شكر النعم

المحاضرة بعنوان شكر النعم، وكانت بمسجد ابن عباس بزغفة 13 جمادى الآخر 1433هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أهمية شكر الله تعالى

يُشدد على أهمية شكر الله تعالى على نعمه العديدة، ويُبين أن العبودية الحقة تتجلى في شكر الله بقلب الإنسان ولسانه وجوارحه. يُذكر أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان من أكثر الشاكرين لله.

كيفية شكر النعم وفضائل الشاكرين

يشدد على أهمية شكر الله بلسانك وإظهار نعمه عليك، ويحذر من كفران النعم. يشير إلى أن شكر النعم يكون بتسخيرها في طاعة الله وعدم الإسراف أو التفريط، ويذكر فضائل الشاكرين مثل الزيادة في النعم.

عواقب شكر النعم وكفرها

شكر النعم يزيدها ويجلب الرضا من الله، بينما كفر النعم يؤدي إلى زوالها والعذاب الشديد. الله سبحانه وتعالى يذكر أمثلة على ذلك ليعظ عباده ويحذرهم من كفران النعم.

نعم الأمن والأمان والشكر عليها

يتحدث عن نعم الله على عباده، مثل الأمن والأمان والصحة والرزق، ويقارن بين حال المسلمين وحال غيرهم من الكفار الذين فقدوا هذه النعم بسبب كفرهم. يشير إلى أهمية شكر الله على هذه النعم.

  • 16 جمادى الآخرة 1433هـ - 07/05/2012مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله الحمد لله تعالى على التيسير طيب ومبارك تنفيذه، عليه ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما مزيدا كثيرا إلى يوم الدين. أما بعد، فإننا نحمد الله سبحانه وتعالى حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحبه الله، على ما أنعم به سبحانه وتعالى، ومن نعمه هذا الاجتماع الذي نجتمع فيه مع أحبتنا ومع أخواننا طلبة العلم، ومع محبي مجالس الذكر، وهذا من نعم الله سبحانه وتعالى أن ينتقي الإخوان ويجتمع الأحباب في أحب البقاع إلى الله تبارك وتعالى، في هذه البيوت التي أدام الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. فهذه النعمة العظيمة نعمة تحتاج منا أيها الأخوة إلى الشكر لله تبارك وتعالى، وليخلف لكم أيها الأحبة، ويغفر لكم ما أعده الله تبارك وتعالى لمن جلس في مثل هذه المجالس، جلس ليتعلم علما نافعا، وليزيل عن نفسه جهلا، وليتذكر ما له وما عليه، وليحط من سيئاته. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. نحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا هذا اللقاء بإخواننا في هذه المنطقة، نتذاكر «قال الله، قال رسول الله» عليه الصلاة والسلام. جزى الله خيرا أخانا الفاضل أبا خليل على هذه المقدمة الطيبة، تذكيرا نافعا، فجزاه الله خيرا. شكر النعم يا عباد الله موضوع مهم وموضوع عظيم، ويحتاجه كل مسلم، وأن يذكر به بين الفترة والأخرى، وذلك للذهول والغفلة عن شكر نعم الله سبحانه وتعالى. فإن الله جل وعلا الكريم المنان امتن علينا بنعمه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، نعم لا تعد ولا تحصى لكثرتها، ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. الواجب علينا عباد الله أن نشكر الله جل وعلا المنان الكريم الذي امتن بهذه النعم علينا، فإن حقيقة العبودية وبرهان العبودية ودليل العبودية هو شكر الله جل وعلا. فلا يمكن أن يكون العبد عبدا لله جل وعلا حقا إلا إذا كان شاكرا لله سبحانه وتعالى، وتأمل النصوص في كتاب الله جل وعلا كيف قرن الله جل وعلا بين العبادة والشكر في مواضع من كتابه الكريم. فالشاكرون لله سبحانه وتعالى هم العابدون حقا لله سبحانه وتعالى حق العبودية، ولذلك جاء في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله جل وعلا