الخطبة بعنوان وداعا رمضان، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 28 رمضان 1446هـ الموافق 28 مارس 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يودع الخطيب شهر رمضان مؤكداً أن العبرة بالخواتيم وحاثاً على اغتنام ما بقي منه خاصة ليلة القدر. ثم يبين مشروعية زكاة الفطر في ختام الشهر وحكمها وفوائدها الدينية والدنيوية باعتبارها طهرة للصائم وطعمة للمساكين.
يؤكد الخطيب وجوب إخراج زكاة الفطر لمستحقيها من الفقراء في بلد المزكي، ويبين أن التكبير مشروع من غروب شمس آخر يوم رمضان اقتداءً بالآية والنبي صلى الله عليه وسلم. كما يوضح أن صلاة العيد سنة مؤكدة يخرج لها الجميع شكراً لله على إتمام الصيام والقيام.
يشير الخطيب إلى أن صلاة العيد تجمع المسلمين سنوياً لترسيخ الألفة، ويحث على مواصلة العبادة بعد رمضان بصيام ست من شوال وقيام الليل وتلاوة القرآن وأداء الفرائض. ويؤكد أن عمل المؤمن لا ينقطع إلا بالموت.
من علامات قبول العمل أن يتبع المسلم الحسنة بالحسنة ويستمر في الطاعة، لأن الطاعة تجر أختها كما أن المعصية تجر أختها. وقد أكد القرآن ذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾، فمن أراد معرفة قبول عمله فلينظر إلى استمراره في فعل الخيرات.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن شهركم المبارك قد أخذ بالنقص، والأجل حائل، وشارفت أيامه ولياليه الانتهاء والزوال. كنا بالأمس القريب نستقبل هذا الشهر المبارك، وها نحن اليوم نودعه. هذا الشهر المبارك، يا عباد الله، الذي كانت أيامه معمورة بالصيام وبالذكر وتلاوة القرآن، وكانت لياليه منورة بالصلاة والقيام، وكان حال المتقين فيه على أحسن ما يرام. مضت تلك الأيام الغرر وتلك الليالي الدرر، كأنها ساعة من نهار. مضى هذا الشهر ومضت معه أعمالنا، مضى هذا الشهر ومضت معه أعمالنا. فليت شعرك من المقبول فنهنيه، ومن المحروم فنعزيه. هذا الشهر المبارك، يا عباد الله، انتهى ومضى كلمحة بصر، ولكن لنعلم يا عباد الله أن العبرة بالخواتيم، وقد بقي فيه يوم أو يومان، وإحدى أيامه ولياليه من الليالي التي يلتمس فيها ليلة القدر، ألا وهي ليلة التاسع والعشرين. وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج إلى أصحابه ليخبرهم بليلة القدر، فتلاحى رجلان، أي تخاصم رجلان من أصحابه، فقال عليه الصلاة والسلام: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت، وعسى أن يكون في ذلك خير لكم، فالتمسوها في التاسعة، في السابعة، في الخامسة». ألا فلنحسن فيما بقي، ونتوب من تقصيرنا وتفريطنا فيما مضى. أيها المسلمون، عباد الله، في ختام هذا الشهر المبارك شرع لنا ربنا سبحانه وتعالى أعمالا عظيمة، بها يزداد إيماننا وتكتمل عباداتنا، وتتم بها نعمة ربنا. من أول هذه العبادات التي شرعت في ختام هذا الشهر: زكاة الفطر. هذه الزكاة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على كل مسلم، الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد، لما فيها من المنافع الدينية والدنيوية. أما الدينية فهي طهر للصائم من اللغو والرفث، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «فرض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين». وهكذا من فوائدها الدينية: التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بهذه العبادة، لتطيب أنفسنا بإخراجها، ولنبرهن على إيماننا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والصدقة برهان». وهكذا من منافعها الدنيوية، كما تقدم