نصائح النبي القرشي لمن يبيع ويشتري

نصائح النبي القرشي لمن يبيع ويشتري

الخطبة بعنوان نصائح النبي القرشي لمن يبيع ويشتري، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 13 ربيع الأول 1447هـ الموافق 5 سبتمبر 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الصدق والأمانة في البيع والشراء والنهي عن الغش والحلف الكاذب

تؤكد الخطبة على وجوب الصدق والبيان في المعاملات التجارية، مبينة أن الصدق يجلب البركة بينما الغش والكتمان يمحقانها. كما تحذر من الحلف الكاذب عند البيع وتذكر عقوبته الشديدة يوم القيامة، وتبيّن واجب ولاة الأمر في مراقبة الأسواق ومعاقبة الغشاشين.

خطر الدين وأهمية سداده في الإسلام

يؤكد المقطع على خطورة الاستدانة بغير ضرورة، وأن الدين يحبس صاحبه عن الجنة ويعرضه للعذاب حتى يُقضى. وتستدل الأحاديث النبوية على وجوب سداد ديون الميت قبل توزيع الميراث، وتحث المسلم على التحرز من الديون الكمالية والتساهل في المطالبة بحقوقه المالية.

سداد دين الميت ووجوب السعي فيه

يحث الحديث على سعي المسلم في قضاء دين أخيه الميت، سواء بالإنفاق من ماله إن كان موسراً أو بالشفاعة والسعي في قضائه إن كان معسراً. وتؤكد النصوص على عظمة أمر الديون ووجوب الاهتمام بها وعدم التهاون فيها.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن كل أحدٍ منا يحتاج إلى ما في أيدي غيره، ولا يمكن أن يتحصل عليه إلا بالشراء أو بالبيع، فينبغي للمسلم أن يطيب كسبه، وأن يحذر من الوقوع في الظلم والإثم في بيعه وشرائه. ولذلك جاءت النصائح النبوية والتوجيهات المحمدية التي ترشد المسلم إلى أن يبيع ويشتري بيعًا مباركًا طيبًا. فمن تلك النصائح يا عباد الله، ومن تلك التوجيهات، ما جاء في الصحيحين من حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحِقَتْ بركة بيعهما». فهذا الحديث يا عباد الله يبين فيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وجوب الصدق في البيع والشراء، وأن الصدق في البيع والشراء من أسباب البركة في الرزق، فيجب للبائع وللمشتري كذلك أن يبين وأن ينصح في بيعه وشرائه، فلا يكتم السعر الحقيقي لهذه السلعة، أو يذكر سعرًا لا يناسبها، أو لم يشترها به، فينبغي عليه أن يبين ثمن أسعاره حتى لا يوقع إخوانه في الظلم وفي الغرر. وهكذا من البيان أن يحذر من الغش في بيعه وشرائه، فلا يكتم العيوب، ولا يظهر الطيب من السلع ويخف الرديء، فكل ذلك من الغش الذي حذر منه نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة عند مسلم: مر على صبرة طعام، أي على كوم من الطعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال لصاحب الطعام: «ما هذا؟» فقال: أصابته السماء يا رسول الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ من غش فليس مني، من غش فليس مني». فلا يجوز إخفاء العيب، أو إظهار البضاعة الطيبة في الأعلى وإخفاء البضاعة الرديئة في الأسفل حتى لا يراها المشتري فيظن أن البضاعة كلها طيبة. وهكذا يا عباد الله في هذا الحديث، حديث أبي هريرة المتقدم، أنه يجوز للحاكمين أن يخرج إلى أسواق المسلمين، وأن يؤدب الغشاشين، وأن ينصح لهم. فهذا نبي عليه الصلاة والسلام يخرج بنفسه، ويتأكد من صحة طيب هذا الطعام، فيضع يده فيه، فيجوز لولي الأمر أو من يفوضه أو يوكله أن يخرج إلى أسواق المسلمين، وأن يراقب بيعهم وشراءهم، وأن يزجر الغشاش منهم. وهكذا يا عباد الله، من عدم الصدق في البيع والشراء الحلف بالأيمان الكاذبة، فهذا جرم وذنب كبير، جاءت فيه العقوبات الخطيرة الكثيرة. جاء في صحيح الإمام البخاري من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يكلمهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». قال أبو ذر: يا رسول الله، من هم؟ خابوا وخسروا. قال أبو ذر: فكررها النبي صلى الله عليه وسلم مرارًا، وأبو ذر يقول: من هم يا رسول الله؟ خابوا وخسروا. فقال عليه الصلاة والسلام: «المسبل إزاره، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». المنفق سلعته بالحلف الكاذب: والله إني اشتريتها بكذا وكذا وهو لم يشترها بهذا السعر، والله إنها طيبة وهي ليست بطيبة، والله إنها جيدة وهي ليست بجيدة. يحلف الأيمان من أجل أن ينفق هذه السلع، ويظن أنه يكسب المال بذلك، بل يخسر المال بذلك بمحق بركة هذا البيع لأنه قائم على الكذب. ففي هذا الحالف أربع معاصٍ: المعصية الأولى الحلف الكاذب، والمعصية الثانية الغش، والمعصية الثالثة أكل مال أخيه المسلم بغير حق، والمعصية الرابعة الاستهانة بحق الله عز وجل حيث قل تعظيمه لله بأن حلف باسمه في هذا الحلف الكاذب. ولا حول ولا قوة إلا بالله. فالحذر الحذر يا عباد الله من هذا المسلك الخطير. وهكذا يا عباد الله، في حق المشتري ينبغي عليه ألا يكذب، وألا يحتال، وألا يمكر في بيعه وشرائه، وذلك بأن يبخس البائع حقه، أو بأن يعرف السلعة ثم يخطئ المشتري فيشتري هذه السلعة بثمانٍ بخسٍ لخطأ ذلكم البائع. فيحذر المسلم من تلك الحيل. وقد جاء عند ابن حبان وغيره، ويصححه العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غشنا فليس منا، والمكر والخديعة في النار». من مكر بأخيه في بيعه وشرائه، أو خانه، ولم يصدق معه، فهذا العمل يؤدي به إلى نار جهنم والعياذ بالله، يؤدي به إلى نار جهنم والعياذ بالله. فاحذر يا عبد الله من أن تغرك الدنيا، وأن تكسب مالاً بغدر أو بخيانة أو بكذب أو بغرر أو بظلم، فكل ذلك مما سيندم صاحبه حين يرى يوم القيامة الأوزار العظيمة نتيجة هذا الظلم وهذه الخيانة والمكر. فاتقوا الله يا عباد الله، وطيبوا مكاسبكم، واتقوا ربكم، واعلموا أن البركة من الله، وأن العبد إذا صدق وإذا يسر على إخوانه بارك الله له في رزقه وماله. أخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «رحم الله امرأً سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى». ومعنى "سمحًا": السماحة هي التسهيل، وكذلك التنازل عن بعض المكاسب أو عن بعض الربح. فبهذا التسامح يرحمك الله، دعوة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لأن الحديث قيل أنه خرج مخرج الإخبار: "رحم الله امرأً"، أي أن الله يرحم هذا المتسامح في بيغه وشرائه. وقيل بل خرج مخرج الدعاء، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لهذا المتسامح في بيغه وشرائه بأن يرحمه الله. وإذا رحمك الله فمن الرازق ومن المدبر والمتصرف في عباده وخلقه؟ إنه الرحيم، إنه الرؤوف. فعليك يا عبد الله أن تتمعن هذه المعاني وأن تستشعرها، فكن سمحًا في بيعك، وذلك بالتنازل والتسهيل، وبعدم الشدة في بيعك، أو الإمساك على البضاعة من أجل أن تزيد في سعرها، وهذا هو الاحتكار الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: «لا يحتكر إلا خاطئ»، أي إلا آثم. والاحتكار كما يقول العلامة ابن العثيمين له صورتان: الصورة الأولى أن يمتنع تمامًا عن بيع البضاعة التي في حوزته رجاء أن يرتفع سعرها، فيمنع الناس من أقواتهم طمعًا في زيادة الأسعار. ونوع آخر وهو أن يمتنع عن البضاعة لأنه يطالب بسعر مرتفع، يطالب الناس أن يشتروا منه بسعر مرتفع، فإذا لم يشتروا بهذا السعر أمسك عنهم البضاعة جشعًا وطمعًا. ولا حول ولا قوة إلا بالله. فلا يحتكر إلا خاطئ، أي إلا آثم. نسأل الله أن يغفر لنا وأن يرحمنا. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سمحًا إذا اشترى»، أي كذلك ينبغي للمشتري أن يكون سمحًا في بيعه وشرائه، فلا يبخس الناس حقهم، ولا يطالب بشراء البضاعة بأقل من سعرها، بل يعطي الناس حقهم، ويوفي الناس حقوقهم، ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سمحًا إذا اقتضى»، أي إذا طالب بحقه ممن داينهم، فينبغي أن يكون سمحًا معهم، فينظر المعسر، ويتجاوز عنه، ويضع عن المعسر. فلذلك يا عباد الله، ينبغي للمسلم أولاً في بيعه وشرائه ألا يتساهل في أمر الديون، وأن يحرص ألا يستدين إلا في حال الضرورة القصوى أو الحاجة الملحة في الأمور المهمة، وليحذر من أن يتساهل في أمر الدين فيأخذ أموال الناس في أمور كمالية، في أمور كمالية ليست بضرورية. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري: «من أخذ أموال الناس يريد أداها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله». فإذا علم العبد من نفسه أن هذا الدين يثقل كاهله ولا يستطيع سداده، وفي أمر ليس بذاك المهم، فلا ينبغي له أن يستدين، فإنه يخاطر بنفسه. فأمر الدين يا عباد الله أمر عظيم جليل. جاء عند ابن ماجه من حديث سعد بن الطويل رضي الله تعالى عنه أن أخًا له مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالاً، فأراد أن ينفق هذا المال في عياله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أخاك محبوس بدينه، إن أخاك محبوس بدينه، فأدِّ عنه دينه». فذهب هذا الرجل وأدى عن أخيه دينه. فالدين يا عباد الله لأهميته مقدم على الورثة، لا يعطى الورثة من مال الميت حتى يقضى ما عليه من دين، لأنه يحبس بهذا الدين. وجاء أيضًا عند أبي داود من حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه أنه قال: صلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على رجل، ثم بعدما صلى قال: «أهل من أهله من أحد؟» فلم يتكلم أحد، وكانت صحابة رضي الله تعالى عنهم هيبة للنبي عليه الصلاة والسلام، إذا تكلم أو سأل سكتوا. ثم بعد الثالث قام رجل يجر ثوبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما منعك أن تجيبني في أول مرة؟ ألا إنني لم أناد عليك إلا في خير. إن هذا الميت عليه دين، أو إن هذا الميت مأسور بدينه عن الجنة، مأسور بدينه عن الجنة، فإما أن تفكوا أسره، وإما أن تسلموه إلى عذاب الله، وإما أن تسلموه إلى عذاب الله». انظروا يا عباد الله: مأسور، محبوس، مقيد عن الدخول إلى الجنة بسبب هذا الدين. وجاء أيضًا عند الإمام أحمد وغيره من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أنه أتي برجل في موضع الصلاة في مسجد رسول الله، أو في المصلى الذي يصلي فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَلَ ميتكم هذا دين؟» قالوا: نعم يا رسول الله، عليه ديناران. فقال: «صلوا على صاحبكم». أبى عليه الصلاة والسلام أن يصلي عليه، لا لكفره ولا لنفاقه، وإنما زجرًا لأمثاله أن يتساهلوا في أمر الديون. فقال عليه الصلاة والسلام: «صلوا على صاحبكم». قال جابر: فقام رجل منا يقال له أبو قتادة، فقال: يا رسول الله، علي الديناران، علي الديناران. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مشددًا ومؤكدًا عليه وجوب سداد هذا الدين: «عليك الديناران، ومن مالك، والميت منهما بريء؟» قال: نعم يا رسول الله. فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم في اليوم الثاني لقي يا رسول الله أبا قتادة، وقال له: «ما صنعت الديناران يا أبا قتادة؟ هل قضيت عن هذا الميت الدينارين؟ ما صنعت الديناران يا أبا قتادة؟» قال: يا رسول الله، إنما توفي بالأمس. علي الديناران يا رسول الله. ثم أتاه النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني فلقي أبا قتادة، فقال: «يا أبا قتادة ما صنعت الديناران؟» فقال أبو قتادة رضي الله عنه: قد قضيت عنه يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: «الآن بردت عليه جلده، الآن بردت عليه جلده». أي كان يعذب بسبب هذا الدين، فلما قضي عنه رفع عنه هذا العذاب. وفي هذا الحديث يا عباد الله أن المسلم إذا علم أن على أخيه الميت دينًا أن يسعى في سداده، أن يسعى في سداده، إن كان موسرًا فمن عنده، وإن كان معسرًا فبالشفاعة له، وبالسعي لقضاء دينه. فأمر الديون عظيمة يا عباد الله. وهكذا ينبغي لمن يدينون