شرح الوصية الصغرى لابن تيمية 3

الدرس في شرح الوصية الصغرى لابن تيمية 3، ألقاها

الوصية النبوية وتفسيرها للوصية القرآنية

يشرح الوصية النبوية لمعاذ بن جبل كتفسير للوصية القرآنية، مشيرًا إلى حقوق الله وحقوق العباد. يشدد على أهمية عبادة الله وحده والتعامل الحسن مع الناس.

وجوب تقوى الله ومراقبته في السر والعلانية

يشدد على وجوب تقوى الله في جميع الأحوال، سرًا وعلانية، وتحقيق مراقبة الله رب العالمين. يبين أن إصلاح السريرة يؤدي إلى إصلاح العلانية.

أهمية إصلاح الخلوات ومراقبة الله فيها

يؤكد على أهمية إصلاح العمل في الخلوات ومراقبة الله، كأسباب للثبات والقرب من الله. يشير إلى أن ذنوب الخلوات تؤدي إلى الانتكاسات.

التفريغ النصي الكامل

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، نواصل القراءة في كتاب الوصية، الصورة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. والوصية كما مر معنا، مدارها على حديث معاذ: «يا معاذ، اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». توقفنا فيما مضى عند قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ثم إنه صلى الله عليه وسلم وصاه، أي وصى معاذا بهذه الوصية، فعلم أنها جامعة، وهي كذلك لمن عقلها، مع أنها تفسير للوصية القرآنية. أي أن وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «يا معاذ، اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»، هي كالتفصيل لقول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. فلذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: «مع أنها تفسير للوصية القرآنية»، أي بيان للوصية القرآنية. قال: «أما بيان جمعها»، أي في كونها جامعة. قال: «أما بيان جمعها، فلأن العبد عليه حقان: حق لله عز وجل، وحق لعباده». أي أن الله جل وعلا جعل على العبد حقين: جعل على العبد حقين، الأول حق لله جل وعلا. حق لله جل وعلا كما جاء في صحيحين من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وحق العباد على الله؟» قال معاذ: قلت الله ورسوله أعلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا». هذا هو الحق الأعظم، حق الله جل وعلا الذي لأجله خلق الله جل وعلا الجن والإنس. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فهذا هو الحق الأعظم، حق الله رب العالمين جل وعلا، حق الله جل وعلا بأن يعبد وحده جل وعلا، بأن يتقرب إليه وحده بما شرع وحده جل وعلا. هذا حق الله. ثم الحق الذي عليه، أي على ذلك العبد، لا بد أن يخل ببعضه أحيانا. وهذه عادة الإنسان، ولو كان هذا الإنسان من أهل التقوى، ولو كان من أهل الخير، ولو كان من أهل الصلاح، قد يحصل له شيء من النقص، قد يحصل له شيء من الغفلة، قد يحصل له شيء من الزلة. وهذا حاصل كما سمعتم، ولا محالة كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كتب الله على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة». أو كما قال صلى الله عليه وسلم. ثم قال: «فالعين زناها النظر، والأذنان زناها الاستماع...» إلى آخر الحديث. فالحاصل من هذا أن الإنسان معرض للهفوات، معرض للغفلات، معرض للزلات، كما قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم في حق أهل التقوى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فالحاصل أن الزلات قد تصدر ممن عرف بالخير، ولكن أهل الخير يسارعون إلى الله بالتوبة والإنابة والاستغفار والرجوع. وأما غيرهم، ربما يكون حالهم ليس كحال هؤلاء، إما باعتبار نوع المعصية، وإما باعتبار الإصرار