في حديث ابن عباس، أنها طعمة للمساكين، حتى يشاركوا إخوانهم المسلمين في فرحهم وفي عيدهم. فشرعت هذه الزكاة حتى نغنيهم، وحتى ندخل السرور عليهم. ولذلك لم يشرع في هذه الزكاة من الأصناف إلا الفقراء والمساكين، بخلاف زكاة الأموال، فإنها قد جعلت لها أصنافا ثمانية. وهكذا يا عباد الله، هذه الزكاة ينبغي أن تؤدى كما أمر الله، فاحذر أن تعطيها من لم يتصف بصفة الفقر والمسكنة، تحرّ في إعطائها لمستحقيها، فهذا الذي أمر الله عز وجل به. فأخرجوها يا عباد الله طيبة بها أنفسكم، متقربين بها إلى ربكم سبحانه وتعالى. واعلموا أن أفضل الزكاة ما كان أنفع، وما كان أثمن، وما كان أنفس، فإنها قربة إلى الله، وهي زكاة يسيرة، ولم تشرع إلا في السنة مرة، لمن ملك قوت يوم العيد وليلته، فينبغي علينا أن نعظم هذه العبادة، وأن نخرجها على أكمل وأتم وجه. أيها المسلمون، عباد الله، تحرّوا من يعيش بينكم من أهل الفاقة والحاجة، وأغنوهم في هذا اليوم. ولذلك أفتى العلماء أنه لا يجوز نقل زكاة الفطر إلى بلد آخر لم يسكن فيه ذلكم المزكي، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ رضي الله تعالى عنهم: «وأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». فلذلك ذكر بعض أهل العلم قاعدة في ذلك، ألا وهي: أن زكاة الفطر تتبع البدن، أي يخرجها صاحبها في المكان الذي أدرك فيها هذه الفريضة. فينبغي أن نعطيها في مركزنا أو في حارتنا من يستحقها، حتى نغنيهم في مثل هذا اليوم، يوم العيد وما بعده. أيها المسلمون، عباد الله، ومما شُرع في ختام هذا الشهر المبارك التكبير، لنشكر الله عز وجل ونذكره على ما وفق سبحانه لإتمام الصيام والقيام. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى صلاة عيد الفطر بدأ في التكبير، عليه الصلاة والسلام، إلى أن يأتي إلى المصلى، ثم يقطع التكبير ويصلي صلاة العيد. واجتهد بعض أهل العلم وبعض الفقهاء، أخذا من ظاهر الآية، فقال: التكبير في الفطر يبدأ من غروب شمس آخر يوم من رمضان، بقول الله عز وجل: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. فمن أخذ بهذا القول فقد أخذ به أئمة فضل من أهل العلم والفقه، ومن اقتصر على فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو متبع لنبيه عليه الصلاة والسلام. أيها المسلمون، عباد الله، ومما يشرع أيضا في ختام هذا الشهر المبارك صلاة العيد، التي أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يخرج إليها جميع المسلمين من الرجال والنساء، حتى المرأة التي لا تجد جلبابا تلبسه لتخرج به إلى الصلاة، أن تعطيها أختها المسلمة جلبابها، كما جاء في حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها وأرضاها. وما ذاك إلا لعظم هذه الصلاة ولما فيها من المنافع. فهذه الصلاة، يا عباد الله، يخرج إليها المسلمون فرحين مسرورين لما أنعم الله عز وجل به عليهم من إكمال الصيام والقيام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن للصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه». فما أعظمها من نعم، يا عبد الله، أن وفقت في هذا الشهر من أوله إلى آخره لإتمام الصيام والقيام، مع أن غيرك من المسلمين لربما باغته الأجل قبل أن يدرك هذا الشهر، أو قبل أن يكمل هذا الشهر، فصار في عداد الموتى، وأنت لا تزال بحمد الله، وفي ختام هذا الشهر تعيش وتتمتع بعبادة الله سبحانه وتعالى. فشرعت هذه الصلاة كي يشكر المسلمون ربهم سبحانه وتعالى على هذه النعمة، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يخرج