الخطبة بعنوان الحث والنشر على اغتنام مابقي من العشر، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 3 ذو الحجة 1446هـ الموافق 30 مايو 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض الخطيب فضائل الأيام العشر من ذي الحجة مع التركيز على يوم عفة كيوم عتق من النار وإجابة دعاء، ويوم النحر كأفضل الأيام وعيد للمسلمين، مستنداً إلى الأحاديث الصحيحة وآثار الصحابة.
يبيّن أن يوم النحر أفضل أيام العام ويجتمع مع الجمعة هذا العام، داعياً لاغتنامه بالتكبير والذبح، ثم يفصل في مشروعية الأضحية ورأي الجمهور في استحبابها المؤكد ورأي الحنفية وابن تيمية وابن عثيمين في وجوبها، مؤكداً أفضلية الذبح عن التصدق بالثمن.
يذكر شروط الأضحية الصحيحة من حيث الوقت بعد صلاة العيد إلى آخر أيام التشريق، والسن المعتبر، وسلامة العيوب المانعة، ويوضح أحكام التشريك في الإبل والبقر بسبعة وعدم جوازه في الغنم، مع التنبيه على أن أفضل الأضحية أنفسها ثمناً.
يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله فيه بلوغ الأيام المباركة، وعز الإسلام والمسلمين، والمغفرة والرحمة، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إنكم تعيشون أفضل أيام الدنيا، إنها الأيام الأول من ذي الحجة، والقادم منها يا عباد الله أفضل وأعظم، فأنتم قادمون يا عباد الله على يوم عرفة، وما أدراك ما يوم عرفة؟ ذلكم اليوم الذي تقال فيه العثارات، وتقفر فيه الزلات، وتعتق رقاب المسلمين والمسلمات، وتستجاب فيه الدعوات. أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟». وهكذا يا عباد الله، الصيام في هذا اليوم آكد، وهو من أعظم الأيام التي يستحب فيها الصيام، لما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صيام يوم عرفة: «فإني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده». فيا له من أجر عظيم، ويا له من أجر كبير، فينبغي للمسلم أن يحرص على صيامه، وأن يحث أهله وأولاده على صيام ذلك اليوم. أيها المسلمون، عباد الله، يوم عرفة يوم تستجاب فيه الدعوات، كما جاء عند الترمذي من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». يوم عرفة يا عباد الله يوم عيد للمسلمين، فقد جاء من حديث أبي أمامة عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، عيدنا أهل الإسلام». يوم عرفة يا عباد الله يوم أكمل الله عز وجل فيه الدين وأتم به النعمة، فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما أن يهوديًا جاء إلى عمر بن الخطاب وقال: يا أمير المؤمنين، إن آية في كتابكم لو أنزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، فقال له عمر: ما هي هذه الآية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: والله إني لأعلم أين نزلت ومتى نزلت، نزلت والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة يوم الجمعة. أيها المسلمون، عباد الله، وإنكم قادمون بعد يوم عرفة على يوم النحر، يوم عيد الأضحى، الذي هو من أفضل الأيام عند الله، وقد أخرج أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن قرط رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر». وقد بينا شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله ترتيب هذه الأيام في الأفضلية، فقد سُئل في مجموع فتاويه عن أيهم أفضل: يوم الجمعة أو عرفة أو النحر أو الفطر؟ فقال رحمه الله تعالى: «أفضل أيام الأسبوع يوم الجمعة باتفاق العلماء، وأفضل يوم العام يوم النحر، وقيل يوم عرفة، والصحيح الأول»، أي أنه يوم النحر، ثم دلل على ذلك فقال: «فقد جاء في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر»، ثم قال رحمه الله: «وهو يوم الحج الأكبر»، أي يوم النحر، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، لأن هذا اليوم فيه من الأعمال ما لا يعمل في غيره: كرمي الجمرة الكبرى وحدها، والمبيت، والوقوف بمزدلفة، والنحر، والحلق، وطواف الإفاضة. ففي هذا العام يا عباد الله سيجتمع لنا في عيد الأضحى أفضل أيام الأسبوع وأفضل أيام العام، سيجتمع لنا فيه يوم الجمعة وكذلك يوم النحر، فهنيئًا هنيئًا يا عباد الله لمن وفق لتعظيم الله عز وجل بالتكبير والتهليل، وبالتقرب إليه بالذبح والنسك، وبجميع الأعمال الصالحة، فأين المشمرون؟ وأين المتسابقون؟ وأين المجدون المجتهدون؟ فإنها والله نفحات عظيمة من نفحات ربنا سبحانه وتعالى، ألا فتعرضوا لنفحات ربكم، وإياكم ثم إياكم من الغفلة ومن الانشغال بغير الذكر والطاعة. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، أقول قولي هذا وأستغفر الله. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، اعلموا أن من أعظم العبادات والقربات التي يتقرب بها المسلم في يوم النحر ذبح الأضحية، فقد قرنها الله سبحانه وتعالى في موضعين من كتابه بآية الأمر بالصلاة، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾. وهكذا يا عباد الله، فإن من حكم هذه الشعيرة التوسعة على الأهل والعيال، ومن حكم هذه الشعيرة كذلك مواساة الفقراء والمساكين والمحتاجين حتى يشاركوا إخوانهم في فرحة هذا العيد، ولذلك أمر الله عز وجل بالتصدق من الهدي والأضحية، فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. وهكذا في أول الأمر نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الادخار في الأضحية، ثم رخص بذلك، ثم قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث عائشة: «كلوا وادخروا وتصدقوا». ولذلك ذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد على وجوب التصدق بشيء من هذه الأضحية، وما ذاك إلا من أجل تحقيق هذا المعنى من معاني الأخوة ومن معاني المواساة. وأنتم تعلمون أيها المسلمون، عباد الله، ما يعانيه كثير منا في هذا الزمن من قلة ذات اليد، ومن الغلاء الفاحش الذي منع كثيرًا من الناس أن يشتري هذه الأضحية، بل أن يشتري كيلووات من اللحم يأكلها مع أولاده، فينبغي علينا في مثل هذه الأحوال وفي مثل هذه الظروف أن نحقق معنى الأخوة، وأن يتصدق غنينا على ضعيفنا وفقيرنا، على ضعيفنا وفقيرنا. ولذلك فإن الأضحية مشروعة بالكتاب والسنة، وقد اختلف العلماء في حكمها، فجمهور أهل العلم على أنها مستحبة استحبابًا أكيدًا لمن قدر عليها، وذهب أبو حنيفة وجمع من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره على وجوب الأضحية، وقد حقق ذلك العلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله فقال رحمه الله تعالى: «وسلوك سبيل الاحتياط في هذه الأضحية لمن قدر عليها هو الأفضل، هو الأفضل، قال: لأن في ذلك تعظيم الله وذكره، وإبراء للذمة باليقين، للذمة باليقين». فمن قدر على هذه الأضحية ووسع الله عليه فلا يتركها، فإنه ما تقرب إلى الله عز وجل في مثل تلك الأيام بمثل ذبح الأضحية والتقرب إلى الله عز وجل بهذه العبادة العظيمة الجليلة، حتى نص العلماء أن ذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها، وأن من دفع أضعاف الأضحية لا تغني ولا تجزي عن ذبح الأضحية، كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى حيث قال: «فلو تصدق بدم التمتع أو القران بأضعاف أضعاف القيمة لم يقم مقامها، وكذلك الأضحية»، انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وحتى تكون هذه الأضحية صحيحة على وفق شرع الله عز وجل، اعلم أن لها شروطًا، اعلم أن لها شروطًا، فمن شروط الأضحية يا عباد الله أن تذبح في الوقت المحدد