يقول: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر... فأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب». جعل النبي عليه الصلاة والسلام الناس على صنفين: مؤمن بالله جل وعلا، وكافر، المؤمن هو الذي شكر الله جل وعلا على نعمة المطر، فقال: «مطرنا بفضل الله وبرحمته»، والكافر الذي قال: «مطرنا بنوء كذا وكذا». وهذا يدلنا أن العبودية الحق إنما تكون بشكر نعم الله سبحانه وتعالى، ولذلك الله سبحانه وتعالى أمر بشكره في كتابه الكريم في آيات كثيرات، وهكذا نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سنته المطهرة. فالله جل وعلا هو القائل في كتابه الكريم: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَصَنَعْنَا لَهُ فِي الذِّرِيَّةِ نَبِيًّا وَقُلْنَا اتَّبِعُوا آلَ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾. وأثنى الله سبحانه وتعالى على أنبيائه وعلى رسله وعلى عباده الصالحين، حيث قال عن ذلك الرجل الصالح الذي شكر ربه سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. فأثنى الله سبحانه وتعالى على هذا الرجل الصالح الذي قد أبلغه الله جل وعلا هذا الأشد، وأبلغه الله جل وعلا هذا السن، فشكر الله سبحانه وتعالى على ما أنعم عليه بهذه النعم العظيمة. وأفضل الشاكرين وأعظم الشاكرين نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «يا رسول الله، تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟». كان عليه الصلاة والسلام يقوم الليل حتى تتفطر قدماه من طول القيام، تتشقق رجلاه عليه الصلاة والسلام، فتقول عائشة رضي الله تعالى عنها: «يا رسول الله، تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟»، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أفلا أكون عبدا شكورا؟ أفلا أكون عبدا شكورا؟». وفي صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الله على كل أحيانه». كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه، أي أنه دائم الذكر لله جل وعلا، وذكر الله جل وعلا من شكر الله سبحانه وتعالى. فالشكر يا عباد الله حقيقته عظيمة، فلا يقتصر شكر النعم على أمر من الأمور، وإنما شكر الله جل وعلا مجالاته واسعة. فتحقيق الشكر يا عباد الله أن يشكر العبد ربه جل وعلا بقلبه، وأن يشكر العبد ربه جل وعلا على نعمه بلسانه، وأن يشكر العبد ربه جل وعلا على نعمه بجوارحه، بالقلب واللسان والجوارح. تشكر الله جل وعلا تشكر نعم الله جل وعلا بقلبك، بالاعتراف أولا أن تعترف اعترافا قلبيا جازما لا تردد فيه ولا شك ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أنعم عليك بهذه النعم. احذر يا عبد الله أن تنسب النعم إلى الأسباب، «لولا دكائي، لولا حرصي، لولا مذاكرتي، لولا اجتهادي في عملي، لولا خبرتي، لولا... لولا... لولا»، ليس هذا من شكر نعم الله عز وجل يا عبد الله. احذر من الالتفات للأسباب، واحذر من نسب النعم إلى الأسباب وإلى غير الله جل وعلا، وقد سمعتم في الحجة السابقة من قال: «مطرنا بنوء كذا وكذا»، مؤمن بالكوكب، كافر بالله سبحانه وتعالى. فعليك أن تنسب هذه النعم إلى مزودها، وهو الله سبحانه وتعالى. الأمر الثاني أن تشكر الله جل وعلا بلسانك، تجعل لسانك لاهجة بشكر نعم الله سبحانه وتعالى عليك، فالله جل وعلا هو القائل في كتابه الكريم: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، حدث بنعم الله جل وعلا، قل: «الحمد لله، الحمد لله، الشكر لله»، لا تكن من المقصرين في هذا، وإنما احمد الله سبحانه وتعالى على نعمه، أشكر الله عز وجل، أشكر الله عز وجل على نعمه. الناظر في حال كثير من الناس سلم، تجدهم يتشكون شكايات، لسان حالهم كأنهم يغفلون ما أعطاهم الله جل وعلا شيئا، «ماذا معنا؟ وهذا من كفران النعم والعياذ بالله». وهكذا من شكر نعم الله جل وعلا إظهار هذه النعم التي أنعم الله جل وعلا بها عليك، أنعم الله جل وعلا عليك بالمال، يظهر هذا عليك في هيئتك في ملبسك، لا إسراف ولا تقتير ولا تكبر ولا اختيال أبدا، «كل واشرب والبس في غير إسراف ولا مخيلة» كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. ولذلك رأى النبي عليه الصلاة والسلام رجلا وعليه هيئة وعليه الثياب البالية، فقال له: «ما أعطاك الله جل وعلا من النعم؟»، قال: «عندي كذا وكذا من الإبل، وعندي كذا وكذا من البقر، وعندي كذا وكذا من الغنم»، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا يرى أثر ذلك عليك؟»، «إن الله جل وعلا يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»، «إن الله جل وعلا يحب أن يرى أثر نعمته على عبده». فأنت اظهر نعمة الله جل وعلا عليك يا عبد الله، من الناس من عنده الملايين، من الناس من عنده كذا وكذا، وإذا نظرت إلى حاله قلت: «ذلك أغنى منه»، وربما ذلك يكون من أفقر الناس، لماذا؟ هذا لم يظهر أثر النعمة عليه. والناس بين إفراط وتفريط، إما إظهار هذه النعم لكن بشيء من الكبرياء، وشيء من الاختيال، وشيء من الإسراف والتبذير وغير ذلك، وهذا ممدوح، وآخر فرط تفريطا عظيما حتى تكاد لا ترى أثر النعم التي أنعم الله جل وعلا به عليه. والأمر وسط يا عباد الله، لا إفراط ولا تفريط، ومن شكر نعم الله سبحانه وتعالى أن تسخر هذه النعم في طاعة الله سبحانه وتعالى، أن تسخر هذا المال الذي أنعم الله جل وعلا به عليك في طاعة الله جل وعلا، لا في محاربة دين الله سبحانه وتعالى، ولا في نشر البدع والمحدثات، ولا في انتشار الفساد والمنكرات. لا يجعل هذا المال في طاعة الله سبحانه وتعالى، اعرف حق الله جل وعلا عليك في هذا المال، فأدي زكاة هذا المال، هذا من شكر نعم الله جل وعلا عليك. وهكذا اجعل هذا المال فيما أمر الله سبحانه وتعالى، تكون من الشاكرين لله سبحانه وتعالى، وهكذا الجوارح: السمع والبصر والأيدي والأرجل، كل ذلك عليك أن تسخره في طاعة الله جل وعلا. سمعك لا تسمع به حراما، بصرك لا تبصر به حراما، لسانك لا تقول إلا ما يرضي الله سبحانه وتعالى، يدك لا تفعل حراما، لا تسرق، لا ترتشي، لا تبطش، لا تعتدي، رجلك لا تذهب إلى مكان لا يرضي الله جل وعلا، قلبك لا يحمل حقدا، لا يحمل حسدا، غيظ على إخوان المسلمين. سخر جميع هذه الجوارح في طاعة الله سبحانه وتعالى، فإن هذا من شكر نعم الله جل وعلا. من أعظم الأسباب المعينة على شكر الله جل وعلا أن تنظر إلى من هو أسفل منك، أن تنظر إلى من هو أسفل منك، لا تنظر إلى من هو فوقك في مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فحري أن لا تزدروا نعمة الله عليكم». فأنت يا عبد الله إذا نظرت إلى من فوقك هذا لا يعينك على شكر الله جل وعلا، بيتك طابق، تنظر إلى صاحب الطابقين، سيارتك من النوع الرديء، نظرت إلى من عنده السيارة الأفضل، وهكذا. انظر إلى من هو أسفل منك، عندك بيت، آخر ما يجد، عندك سيارة، آخر ما يجد، غيرك مريض، وأنت صحيح، فانظر إلى من هو أسفل، هذا في أمر الدنيا، وفي أمر الآخرة، فانظر إلى من هو فوقك، لا تكتفي بما أنت عليه من العبادات والطاعات. الناس اليوم قلبوا الموازين، عكسوا الموازين في أمر الدنيا، ينظر إلى أعلى أو إلى فوق، وفي أمر الدين ينظر إلى أسفل، «يا فلان، ما لكم؟»