المحاضرة بعنوان ألا وإن في الجسد مضغة، والتي كانت بجامع غيل الحالكة بمدينة غيل باوزير 5 رجب 1444هـ الموافق 27 يناير 2023م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض الخطيب فضائل صلاة الجماعة التي تضاعف الأجر بخمس وعشرين ضعفاً، ويبين أن الملائكة تصلي على العبد وتستغفر له ما دام في مصلاه. كما يؤكد أن مجالس الذكر تحفها الملائكة وتتنزل عليها السكينة، ويذكر الله أهلها في الملأ الأعلى داعياً للمغفرة والجنة.
يشرح المقطع حديث النعمان بن بشير عن الحلال والحرام والشبهات، مؤكداً أن اتقاء الشبهات استبراء للدين والعرض ومشبهاً من يقع فيها بالراعي حول الحمى. ويركز على مركزية القلب في صلاح الجسد وفساده، فهو الملك والأعضاء جنوده، وأن الله ينظر إلى القلوب والأعمال لا إلى الصور والأنساب.
يؤكد المقطع أن الله ينظر إلى القلوب والأعمال لا إلى المظاهر، وأن القلب السليم الخالي من الشرك والرياء والحقد هو الذي ينفع يوم القيامة. يستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تحث على العناية بالقلب والدعاء بثباته على الدين.
يُفتح باب الجنة يومي الاثنين والخميس، فيغفر الله لكل من لا يشرك به شيئاً، إلا من كانت بينه وبين أخيه شحناء فيؤمر بالنظر إليهما حتى يصطلحا. يحذر المقطع من عواقب الهجران والشحناء على المغفرة والرحمة الإلهية.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أجارني الله وإياكم جميعاً من البدع ومن الضلالات ومن النار. أيها الأحبة في الله، بادئ ذي بدء وقبل كل شيء نحمد الله تبارك وتعالى على نعمه الكثيرة وآلائه العظيمة التي لا نستطيع لها حصراً، نعم وفيرة ليس لنا غنى عنها. ولما ذكر الله عز وجل في سورة النحل التي يسميها بعض العلماء بسورة النعم، ذكر الله عز وجل فيها نعمًا ظاهرة، وذكر فيها نعمًا باطنة، ذكر فيها نعمًا بالليل وذكر فيها نعمًا بالنهار، ذكر سبحانه فيها نعمًا في البر وذكر فيها نعمًا في البحر. ثم قال جل ثناؤه: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. ومن نعمة الله عز وجل علي وعليكم أن ساقنا إلى هذا المسجد المبارك لأداء فريضة عظيمة وشعيرة جليلة، ألا وهي الصلاة. ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾، هكذا يقول الله عز وجل. ومن نعمة الله علينا كذلك أن شرح صدورنا للبقاء في هذا المسجد، يبقى كل منا في مصلاه الذي صلى فيه لذكر الله عز وجل وسماع الخير. وهذا أيها الأحبة في الله من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون وأكثر الناس لا يشكرون. بشارة عظيمة كان نبينا وحبيبنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبشر بها أصحابه خاصة وأمته على وجه العموم، بشارة لأهل الصلاة، بشارة لعمار المساجد. فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم رحمة الله عليهما من حديث أبي هريرة، وجاء نحوه من حديث ابن عمر، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه بخمس وعشرين ضعفاً»، وفي رواية: «بسبع وعشرين ضعفاً». قال: «وذلك أنه إذا توضأ فأسبغ الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لا ينهضه إلا الصلاة، لم يخطو خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة». وهذا فيه إشارة إلى أن الشخص كونه يتوضأ في البيت ويتجهز في البيت ويخرج إلى المسجد وهو متوضأ خير له من أن يأتي ويتوضأ في دورات مياه المسجد، مع أن الوضوء في دورات المياه في المسجد جائز، لكن كونك تتوضأ في البيت وتخرج وقد أسبغت الوضوء... قال: «وذلك أنه إذا توضأ فأسبغ الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لا ينهضه إلا الصلاة، لم يخطو خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة. قال: فإذا صلى فإن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه». ماذا تقول الملائكة في دعائها لنا؟ قال: «تقول: اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه». لاحظ كيف أن الملائكة تدعو لك باسمك وتستغفر لك، ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، هكذا يقول الله جل في علاه. قال عليه الصلاة والسلام: «ولا يزال في صلاة ما كانت الصلاة هي التي تحبسه». أيها الأحبة في الله، هذه المجالس يحبها ربنا عز وجل ويحب أهلها، كما في حديث معاذ بن جبل عند الإمام مالك رحمه الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: وجبت محبتي للمتجالسين فيّ، ووجبت محبتي للمتزاورين فيّ، ووجبت محبتي للمتباذلين فيّ». هذه المجالس مجالس تحفها الملائكة بأجنحتها، هذه المجالس تتنزل على أهلها السكينة. تدرون أيها الأحبة في الله ما هي السكينة؟ السكينة هي عبارة عن انشراح في الصدر وطمأنينة في القلب، السكينة ثبات في المواقف الصعبة وفي الظروف الحرجة. والسكينة من أين تأتي؟ لا تأتي بسماع الأغاني ولا متابعة المباريات ولا القيل والقال، وإنما تتنزل من عند الله عز وجل. وزد على ذلك كله أن هذه المجالس يذكر ربنا عز وجل أهلها فيمن عنده، يذكرنا نحن ونحن العبيد، يا عباد الله الفقراء الضعفاء المحتاجون إلى الله عز وجل. لكن قل لي بربك لماذا يذكرنا ربنا عز وجل؟ هل لأننا من قبيلة كذا؟ أو من أجل أموالنا وقوة عضلاتنا؟ أو من أجل بهاء ألواننا وجمال صورنا؟ أبداً. وإنما يذكرنا ربنا عز وجل لأننا كنا له من الذاكرين. قال ربنا عز وجل: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني. فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». أيها الأحبة في الله، هذه مجالس أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقال لأهلها في خاتمتها: «قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات». فنسأل المولى عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقربنا إليه، ونسأله جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. ثم جزى الله خيراً أخانا المبارك أبا أنس على هذه المقدمة الطيبة وعلى ترحيبه بإخوانه، وجزى الله كذلكم أيضاً القائمين على هذا المسجد خير الجزاء وإياكم جميعاً. ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا في هذه الليلة وفي هذا المسجد، نسأله تبارك وتعالى أن يجمعنا في دار كرامته إخواناً على سرر متقابلين. أيها الأحبة في الله، حديثي معكم حول حديث عظيم من الأحاديث التي ذكر أهل العلم أن مدار الإسلام يدور عليها، ألا وهو ما جاء في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات»، يعني أموراً فيها شبه بالحلال وفيها شبه بالحرام. ولأجل هذا الاشتباه الحاصل قد يخفى حكمها، ليس على القليل وإنما على الكثير من الناس. قال عليه الصلاة والسلام: «وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس». طيب، ما هو الحل؟ ما هو الموقف السليم من المسلم تجاه هذه الأمور المشتبهة؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»، استبرأ أي طلب البراءة لدينه من النقص وعرضه من الطعن. «ومن وقع في الشبهات كحال بعض الناس يا إخوان ممن لا يتورعون ولا يتحاشون... دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة». قال عليه الصلاة والسلام: «كالراعي يرعى حول الحمى»، الحمى مكان يمنع رعي الأغنام فيها، هذه يسمونها محمية، يمنع رعي الأغنام فيها. قال: «كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقرب أن يرتع فيه». يوشك يا إخوان أن يدخل كبش أو يدخل تيس أو شاه. طيب، من الذي سيتعرض للعقوبة؟ التيس؟ لا، صاحب الغنم الراعي. قال: «كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه. ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». وهذه يا إخوان الجمل المفيدة والتوجيهات السديدة من نبينا وحبيبنا صلوات ربنا وسلامه عليه وعلى آله، ما منها إلا ويصلح أن يكون قاعدة وأصلاً من قواعد وأصول هذا الدين. وحسبكم أيها الأحبة في الله أن أسلط الأضواء وألفت الأنظار إلى الجملة الأخيرة من هذا الحديث، علّ الله أن ينفعني وإياكم بما نقول أو نسمع، ألا وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة». مضغة، قطعة يا إخوان صغيرة في حجمها لكنها عظيمة في أثرها ودورها وما تقوم به. قال: «إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». ولك أن تتأمل أخي الحبيب في هذه الوصية النبوية التي يأمر فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالعناية والاهتمام بإصلاح القلوب وسلامة الصدور وتزكية النفوس. النبي صلى الله عليه وسلم جعل القلب بمثابة الملك وبقية الأعضاء بمثابة الجنود المطيعين لهذا الملك. إذن القلب يأمر وبقية الأعضاء تستجيب لأوامر القلب، تستجيب لأوامر القلب. فإذا كان الملك صالحاً فأوامره ستكون إلى الرعية صالحة، والعكس بالعكس: إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت الرقص. ولهذا يا إخوان، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة». الحديث في الصحيحين عن أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «فالعينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما الاستماع، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما الخطى». قال عليه الصلاة والسلام: «والقلب يهوى ويتمنى». هنا المصدر الذي تنبعث منه الأوامر إلى سائر الأعضاء. ولهذا أحبتي في الله، إذا رأينا العين تنظر إلى الحرام وتتلذذ بالنظر إلى الحرام، لا تظن أن الخلل أساساً في العين، العين مأمورة، لكن الخلل أين؟ الخلل في القلب الذي أمر العين أن تنظر وأباح لها أن تتلذذ بالحرام. وهكذا إذا رأيت الأذن تسمع إلى الحرام، الخلل يا إخوان ليس في الأذن فحسب، وإنما أساس الخلل هو في القلب الذي أمر الأذن أن تستمع إلى الحرام. ركب على سيارة وجد صاحب السيارة مشغل قرآن، قال له: «ماشي، عندك من داخل زين قرآن». قال: «لا لا لا، ماشي عندك شي، خلي القلب كذي فرفشة». قال له: «إيش فرفشة؟» قال له: «أغاني وبكر سالم أو غيرها». طيب، الخلل أين يا إخوان؟ الخلل هنا. وإنما الأذن مأمورة. يجلس في مجلس فيسمعهم يتحدثون على فلان: «فلان فعله هذا، قليل الخير، هذا نصاب، فلان فعل...». فيرتاح، يقولهم: «فلان إيش سوى؟ وفلان ماذا فعل؟» يتلذذ يا إخوان بسماع الغيبة. الخلل هنا، الخلل هنا. وهكذا في بقية الأعضاء. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله»، صلح اللسان يا عباد الله، وصلح السمع والبصر، صلح الفرج واليدين والرجلين وغيرها من الأعضاء. «وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». أيها الأحبة في الله، القلوب تحتاج ولابد أن نعتني بها وأن نوليها اهتماماً بالغاً. تدرون لماذا؟ لأن القلوب هي محل نظر الرب تبارك وتعالى. جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». أرأيتم أيها الإخوة في الله أهمية العناية بالقلب؟ الله عز وجل لا ينظر إلى الصور والأجسام، أن هذا أبيض بينما هذا أسود، أو هذا طويل بينما الآخر قصير، وهذا سمين بينما الآخر نحيف، آدم قبيلة كذا وكذا نسبه رفيع بينما الآخر نسبه وضيع. لا يا عباد الله، هذه معايير وموازين، وإن كانت عند البشر معتبرة إلا أنها عند الله عز وجل ليست محل اعتبار، لا ينظر الله إليها. «كن ابن من شئت واكتسب أدباً يغنيك محموده عن النسب». إن الفتى من يقول: «ها أنا ذا»، ليس الفتى من يقول: «كان أبي». وأصدق منه قول ربنا عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «من أكرم الناس؟» قالوا: «قال: أتقاهم». قالوا: «ليس عن هذا نسألك». قال: «فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله». قالوا: «ليس عن هذا نسألك». قال: «فعن معادن العرب تسألوني؟ خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا». قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: قال: «أي تعلموا أحكام الدين، تعلموا أحكام الدين». الله عز وجل ينظر إلى شيء عظيم يا إخوان، ينظر إلى القلوب التي نحملها في الصدور، التي نحملها في الصدور، القلوب التي يترتب عليها الصلاح والفساد. وهكذا ينظر إلى العمل، كيف العمل؟ أهو صالح أم أنه فاسد؟ ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، ولم يقل: أيكم أكثر عملاً، وإنما قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. قال الإمام الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى وغفر له: قال: «أي أخلصه وأصوبه، أخلصه وأصوبه». قيل له: «يا أبا علي، وما أخلصه وأصوبه؟» قال: «إن العمل إذا كان خالصاً أي لله ولم يكن صواباً أي على سنة رسول الله لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل». أيها الأحبة في الله، اليوم الواحد منا إذا أراد أن يخرج من البيت إلى المسجد أو من البيت إلى العمل أو السوق، لا يخرج إلا بعد أن يتأكد من نظافة ثوبه، نظافة الثوب وحسن ترتيب العمامة وجمال النعل. وهذا يا إخوان كله جميل، فربنا جميل يحب الجمال. لكن قل لي بربك، من مننا اليوم قبل أن يخرج من بيته يتفقد نظافة قلبه الذي هو محل نظر الرب تبارك وتعالى؟ من مننا يا إخوان اليوم يتفقد سلامة صدره، يتفقد نفسه التي بين جنبيه؟ القليل يا عباد الله، وقليل ما هم، ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. أيها الأحبة في الله، ومما ينبغي أن يعلم أن قلوب العباد ليست بأيديهم، وإنما هي بيد الله عز وجل، بيد الله عز وجل. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء». وفي حديث النواس بن سمعان: «فإن شاء أقامه» أي على الطاعة والخير، «وإن شاء أزاغه» أي عن الحق. وكان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». يا إخوان، يا إخوان، النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، يدعو بهذا الدعاء وهو صاحب الحوض المورود والمقام المحمود والشفاعة العظمى، يدعو بهذا الدعاء وهو أول من يستفتح باب الجنة، يأتي باب الجنة فيستأذن، فيقول الملك: «من؟» فيقول: «محمد»، فيقول الملك: «أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك». رسول الله عليه الصلاة والسلام كان أكثر دعائه هذا الدعاء: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». أفلا نخاف نحن يا عباد الله أن تزل قدم بعد ثبوتها؟ ألا نخاف من الحور بعد الكور؟ أيها الأحبة في الله، ومما ينبغي أن يعلم في باب القلوب والعناية بها أن الناس يوم القيامة، الناس يوم القيامة يأتون بقلوب متباينة، يأتون بقلوب متفاوتة، إلا أن الله عز وجل لا يقبل منها إلا ما كان سليماً، لا يقبل إلا القلب السليم. ولهذا يقول ربنا جل في علاه عن إبراهيم الخليل، إبراهيم خليل الرحمن، إمام الحنفاء وأب الأنبياء، الذي كسر الأصنام بيده، إبراهيم لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم التقى به في السماء السابعة، وهذا يدل على رفعته وعلى علو منزلته. إبراهيم قال الله عنه: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، ولا تخزني يوم يبعثون. يوم البعث يا إخوان، الذي يرفع فيه أقوام ويوضع فيه آخرون، يوم البعث الذي يكرم الله عز وجل أقواماً بدخول الجنان ويعذب أقواماً في النيران. ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. انظروا، من الذي ينفع في ذلك اليوم؟ تنفع القلوب السليمة النقية الطاهرة. أيها الأحبة في الله، والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك بالله عز وجل. القلب السليم سلم من التعلق بغير الله سبحانه، لم يتعلق بشمس ولا قمر، ولا جني ولا إنسي. القلب السليم لم يتعلق بالسحرة ولا المشعوذين ولا الكهنة ولا العرافين. تعلق يا إخوان بالواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، تعلق بالحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. هذا هو القلب السليم الذي ينتفع به صاحبه في ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون. أيها الأحبة في الله، وهكذا القلب السليم الذي سلم من الرياء والنفاق وسيئ الأخلاق. قلب سليم سلم من الرياء، أي التزين للناس والتصنع للناس، وينسى أن الله عز وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. القلب السليم الذي صدق في اتباعه للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان بعيداً عن الخرافات والبدع والأهواء والمحدثات، لا يعلق حروز، وإنما قلبه معلق بالله عز وجل، لا يعلق تميمة، ولا يعلق خيط. بعض الناس يعلقون خيوطاً من شعر، من شعر أسود أخضر، يعلقها في يده أو يعلقها في رجله. ليش هذا؟ قال: «هذا علاج، شعر فيه علاج». النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى ذلك الرجل المعلق حلقه من صفر، أي من نحاس، قال له: «ما هذا؟» قال: «هذا من الواهنة، من الواهنة». قال: «انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك لم تدخل الجنة»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. لا يتعلق القلب إلا بربه تبارك وتعالى. القلب السليم، القلب السليم الذي سلم من الشحناء والبغضاء. أتفقد قلوبنا جميعاً يا عباد الله، هل فيها غل على مسلم؟ فيها حقد على قريب أو بعيد؟ الله عز وجل لما ذكر المهاجرين وأثنى عليهم، وثنى بالأنصار فأثنى عليهم، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. لماذا دعوا لإخوانهم؟ مع أنتم؟ لماذا دعوا لإخوانهم؟ لسلامة صدورهم، لسلامة صدورهم وطهارة قلوبهم. ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. كم يا إخوان الذي يحمل الغل في قلبه والحقد في نفسه يحرم الخير الكثير! جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تعرض الأعمال على الله عز وجل يومي الاثنين والخميس»، قال: «فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم». وفي رواية قال: «تفتح أبواب الجنة، تفتح أبواب الجنة يومي الاثنين والخميس»، قال: «فيغفر الله عز وجل لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول الله عز وجل: انظروا هذين حتى يصطلحا». نكمل إن شاء الله عز وجل عقب الأذان. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.