عليها، أو باعتبار تأخير التوبة منها. فالحاصل أن الإنسان معرض للهفوات، معرض للخطايا والزلات، ولا محالة. لذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «ثم الحق الذي عليه لا بد أن يخل ببعضه أحيانا، إما بترك مأمور به، أو فعل منهي عنه». أي أن الإنسان ربما يخل أحيانا بفعل مأمور، أي يترك بعض المأمورات التي أمره الله جل وعلا بها مع قدرته عليها واستطاعته لها، هذا ذنب، هذه معصية. أو قد يكون بفعل بعض ما نهى الله جل وعلا أن يجتنبه، وهذا كذلك ذنب، وهذا كذلك معصية. فإذا حصل منه هذا، هل انقطع أمامه الطريق إلى الله، وانسد أمامه كل موصل إلى الله جل وعلا؟ الجواب: لا. قال: «أو فعل منهي عنه»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت». اتق الله أيها العبد حيثما كنت. وهذه كلمة جامعة، وفي قولي «حيثما كنت» تحقيق لحاجته إلى التقوى في السر والعلانية. ومعنى هذا أن قوله صلى الله عليه وسلم «حيثما كنت»، حيثما كما يقول علماء الأصول أنها من ألفاظ العموم وتفيد العموم في الأماكن، وهي كذلك متضمنة لمعنى العموم في الأزمنة. ومعنى هذا أن الإنسان عليه أن يحقق تقوى الله تبارك وتعالى في جميع أحواله، حيث يراه الناس، وحيث لا يراه الناس، في الظاهر وفي الباطن، في العلانية وفي الخفاء. وهذا في الحقيقة هو معنى من معاني المراقبة، هذا في الحقيقة هو معنى من معاني المراقبة لله رب العالمين جل وعلا، وهو مرتبة من مراتب الإحسان، بل هي مرتبة الإحسان التي هي أعلى مراتب هذا الدين. لأن حقيقة الإحسان كما جاء في صحيحي من حديث عمر: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». هذا هو معنى حقيقة «اتق الله حيثما كنت»، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. إن عملت خيرا في الظاهر أو في الخفاء، اعلم أن الله يراك، اعلم أن الله تبارك وتعالى يراك، مطلع عليه. بل يعلم ربك تبارك وتعالى الخفايا، يعلم ربك تبارك وتعالى خواطر، يعلم خواطر النفس ووساوس النفس، وما يريد أن يفعل الإنسان من هموم ومن عزائم يعزم عليها، كل ذلك يعلمه الله جل وعلا. إنه يعلم السر وأخفى، ويعلم ربنا تبارك وتعالى كذلك السر وأخفى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم. يعلم الله جل وعلا كل شيء، مطلع وعالم خبير بما يظهر من العبد من أقوال، من أفعال، من خطرات. والعبد لو عمل بمقتضى هذه الوصية، وكان كذلك في هذا المعنى، أي أنه يتق الله جل وعلا حيثما كان، إذا كان في العلانية أمام الناس كان يراقب الله، إذا انفرد واختلى وكان بعيدا عن أعين الناس، كان في الخلوات عليم بأن الله تبارك وتعالى يراه، وأن الله تبارك وتعالى مطلع عليه، وأن الله تعالى كذلك يعلم ما يصدر منه مما قد يكون خيرا أو شرا، مما يكون خيرا أو شرا. جاء أثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم وأرضاه أنه قال: «ما من عبد يعمل عملا في السر إلا ألبسه الله رداءه في العلانية، إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر». كلام عظيم من هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه. قيل: كان مما يذكره السلف رحمهم الله تعالى فيما يتواصون به بينهم، قال سفيان بن عيينة رضي الله عنه وأرضاه: «أدركت علماءنا يتواصون بهذه الكلمات: من أصلح سريرته أصلح الله له علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس». كلام عظيم ووصايا جليلة من هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى يتواصون بها بعضهم لبعض. العمل بالسر، إصلاح السر، ذكر الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى كما في سير أعلام النبلاء في ترجمة الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة كلاما عجيبا وعظيما، قال: «لقد جالست مالكا، فلم أر أو لم أعرف عليه كثير صيام ولا قيام». يقول: جالسني وخالطني، لم ير منه كثير نوافل صيام أو كثير نوافل قيام. قال: «ومع هذا رفعه الله». قال: «ولعل ذلك بأن له خبيئة، أو قال: بأن له سريرة فيما بينه وبين الله». ذكر كلاما هذا معناه. الإمام مالك رحمه الله، كل إنسان يذكره يشعر بالاحترام والإجلال والمحبة له. هذا لهذا الإمام رحمه الله، مع هذا يقول عبد الله بن المبارك رحمه الله: «لم أره كثير صلاة نوافل»، يعني يصلي لا شك ولا ريب. أن الأئمة رحمهم الله تعالى أهل عبادة، لكن ليس من أهل الأكثرية كذلك في الصيام، ليس من أهل الأكثرية. ولكن يقول: «رفعه الله». لماذا رفعه الله؟ يقول عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: «ولعل ذلك بأن له سريرة فيما بينه وبين الله». عمل سر فيما بينه وبين الله. وهذه حقيقة التقوى، وهذا هو حقيقة العلم. لأن الله تبارك وتعالى وصف العلماء بماذا؟ بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. فهم أهل الخشية، هم أهل التقوى، هم أهل الخوف من الله في السر والعلانية. بل ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. هذا هو أهل التقوى، أهل التقوى تجدهم دائما مع الله، يعاملون الله، لا ينظرون إلى أحد، لا يلتفتون إلى أحد، لا يطلبون شيئا من أحد. لأنهم يعلمون أن الأمر بيد الله، الرافع الخافض، المعز المذل، المغني هو الله رب العالمين جل وعلا وحده لا شريك له. والعباد عباد، أنت تتزين للعباد لماذا؟ هل سينفعونك؟ ما سينفعونك إلا بإذن الله. هل سيضرونك؟ لن يضرونك إلا بإذن الله. إذن الأمر بيد الله جل وعلا. لذا كان من الكلام العظيم للإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو يتكلم رحمه الله تعالى عن العلاج عن الرياء، قال: «وعلاج ذلك أن تعلم أن ثناء العباد وعطاء العباد إنما هو بإذن الله، بأمر الله جل وعلا». فالله جل وعلا هو الذي يعطي في الحقيقة، وهو الذي يمنع في الحقيقة، وهو الذي يعز في الحقيقة، وهو الذي يذل في الحقيقة. وإنما العباد يجعلهم الله جل وعلا أسبابا، ويهيئهم لأمور من ذلك. فالحاصل أن قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «اتق الله حيثما كنت»، فيه هذا المعنى العظيم من معنى مراقبة الله جل وعلا، ومن معنى كذلك إحسان السريرة فيما بين العبد وبين ربه جل وعلا. قيل: ذكر عن بعض الأئمة رحمهم الله تعالى أنه قال: «ذنوب الخلوات أسباب الانتكاسات». ذنوب الخلوات أسباب الانتكاسات. قيل: «وطاعات الخلوات أسباب الثبات». وطاعات الخلوات أسباب الثبات. أي من أسباب الثبات، كما أن من أسباب الانتكاسات وعدم مواصلة السير إلى الله جل وعلا ذنوب الخلوات. كذلك من أعظم الأسباب في السير إلى الله رب العالمين جل وعلا طاعات الخلوات. إذا خليت فيما بينك وبين الله، أحسن العمل، أحسن الأعمال، صلي، صم، في ذكر الله، في دعاء الله، في التضرع لربك جل وعلا، والمسكنة والتعظيم والخوف والإجلال، في كل ما يصدر منك تكون مستشعرا بأن ربك تبارك وتعالى مطلع عليك، مهيمن عليك، معطي لك ما أردت إن صدقته وتقربت إليه، وكذلك حافظ لك ومعين لك ومؤيد لك وناصر لك، إلى غير ذلك من معاني الربوبية الخاصة والمعية الخاصة. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يرزقنا الصدق والإخلاص في الظاهر والباطن، إنه قريب مجيب. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على