الحمد، له الحمد في الأولى والآخرة، له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضا رضا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، وبعد هذه الغربة، فقد وعد الله عز وجل أهل الإسلام وأمة التوحيد والإيمان بالنصر والظفر والتمكين والسيادة. قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ * وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلِيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلِيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وقال سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. وجاء في حديث تميم الداري في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ما بلغ الليل والنهار، حتى لا يدع بيت مدر ولا بيت وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام وأهله، وذلًا يذل الله به الكفر وأهله». أيها المسلمون، عباد الله، قال عمر رضي الله تعالى عنه: «إنا كنا أذل قوم، إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بهذا الإسلام، فأعزنا الله بهذا الإسلام، فما تبتغون العزة بغيره أذلنا الله، أذلنا الله». وقد ابتل الله عز وجل أمة الإسلام بفتنتين عظيمتين، كانتا هما سبب الضعف وسبب الوهن وسبب الحال التي يعيشها أهل الإسلام اليوم. هما فتنتا... هما فتنتا الشبهات، الشبهات، والشهوات. شبهات مضلة فرقت الأمة ومزقت المسلمين، وشهوات محرمة جعلت المسلم، إلا من رحم الله، لا يهتم إلا بها. وقد جاء في حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، كما تداعى الأكلة... وحوش مفترسة وكلاب ضارية تجتمع على فريسة، هكذا اجتماع أهل الكفر اليوم على أمة الإسلام. يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: «لا، بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور أعدائكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن». قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت». أرأيتم؟ وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء. أرأيتم تكالب أعداء الإسلام اليوم من يهود ونصارى ومشركين على أمة الإسلام؟ هل هم يهابوننا أبدًا؟ هل يخافون منا أبدًا؟ لماذا؟ بسبب الغثائية الموجودة في أوساطنا، معاشر المسلمين. كم من المسلمين لا يصلي؟ وكم من المسلمين لا يصوم؟ وكم من المسلمين من يسب الرب والدين ويستهزئ بالدين؟ كم من المسلمين من يدعو الأضرحة والقبور، ويتمسح بالأموات، ويتمسح بالأموات؟ كم من المسلمين من يعلقون الحروز، ويعلقون التمائم، ويذهبون إلى السحرة والمشعوذين والكهنة والعرافين؟ كم من المسلمين من يتعاملون بالربا ولا يتورعون عن اللواط والزنا؟ كم هي المظالم المتفشية في أوساط المسلمين؟ زرعت في المسلمين غثائية كانت سببًا لضعفهم، وسببًا لعدم هيبة المشركين منهم. وما واقع إخواننا بفلسطين إلا شاهد واضح وبرهان صاطع على استخفاف ملل الكفر واجتماعهم على أهل الإسلام. أمريكا، عجل الله بزوالها، ما تبالي، تصرح جهارًا نهارًا بدعمها لليهود المجرمين والصهاينة الظالمين بالمال والعتاد والرجال وغيرها، ومعهم الكفار من اليهود والنصارى والمشركين. ما يهابوننا؟ لماذا؟ بسبب الوهن الذي في قلوب الكثير من المسلمين. ولهذا، أهل الإسلام اليوم غرباء بين ملل الكفر، وأهل السنة، وأهل السنة غرباء اليوم بين أهل الإسلام، يرمونهم بالتشدد، ويرمونهم بالغلو، ويحذرون منهم، ويحذرون منهم. فما أعظم غربة الدين اليوم! لربما البعض يعيش غريبًا في بلده، ويعيش غريبًا في مسجده، بل ولربما غريبًا في بيته. إذا دخل إلى البيت قالوا: ها دخل المطع، دخل المطع، ويش معك يا مطوع؟ ويستهزئون، وتارة يضحكون من لحيته، وتارة يسخرون من ثوبه، وتارة يسخرون من سواكه، إلى غير ذلكم. غربة يعيشها أهل الإسلام. وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء. لكن أبشر يا أهل الإسلام، فإن الله عز وجل قد وعدنا بالظفر، ووعدنا بالتمكين، ووعدنا بالقوة. لكن متى؟ إذا رجعنا إلى ديننا، إذا ذهبت الغثائية عنا. كان سلفنا يقاتلون، وكان الموت أحب إليهم من الحياة. كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. ولهذا، متى سننتصر على اليهود؟ إذا رجعنا إلى ديننا، إذا رجعنا إلى ديننا وأصلحنا أمرنا، عندها سيعود لهذه الأمة قوتها وعزها وتمكينها. قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين عن أبي هريرة: «لا تقوم الساعة، لا تقوم الساعة، حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيختبئ اليهودي خلف الحجر والشجر، فيقول الشجر والحجر: يا مسلم، ليس يا عربي، ولا يا فلسطيني، ولا يا مصري، ولا يا يمني، يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، تعال فاقتله». قال: «إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود». فأسأل المولى جل في علاه أن يثبتنا على هذا الدين حتى نلقاه. اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، وأذل الكفر والكافرين، أعداءك أعداء الدين. اللهم احفظ إخواننا المستضعفين من المؤمنين في كل مكان. اللهم احفظهم في فلسطين وغزة. اللهم سدد رميهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم واجمع كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين. اللهم تقبل موتاهم، وداوي جرحاهم، وعافي مبتلاهم. اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين. اللهم عليك باليهود الغاصبين، اللهم عليك بالصهاينة المجرمين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك. اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، وخالف بين قلوبهم، وأنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم الظالمين، يا عزيز يا جبار، فإنهم لا يعجزونك. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.