المسلمون في هذا اليوم السعيد مجتمعين متآلفين متحابين في صعيد واحد، يسلم بعضهم على بعض، ويهنئ بعضهم بعضا، وهذا ما دعا إليه الإسلام وحث عليه النبي عليه الصلاة والسلام. فكما أنه شرع للمسلمين الاجتماع في اليوم والليل خمس مرات في مساجد متفرقة لصلاة الجماعة، وهكذا شرع لهم الاجتماع الأسبوعي في صلاة الجمعة، كذلك شرع لهم هذا الاجتماع الأعظم السنوي في صلاة العيد، لنعلم يا عباد الله أن الإسلام يدعو إلى الألفة والاجتماع، ويحذر من الفرقة والاختلاف. فهذا من حكم هذه الصلاة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لمرضاته، وأن يعيننا وإياكم على إتمام هذا الشهر، وعلى شكر سبحانه وتعالى. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، لئن انتهى هذا الشهر المبارك، فإن عمل المؤمن لا ينتهي إلا بالموت: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ويقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «إذا مات الإنسان انقطع عمله». أما طالما أنه على قيد هذه الحياة، فإن عمل المؤمن لا ينقطع. فإن انتهى رمضان، فلا يزال المسلم مطالبا بعبادة الله عز وجل بأداء الفرائض، وبالتقرب إلى الله بما يسر الله له من السنن والرواتب. لئن انتهى شهر رمضان، فإن الصيام ولله الحمد لا يزال مشروعا. ولذلك من السنة، وبعد انتهاء هذا الشهر، أن نصوم ستة أيام من شوال، حتى لا ينقطع عهدنا بالصيام. فقد أخرج الإمام مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال، فكأنما صام الدهر»، فهو كصيام الدهر. وهكذا حث الشرع على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، كما قال عليه الصلاة والسلام: «صيام شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر، يذهبن وحر الصدر». وهكذا حث الشرع على صيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، وعلى صيام يوم عرفة لغير الحاج، وعلى عاشوراء، وهكذا غيرها من الأيام الفاضلة. لتعلم، أخ المسلم، أن عمل المسلم لا ينقطع. لئن انتهى الصيام، يا عباد الله، فإن القيام لا يزال مشروعا. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي قتادة في مسلم: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل». وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: «نعم الرجل عبد الله، لولا أنه يقوم من الليل». وهكذا في أحاديث كثيرة رغب النبي صلى الله عليه وسلم على قيام الليل. لنعلم أن المسلم لا ينقطع عمله بخروج شهر، أو بانتهائه، أو بدخوله، وإنما حياة المسلم عبادة لله سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. نعم، في رمضان يكثر المسلم من الأعمال الصالحة، لكن بعد انتهائه لا يترك الأعمال بالكلية، خصوصا أداء الفرائض، فإن المسلم مأمور بها في رمضان وفي غير رمضان. لئن انتهى رمضان، يا عباد الله، فلا تزال تلاوة القرآن مشروعة. قال عليه الصلاة والسلام في حديث ابن مسعود: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه». هل هذا الفضل خاص برمضان؟ لا والله، إنه عام في رمضان وفي غيره. فلا تترك العبادة، يا عباد الله، بعد انتهاء هذا الشهر، كما يفعل بعض المسلمين، هداهم الله وإيانا. فعلينا يا عباد الله أن نشكر الله عز وجل إذ وفقنا لعبادته في هذا الشهر المبارك. وإن من علامات قبول العمل أن يتبع المسلم الحسنة بالحسنة، وأن يستمر في عمل الطاعة، فالطاعة تجر أختها، كما أن المعصية تجر أختها، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾. فإن أردت، يا عبد الله، أن تعرف أقبل منك أم لا،