، قال: «الحمد لله، حافظ على الصلاة»، «فلان صلى وخلى»، نعم وهكذا. النظرة في ميزان الدنيا إلى فوق، وأما في أمر الدين لا يريد أن يكون من هو أفضل ممن هو من المسارعين والسابقين، ميزان معكوس لا يعين على شكر نعم الله جل وعلا. ومن أعظم الأسباب المعينة على شكر نعم الله جل وعلا التفكر في مخلوقات الله، التفكر في مخلوقات الله جل وعلا، التفكر في الليل والنهار، التفكر في آيات الله، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. جعل الله جل وعلا هاتين الآيتين وغيرهما من الآيات للتذكر، ولمن أراد شكورا، فأنت إذا تفكرت في آيات الله سبحانه وتعالى أعانك ذلك على شكر الله وعلى شكر نعم الله جل وعلا. تفقد يا عبد الله المستشفيات، اذهب إلى المرضى، اذهب إلى المستشفيات، انظر إلى المرضى، هذا مكسور الرجل، وهذا مقطوع الأذن، وهذا ما يستطيع أن يتحرك، وآخر وآخر وآخر، لتعلم التاج الذي على رأسك وأنت غافل عنه، الصحة تاج على رأس الأصحاء، لا يراه إلا المرضى. لا يراه إلا المرضى، إذا جئت إلى المريض يرى عليك التاج، أنت ما ترى هذا التاج على رأسك، لكن لما تذهب إلى المريض يرى المريض التاج على رأسك، لماذا؟ والمراد الصحة، يرى الصحة عليه، هو على فراشه لا يستطيع أن يتحرك، عنده وعنده من الأمراض، وأنت بحمد الله صحيح، شفاك الله جل وعلا. نعم، إذن أنت على رأسك التاج وأنت غافل عنه، فتشكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليك، إذا رأيت هؤلاء، إذا رأيت المشردين في أرض الله جل وعلا، لا يجدون مأوى، لا يجدون مسكنا، لا يجدون ملجأ، وأنت بحمد الله في نعمة، في أمن وأمان، لك بيت يؤويك، لك مسكن كذلك تؤوي إليه. فأنت إذا نظرت في ما يحصل في أرض الله جل وعلا علمت نعم الله سبحانه وتعالى عليك، وعينك هذا يعين عظيم على شكر نعم الله سبحانه وتعالى عليك. نذكر بعض الفضائل للشاكرين لله سبحانه وتعالى، فمن أعظم فضائل الشاكرين لله سبحانه وتعالى الزيادة من الله جل وعلا في النعم، فأنت يا عبد الله إذا أنعم الله جل وعلا بالنعم وشكرت الله جل وعلا زادك الله جل وعلا نعما أخرى. فإذا شكرت الله جل وعلا زادك نعما أخرى، وهكذا، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾، فزيادة النعم تكون بشكر النعم. فمن أراد زيادة النعم، فمن أراد زيادة النعم من الله جل وعلا فعليه أن يشكر نعم الله سبحانه وتعالى عليه، فيزيده الله سبحانه وتعالى من النعم. ومن أعظم فضائل ثمرات شكر النعم الجزاء والثواب العظيم من الله جل وعلا، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾. فالشاكرون مجازون مجازون من الله جل وعلا بأعظم الجزاء، ومن ثمرات فضائل الشاكرين الرضا من الله سبحانه وتعالى، إنما يرضى الله جل وعلا عن عباده الشاكرين، وأما غير الشاكرين فالله جل وعلا يسخطهم، لا يرضى عنهم سبحانه وتعالى. والرضا من الله جل وعلا من أعظم النعيم، من أعظم النعيم يوم القيامة، نعمة الرضا، ونعمة رؤية رب العالمين جل وعلا، فالرؤية هي من أعظم نعم الله جل وعلا، لا تعادلها نعمة، أعظم نعمة نعمة رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة. وبعد هذه النعمة نعمة الرضا من الله جل وعلا، في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وأرضاه أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله جل وعلا يأتي أهل الجنة، فيقول لهم: «يا عبادي، هل رضيتم؟»، فيقولون: «وما لنا لا نرضى يا رب؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من الناس»، فيقول الله جل وعلا: «هل أزيدكم؟»، فيقولون: «ماذا على هذا من زيادة؟»