لها شرعًا، ووقتها بعد صلاة العيد إلى آخر أيام التشريق، أي أن وقتها أربعة أيام، لك أن تذبح في أيها شئت فهي من الأضحية، نعم، والدليل على ذلك ما جاء من حديث جندب بن سفيان في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح». وهكذا جاء في حديث البراء عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين، وأصاب سنة المسلمين». فلا تذبح قبل الصلاة، بل بعد أن ينتهي الإمام من الصلاة يشرع لك حينئذ الذبح. وهكذا عباد الله، من شروط هذه الأضحية أن تكون بالغة السن المحددة شرعًا، وسن الأضحية الثني كما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن». والمسنة هي الثني من الإبل والبقر والغنم، والثني من الإبل ما أكملت خمس سنوات، ومن البقر ما أكملت سنتين، ومن الغنم ما أكملت سنة، والمراد بالغنم هنا الماعز، وأما الضأن فالجذعة منه تكفي، وهي ما بلغت ستة أشهر على قول جماعة من أهل العلم، فاحرص على أن يكون سن أضحيتك في هذا السن المعتبر شرعًا. وهكذا من شروط الأضحية أن تكون سليمة من العيوب التي لا تجزي في الأضحية، وقد جمعها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث البراء بن عازب كما عند أهل السنن، فقال عليه الصلاة والسلام: «أربع لا تجوز في الأضحية»، وفي لفظ: «أربع لا تجزئ في الأضحية: المريضة البين مرضها، والعوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والكسيرة التي لا تنقي». المريضة التي ظهر مرضها، وكذلك العمياء التي فقدت إحدى عينيها، وكذلك العرجاء التي تضلع عند المشي من سبب ذلك العرج، والضعيفة التي لا لحم فيها أو لحمها قليل ضعيف، فهذه لا تجزئ في الأضحية، وغيرها من العيوب التي هي أولى منها لا تجزئ، كالعوراء، كالمعمية، أو الكسيرة التي كسرت إحدى قوائمها، أو كذلك الجرباء، أو نحو ذلك من تلك الأمراض. أما الأمراض اليسيرة فلا بأس بها مع الكراهة، كمقطوعة الأذن، أو مكسورة القرن، أو مقطوعة الذيل، أو نحو ذلك، فهذه تجزئ معها الأضحية، ولكن الأفضل أن تكون الأضحية كاملة وافية، فقد ضحى النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس بكبشين أملحين أقرنين. وهكذا لتعلم أخي المسلم أن الشاة الواحدة إنما تجزئ عن أهل بيت واحد إذا كان مطبخهم واحد وأكلهم واحد، فيجزي في حقهم أضحية واحدة، وهي الشاة، أو التسبيع في الإبل والبقر، فإن من أحكام الأضحية أنه يجوز التشريك في أضحية الإبل والبقر بأن يشترك فيها سبعة، فتوزع أسباعًا، وأما في الغنم أو في المعز والضأن فلا يصح التشريك، نعم. واعلم أخي المسلم أن أعظم الأضحية أجرًا أنفسها ثمنًا، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، ألا فلنتقرب يا عباد الله بمثل هذه العبادة، ومن كان قادرًا على التصدق في مثل تلك الأيام فلا خير ولا أفضل ولا أعظم من ذبح الأضحية، ولو أن تضحي بثلاث أو أربع أو أكثر من ذلك ثم تطعم إخوانك المسلمين، فقد جاء عند النسائي من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «قسم النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ضحايا، وصارت لي جذعة، فقلت: يا رسول الله، صارت لي جذعة، فقال عليه الصلاة والسلام: ضحِّ بها». فكون النبي عليه الصلاة والسلام يقسم الضحايا بين أصحابه فهذا دليل على أن أهل السعة وأهل اليسار كانوا يأتون بضحاياهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كي يقسمها بين أصحابه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. نسأل الله أن يبلغنا وإياكم تلك الأيام، وأن يجعلنا ممن يعمل فيها من الصالحات. اللهم عز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، أعداءك أعداء الدين، اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.