المحاضرة بعنوان نماذج من حفظ الله تعالى للأنبياء والمؤمنين، والتي كانت بمسجد الرشيد بمنطقة العيون 19جمادى الآخر 1444هـ الموافق 13 يناير 2023م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يسرد المحور قصة نبي الله موسى عليه السلام مع فرعون وجنوده، مبيناً كيف حفظ الله موسى ومن آمن معه عند التوكل عليه فانفلق البحر لهم. ويؤكد أن إيمان فرعون عند معاينة العذاب لم ينفعه بعد إصراره على الكفر والظلم.
يتناول المحور سلسلة الابتلاءات التي مر بها النبي يوسف عليه السلام من البئر والبيع والسجن حتى أظهر الله براءته ونجاه بحفظه لدينه. ثم ينتقل إلى بداية قصة النبي يونس عليه السلام الذي خرج مغاضباً لقومه فالتقمه الحوت.
يستعرض المحور نجاة يونس بالتسبيح في بطن الحوت، وصبر أيوب ثمانية عشر سنة حتى فرج الله عنه، ونجاة النبي صلى الله عليه وسلم في الغار بتوكله على الله. ويختم بحديث الثلاثة النفر الذين أنجاهم الله بصالح أعمالهم، مؤكداً أن الدعاء والصبر وصنائع المعروف أسباب للفرج.
يبيّن المحور أن أعمال المعروف وصنائعه تحمي الإنسان من الحوادث والكروب، مستشهداً بالمأثور "صنائع المعروف تقي مصارع السوء". ويشير المتحدث إلى أن الحديث في هذا الباب سيستكمل بعد الأذان.
هذا الحديث فيه وقفات عظيمة، ولأهمية هذا الحديث سطر الكلام معه وعنه، لعل الله عز وجل أن يرزقنا الخير والعلم والبركة. أيها الأحبة في الله، الله تبارك وتعالى قص لنا في كتابه العزيز قصص عدد من الأنبياء والرسل، وبين في هذه القصص كيف أنهم لما حفظوا الله عز وجل فحفظهم الله. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فهذا نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام. موسى يعتبر من أعظم أنبياء بني إسرائيل، أرسله الله عز وجل إلى طاغية وجبار عنيد، ألا وهو فرعون، عليه من الله ما يستحق. فدعى موسى بدعوات عظيمة: قال: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا ﴾. قال: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ﴾. انظروا، موسى كان مع الله عز وجل، كان مع الله فما ضيعه الله عز وجل. ولهذا تكفل ربنا عز وجل بحفظ موسى. لما خاف موسى من فرعون أن يقتلهم، قال الله عز وجل: ﴿ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾. ما الذي حصل يا إخوان؟ الذي حصل أن موسى دعا فرعون، وأظهر لفرعون من الآيات والمعجزات ما يكون سببًا لإسلام فرعون ومن معه: عصى تنقلب إلى حية تسعى، وثعبان مبين، ويدخل يده في جيبه - والجيب هو هذه فتحة العنق التي يدخل منها الرأس - يدخل يده في جيبه فإذا بها تخرج بيضاء من غير سوء، آية أخرى. الشاهد من هذا كله: فرعون لم يسلم ولم يؤمن، بل عزم على أن يتخلص من موسى ومن معه. فأرسل فرعون في المدائن حاشرين: ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ﴾. انظروا، هذا أسلوب أهل البطش وأهل الظلم: إذا لم يستطيعوا أن يقاوموا الحجة بالحجة، عمدوا إلى العنف واستعملوا القوة. لكن يا إخوان، ماذا عسى فرعون أن يفعل وموسى ومن معه قد تكفل الله بحفظهم؟ قال الله عز وجل: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴾. انظروا، تركوا الأنهار، وتركوا الثمار والأشجار، خرج يحارب دين الله عز وجل، ألم يعلم بأن الله يرى؟ قال ربنا عز وجل: ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ﴾. قال ربنا عز وجل: ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ﴾، جمع موسى وجمع فرعون. قال أصحاب موسى: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾. موسى لما مشى بمن معه من بني إسرائيل هربًا من فرعون، قابلهم البحر، فالبحر أمامهم وفرعون وجنوده وراءهم. أين سيذهب يا إخوان؟ أين سيفروا؟ قال أصحاب موسى: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾. لحظات، بس، ويأتي فرعون ويخلص علينا. لكن يا إخوان، من حفظ الله في الرخاء حفظه الله عز وجل في الشدة. قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾. ما يستطيع فرعون أن يمسنا. لماذا يا موسى؟ قال: ﴿ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾. وهذا يا إخوان فيه الثقة بوعد الله عز وجل، والاعتماد والتوكل على الله سبحانه وتعالى، ولو في أصعب المواقف، ولو في أشد الظروف. انظروا يا عباد الله كيف جعل الله لموسى الفرج والمخرج. قال سبحانه: ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ﴾. يا إخوان، عصا، ماذا عساها أن تؤثر في بحر؟ لكنها قدرة الله عز وجل. ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴾. كل جانب مثل الجبل، وفي الوسط طريق آمن، مر فيه موسى وأصحابه، مروا آمنين حتى وصلوا إلى الجانب الآخر. غر ذلك فرعون، أراد أن يصنع مثل ما صنع موسى، وظن أنه سينجو كما نجى موسى. لما توسط فرعون بجنوده البحر، أمر الله البحر أن يعود كما كان، أن يعود كما كان البحر. يا إخوان، جند من جنود الله. أرأيتم في بعض البلاد لما جاءت أحداث التسونامي كيف صعد البحر كيلومترات، صعد، ولم يكن يصعد قبلها؟ أمره الجبار أن يصعد فصعد، وهكذا أمره أن يعود فعاد على فرعون وجنوده. تخيل فرعون والغطرسة التي كان عليها. قال الله عز وجل: ﴿ فَلَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾. شف، قبل قليل يقول: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾، ﴿ وَمَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي ﴾، ويتوعد ويهدد. الآن ماذا فعل؟ ماذا حصل؟ قال: ﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾. وبنو إسرائيل اسمعون، الجبار العنيد يقول هذا الكلام، فيه تأييد لهم وتثبيت لهم. قال الله عز وجل: ﴿ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً ﴾. الموج يدحرج فرعون، يدحرج فرعون حتى ألقى به جثة هامدة، يقلبها بنو إسرائيل: أهو أم ليس هو؟ فرعون، أم أنه شخص آخر؟ أيها الأحبة في الله، ومن هذه المواقف ما حصل لنبي الله يوسف ابن يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم، عليهم وعلى نبينا صلوات ربنا وسلامه. يوسف يا إخوان تعرض لعدة ابتلاءات، كان أولها وهو صغير حين أن ألقى به إخوته في البئر. تخيل طفل صغير يلقى في بئر، كيف سيكون شعوره وكيف سيكون حاله؟ فنجاه الله عز وجل، وأوحى إليه وهو في تلك الحال الحرجة: ﴿ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾. وبيع بثمن بخس، دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين. لكن انظروا، عاش في قصر عزيز مصر، عاش في قصر عزيز مصر. وعندها حصل له ابتلاء آخر، لكنه أشد وأقوى من الابتلاء الأول. قال ربنا عز وجل: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ﴾. افعل ما تريد، افعل ما تشاء، هيت لك. قال: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾. أرأيتم يا إخوان كيف لما يحفظ العبد ربه عز وجل كيف ينجيه؟ قال: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾. ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾. قال بعض المفسرين: أرادت أن تجبره على أن يفعل الفاحشة فدافعها. ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾. عبد صالح كان محافظًا، ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾. ﴿ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ ﴾، يلا مسابقة، هو يجري وهي تطارده. ﴿ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ ﴾، أي من الوراء. ﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ﴾. أول ما فتح الباب كان زوجها، وسيد يوسف كان واقف على الباب. طيب، من الذي سيتكلم الآن؟ القوي أم الضعيف؟ القوي سيتكلم، والقوة كانت مع هذه المرأة. مباشرة تكلمت، قالت: ﴿ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾. يعني هذا أنت مجلس عندنا في البيت، شوف إيش يريد يفعل. ﴿ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾. قال: ﴿ هِيَ رَاوَدتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾. وشهد شاهد من أهلها. جاء في بعض الإسرائيليات أنه طفل صغير، ولا يصح، ولا يصح. وإنما جاء في القرآن: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا ﴾، من أهل القصر. طيب، بماذا قال؟ ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾، أي معنى هذا أنه يهاجم وهي تدافع. ﴿ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾، معنى ذلك أنه يهرب وهي تطارده. قال سبحانه: ﴿ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴾. الخبر يا إخوان تسرب إلى خارج، خارج القصر. ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾. لما تفش الخبر، كان بعد ذلك ماذا؟ لجأ إلى سجن يوسف. ויوسف قال الله عنه: ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ﴾. إيش بعدها؟ ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾. ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ﴾. انظروا، بريء مظلوم، لبث في السجن بضع سنين، والبضع هو العدد من الثلاثة إلى التسعة. لكن يا إخوان، ما ضيعه الله عز وجل في السجن، دعوة إلى التوحيد ودعوة إلى الخير. وخرج يوسف عليه الصلاة والسلام وقد أعلنت براءته. ولهذا تنبه يا إخوان، يوسف عليه الصلاة والسلام لما طلبه الملك، وقال الملك: ﴿ ائْتُونِي بِهِ ﴾. فلما جاءه الرسول، أي رسول الملك، قال: أي يوسف، قال له: ﴿ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ﴾، يعني ما سأخرج. ﴿ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾. تدرون لماذا يا إخوان؟ يوسف رفض أن يخرج من السجن حتى تثبت براءته. أولاً: لأنه لو خرج من غير أن تثبت براءته، ولربما يتبوأ مناصب ويقوم بدعوة، ستظل التهم لاصقة به. من هذا قالوا: هذا الذي قيل أنه راود امرأة العزيز، وتلك من نسوة التي قطعن أيديهن. فما خرج حتى أعلنت براءته عليه الصلاة والسلام. أيها الأحبة في الله، ومن هذه المواقف كذلك أيضًا التي قصها ربنا عز وجل، وفيها أن من حفظ الله عز وجل فإن الله تعالى يحفظه. ذكر الله لنا قصة نبي يقال له يونس ابن متاء. يونس هذا، قال الله فيه: ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ﴾، أي بالقرعة، فكانت القرعة عليه، كانت القرعة عليه. ﴿ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾. يونس خرج مغاضبًا لقومه، فاتجه إلى ساحل البحر، فوجد سفينة فركب معهم. والسفينة كانت مشحونة، هائجة الأمواج والرياح، فاضطر أهل السفينة أن يخففوا من الحمل والوزن. طيب، يلقوا بمن؟ ليس هناك أحد سيفدي بنفسه. إذن قرعة، ووقعت القرعة على نبي الله يونس، على نبي الله يونس. فماذا؟ فما كان منهم بعد ذلك إلا أن ألقوا بيونس في البحر، وإذا بالحوت ينتظره. ﴿ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ ﴾، التقمه، ما قال أكله أو مزقه، وإنما يونس في حفظ الله عز وجل. ﴿ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾. قد يقول قائل: لماذا لم يقضي عليه الحوت؟ قال الله عز وجل: ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ﴾، كان من الصالحين، كان من الحافظين، ﴿ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾. وقال سبحانه: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا ﴾، أي لقومه، ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾. ما هي ظلم واحدة يا إخوان؟ ظلمات بعضها فوق بعض: ظلمة الليل، وظلمة البحار، وظلمة بطن الحوت. ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾. قال سبحانه: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: « دعوة ذي النون في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ». قال: « لا يدعو بها عبد مسلم في كرب إلا نجاه الله من ذلك الكرب »، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. لاحظوا يا إخوان، هذا درس عظيم: إذا وقعت في كرب، في ضيق، قل: لا إله إلا أنت، قل: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. أيها الأحبة في الله، وهذا أيوب عليه الصلاة والسلام. أيوب يا إخوان مرض مرضًا شديدًا، قيل لم يبق منه عضو سليم إلا قلبه ولسانه، فكان يذكر الله بهما. نفر عنه القريب والبعيد، لم يبق عنده إلا شخص أو شخصان، وسمر به المرض ثمانية عشر سنة، ثمانية عشر سنة. لكن يا إخوان، أيوب كان حامدًا لله عز وجل. قال سبحانه: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾. الله الله، عز وجل من عليه بالصحة والعافية. ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾. انظروا يا إخوان، أي مريض يتسلى بأيوب، نبي من أنبياء الله، صبر على الابتلاء، فاستجاب الله دعاءه. وليس شرطًا أن يستجيب الله لك اليوم، لأن أيوب ثمانية عشر سنة وهو يدعو. انظر اختبار وابتلاء من الله عز وجل، لكن أتى الفرج والمخرج. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال الله عنه في حادثة الهجرة النبوية: ﴿ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾. قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يحكي: وقوف المشركين على فتحة الغار، وقفوا على فتحة الغار، فقال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا، لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا. أبصر الرسول عليه الصلاة والسلام والصديق، فقال عليه الصلاة والسلام: « يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما »، ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ ﴾ الآيات. ولا يصح يا إخوان ما ذكر في بعض كتب السيرة من أن العنكبوت نسجت على فتحة الغار نسيجًا، وأن الحمام باض على باب الغار. هذا لا يصح وليس له أصل صحيح في سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وربنا تبارك وتعالى قادر على أن يحفظ نبيه عليه الصلاة والسلام وصاحبه من غير عنكبوت ولا حمام. أيها الأحبة في الله، جاء في حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « كان فيمن كان قبلكم، أي من الأمم السابقة، ثلاثة نفر، آواهم المبيت إلى غار فدخلوه. قال: فانحدرت عليهم صخرة، فانحدرت عليهم صخرة. فقال بعضهم لبعض: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم ». ما بينفعك إلا أعمالك اللي عملت. ولهذا يا إخوان، حديث عظيم أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: حديث أبي هريرة عند أصحاب السنن: « صنائع المعروف تقي مصارع السوء ». صنائع المعروف، معروف تصنعه مع مسلم، يأتيك واحد مع مريض، إيش معك يا بفلان؟ نص الليل، قال: والله معاين مريض، نريد نصعفه للشركة، أو لعيادة البواسير، أو للمستشفى. قال: أبشر. ضرب السيارة وسعف المريض. جاءه شخص قال: معي حالة ولادة، زاك الله خير، تجمل يا بفلان. قال له: أبشر. جاءك واحد مسكين معه مريض وليس معه قيمة العلاج، يا بفلان عاد شي خير فيك، محتاج برجعها لك. قال له: أبشر. فضل، وهكذا غيرها من المواقف. تمر بسيارتك أو دراجتك، إنسان واقف في الشمس، واقف في الشمس حرها، أو واقف في البرد أيام وليالي الشتاء، فتحمله معك وتضعه في المكان الذي يريد، يقول لك: جزاك الله خير، الله يبيض وجهك، الله يسمح طريقك، الله يحفظك ويعيدك إلى أهلك سالما غانما. فقد يسلمك الله من حوادث، من كروب، بسبب ماذا؟ صنائع المعروف تقي مصارع السوء. نكمل إن شاء الله عز وجل بعد الأذان.