، فيقول الله جل وعلا لهم: «أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا»، فيحل ربنا جل وعلا عليهم رضوانه، لأنهم من الشاكرين لله سبحانه وتعالى. فمن رضي الله جل وعلا عنه، ومن شكر الله جل وعلا، رضي الله عنه، وحل عليه رضوانه، والرضوان من أعظم النعيم، كما قال جل وعلا: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، رضوان الله عظيم، رضوان الله كبير، ورضوان من الله أكبر يعني أمر عظيم حين يرضى عنك يا عبد الله. فإذا كنت من الشاكرين رضي الله جل وعلا عنك، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾. وفي مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب من عبده إذا أكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها»، يرضى الله جل وعلا عنك يا عبد الله إذا كنت من الحامدين له، من الشاكرين له سبحانه وتعالى. فهذا من أعظم الفضائل، ومن أعظم الثمرات، وأختم هذا المقام بذكر عقوبات كفر النعم، فشكر النعم له هذه الفضائل، وكفران النعم العياذ بالله يترتب عليه العقوبات العظيمة. فكما سمعتم في الآية: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾، كفران نعم سبب للعذاب الشديد والعياذ بالله. وحكى الله جل وعلا عن قارون: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾، حتى إن حملت هذه المفاتيح لتنوء بالعصبة أولي القوة، فكيف بالكنوز إذا كانت هذه المفاتيح على هذا الثقل؟ فكيف بالكنوز؟ لكن ما شكر نعمة الله جل وعلا، نسب النعمة لنفسه، قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾، قال بعضهم للتفسير: أي ورث ذلك كابرا عن كابر، أو أنا محقوق بذلك، أو لعلمي بوجوه المكاسب أعرف الوجوه المكسبة كما يقول بعض الناس اليوم: «أنا أعرف من أين... أي التجارات التي تربح»، فهذه الأموال إنما لخبرته ومعرفته بوجوه المكاسب. وبالتجارات التي منها الربح السريع، هذا غفل عن ذكر الله جل وعلا المنعم سبحانه وتعالى، وهذا قوم سبأ، لقد كان لسبأ في مسكنهم آية: جنتان عن يمين وشمال، ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، آتاهم الله هذا الخير، وما طلب منهم إلا شكره سبحانه وتعالى. قال: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، ذكر بعض المفسرين وهو الإمام قتادة ابن دعامة أبو الخطاب السدوسي رحمه الله تعالى قال: «كانت المرأة من قوم سبأ تدخل البستان وعلى رأسها المكتل -أي الزنبيل- قال: فما تخرج إلا وقد امتلأ من ثمار الناضجة اليانعة من غير أن تتكلف أن تقطف شيئا من ذلك، بمجرد مرورها يمتلئ ذلكم الزنبيل وذلكم المكتل الذي على رأسها». لكن انظروا يا رحمكم الله كيف أن النعم إذا لم تشكر فإنها تزول وتذهب، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَتَيْهِمْ جَنْتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾. وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة، وقدرنا فيها السير، سيروا فيها ليالي وأياما آمنين، إلى آخر الآيات، بعد تلكم الجنان والثمار العظيمة أبدلهم الله عز وجل ببعض أشجار البوادي، ولما كان السدر من أفضلها وأحسنها قال: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾. أيها الإخوة في الله، ربنا تبارك وتعالى لماذا يذكر لنا هذه الأمثلة وهؤلاء الأقوام الذين لما كفروا بنعمة الله أذهب الله عنهم تلك النعم، ولربما حل محلها النقم والعذاب؟ هذا لكي نعتبر يا عباد الله، لكي نتعظ، ولكي لا نغتر إذا أنعم الله علينا بنعم من مال أو سلطان أو قوة أو غير ذلك. وهكذا يقول ربنا تبارك وتعالى مذكرا لنا جميعا معاشر أهل الإيمان وأمة التوحيد والإسلام إلى أهمية شكر النعم وعدم كفرانها، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. قال جمهور المفسرين: هذه القرية هي مكة، آتاها الله عز وجل الأمن والأمان، ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾. وهكذا الآيات كثيرة التي تدل على أن مكة دار أمن وأمان، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾، يتهارج الناس ويتقاتل الناس، فإذا دخل أحدهم الحرم أمن، ومن دخله كان آمنا. وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، الثمار والبضائع وهكذا المنتجات تأتي إلى مكة من الشام وهكذا من اليمن وهكذا من غيرها من البقاع والبلاد، فكانوا أهل ثروة وكانوا أهل غنى. لكن انظروا يا عباد الله بعد أن كفروا بمحمد عليه الصلاة والسلام، وهكذا لم يشكروا الله تبارك وتعالى على ما هم عليه، فأبدلهم الله تبارك وتعالى من بعد الأمن خوفا، يخاف على تجاراتهم، يخاف على قوافلهم وضائعهم إذا خرجت أن لا تعود سالمة، أن يعترضها النبي صلى الله عليه وسلم وهكذا من معه من المؤمنين أو غيرهم. وهكذا ابتلاهم الله عز وجل بعد الشبع وبعد الثراء والغنى، أبدلهم الله عز وجل بالجوع، وهكذا بالعطش، وهكذا بالفقر، فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلها ربنا تبارك وتعالى عليهم سنينا كسني يوسف، سنينا كسني يوسف، قال: «حتى أكلوا الميتة، وأكلوا الجلود، وأكلوا أوراق الشجر»، حتى جاء بعضهم وهو أبو سفيان، فطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله تعالى لقريش، إنها قد هلكت، إنها قد هلكت، فدعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا جاء عن بعض أهل التفسير أن المراد بهذه القرية هي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك عقب مقتل الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، لكن القول الأول أنها مكة، هذا قول الجماهير من المفسرين رحمة الله عليهم. أيها الإخوة في الله، كم هي نعم الله علينا كثيرة وعظيمة، ومن كثرتها وعظمتها لا نستطيع أن نعدها ولا نستطيع أن نحصرها، كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. جاء في حديث عبيد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه والحديث في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين لشيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه وليلته، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها»، هذا حديث عظيم أيها الإخوة في الله. وما أحرجنا إلى تذكره ومذاكرته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم آمنا في سربه»، قال العلماء: يعني في قومه وعشيرته، وقيل في أهله، من أصبح منكم آمنا في سربه، السيارة خارج البيت لا يخاف عليها السرقة، الدراجة كذلك خارج البيت لا يخاف عليها اللصوص. وهكذا بيته يغلقه على نفسه وعلى عياله ولا يخاف من يقتحم عليه، لا يخاف السرقة أن يقتحم هذا البيت، يخرج من بيته إلى المسجد لا يخاف إلا الله تبارك وتعالى، يركب السيارة يذهب إلى العمل، يذهب إلى مزرعته، يفتح محله ومتجره لا يخاف إلا الله تبارك وتعالى. غيرنا يا عباد الله لا يعيش مثل هذه النعم، انظروا إلى تلكم الدول التي تدعي الرقي، التقدم والحضارة، التي هي مجهزة بأجهزة أمنية دقيقة وقوية، وهكذا أحدث الإلكترونيات وغيرها من المجالات التي هي موجودة عندهم، لكن أين الأمن؟ أين الأمان؟ الواحد لا يأمن على نفسه في بيته، لا يأمن على نفسه في متجره، انظروا إلى معدل الجريمة في الدقيقة الواحدة كيف؟ في الساعات الطوال كيف؟ في الساعات الطوال، لربما لا تمر دقيقة واحدة إلا وحصلت جريمة قتل أو حادثة اغتصاب أو سطو على محل تجاري أو على مؤسسة أو شركة أو بنك أو صرافة أو غير ذلك من المجالات والمؤسسات. قتل وقتال، رعب وتدمير، كل ذلك يعيشه أولئك بسبب ماذا؟ بسبب الكفر الذي هم عليه، وانظروا إلى حالنا اليوم، لربما بعض البلاد ليس فيها شرطة، وليس فيها قوات أمن، وإن وجدت فعلى حد قليل وعلى