شرح الوصية الصغرى لابن تيمية 14

الدرس في شرح الوصية الصغرى لابن تيمية 14، ألقاها

التوكل والثقة بالله كأفضل المكاسب

يتناول شرحًا لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية حول أفضل المكاسب وهي التوكل والثقة بالله. يُفصّل في معاني هذه المفاهيم وعلاقتها بعبودية العبد لربه.

أهمية التوكل في طلب الرزق وعلاقته بالعبادة

يؤكد على أهمية التوكل على الله في طلب الرزق، ويشير إلى أن طلب الرزق يجب أن يكون عبادة يتقرب بها العبد إلى الله، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

الاعتماد على الله وطلب الرزق بعد العبادة

يجب على العبد أن يعتمد على الله في طلب الرزق، وأن يطلب من الله حاجته كلها، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تشير إلى أهمية سؤال الله من فضله بعد أداء العبادة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «الوصية الصغرى»: «وأما أرجح المكاسب فالتوكل على الله والثقة بكفايته وحسن الظن به». وقوله رحمه الله تعالى: «وأما من فوائدها التقسيم، فهو بعد أن ذكر ما ذكر من أفضل الأعمال، انتقل إلى الكلام على أفضل المكاسب وأرجحها، وذكر رحمه الله تعالى أن أفضل المكاسب أولًا الثقة أو التوكل على الله، الذي هو الذي حقيقته اعتماد القلب أو اعتماده أو اعتماده أمره إلى الله تبارك وتعالى مع بذل الأسباب». والتوكل يعتبر من أعظم العبادات وأجلها، وهي من أعظم الدلائل على صدق عبودية العبد لربه تبارك وتعالى. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى ذكر التوكل على الله والثقة بكفايته، أيضًا الثقة بكفايته، الثقة فيها كذلك معنى التفويض وفيها معنى الاعتماد على الله تبارك وتعالى. فقد يقول قائل: فما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «أن الثقة بالله تبارك وتعالى كالعين، والتوكل كسوادها»، فالتوكل أخص وأجل وأعظم. قال: «وحسن الظن به»، وحسن الظن بالله تبارك وتعالى هو السبب الأعظم في توكل العبد على ربه تبارك وتعالى، وعلى ثقته بالله تبارك وتعالى، إذ لو لم يكن العبد محسنًا للظن بربه تبارك وتعالى ومولاه لما توكل عليه ولا وثق به. وإنما يكون التوكل على الله تبارك وتعالى لمن أحسن الظن بالله تبارك وتعالى، فمنزلة حسن الظن بالله تبارك وتعالى تعتبر من أعظم المنازل وأجلها، فبها يحصل التوكل، وبها يحصل كذلك الثقة بالله تبارك وتعالى، بل ما عبد عبد ربه تبارك وتعالى إلا لحسنه الظن بربه جل وعلا، وما تقرب عبد لربه تبارك وتعالى إلا لأنه محسن الظن بربه تبارك وتعالى. فمنزلة حسن الظن من أعظم المنازل وأجلها، لذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ملفتًا النظر إلى أعظم المكاسب بقوله: «التوكل على الله والثقة بكفايته وحسن الظن به»، وكأنه يقول: هذا أو هذه الأمور هي من أعظم المكاسب التي يكتسبها العبد، ويكتسبها كذلك السائر إلى الله تبارك وتعالى، ويكتسبها كذلك طالب الرزق. فطالب الرزق متى ما كان متوكلًا على الله، واثقًا بعطاء الله، محسنا الظن بربه تبارك وتعالى، كلما أعطاه ربه تبارك وتعالى فوق ما يظن، كما جاء في الحديث: «أن الله تبارك وتعالى قال: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي عبدي ما شاء»، فهي منزلة عظيمة، وجواب عظيم، وتنبيه عظيم من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وهذه الطريقة هي طريقة الأئمة رحمهم الله، حتى في أمر الرزق، وفي أمر طالب الرزق ينبهون الناس وينبهون العبادة على أمر أرفع وأعظم، فكأنه يقول: في طلبك للرزق فلتجعل طلبك للرزق عبادة، كيف يكون عبادة؟ بأن تتوكل على الله في طلب الرزق، وأن تثق بالله في طلب الرزق، وأن تحسن الظن بالله في طلب الرزق، أمر عظيم. ففيه أن العالم إذا سئل عن أمر من الأمور ورأى أن غيرها أهم وهي مرتبطة بسؤال، لفت النظر إليها ووجه النظر إليها، وهذا كما سمعتم هو حال الصادقين العاملين، العاملين بعلمهم من الأئمة رحمهم الله. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: «أنت تسأل عن أرجح المكاسب وأجلها وأعظمها، فأولًا توكل على الله، وثق بالله، وأحسن الظن بالله»، ثم ماذا؟ قال: «وذلك أنه ينبغي للمهتم بأمر الرزق أن يلجأ فيه إلى الله ويدعوه». أي: الطالب في أمر الرزق، وأي الأرزاق أفضل وأجل وأعظم قربًا عند الله تبارك وتعالى. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعد أن لفت النظر إلى ما تقدم، قال: «وذلك أنه ينبغي للمهتم بأمر الرزق أن يلجأ فيه إلى الله ويدعوه»، وكأنه يقول: يا أيها السائل مهما كان ذكاؤك ومهما كانت حيلتك وفطنتك، وكذلك تعدد حرفتك، فإنك تحتاج إلى عون من الله تبارك وتعالى وتوفيق، وإلى عطاء من الله تبارك وتعالى وتزديد. وفي الحقيقة هذا فيه لفت النظر إلى البراءة من الحول والقوة من العبد، العبد لا يكون حاله كحال قارون حينما أوتي من الكنوز، فقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾. فإذا لفت العبد إلى ما تحصل عليه من الأرزاق بهذه النظرة، فإنه يكون جاحدًا لنعمة الله تبارك وتعالى ولعطاء الله ولفضل الله، فلذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ينبه على هذا الأمر، يقول: أيها الطالب للرزق أولًا علق قلبك بالله، واعلم أن الرزق من الله، وأن العطاء من الله، وأن التيسير من الله، وأن التوفيق من الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ربط للعباد برب العباد، لا تعتمد على ذكائك ولا على فطنتك ولا على خبرتك ولا على أموالك الكثيرة، أنك تستطيع أن تفعل وتفعل، لا يجب أن تثق بالله وأن تعلم أنك بالله لا بحولك ولا بقوتك، بل أنت بالله، وأنت كذلك لله، بالله تبارك وتعالى يعينك، ولله تبارك وتعالى ينبغي بل يجب أن يكون عملك، أن يكون عملك لله تبارك وتعالى خالصًا. قال رحمه الله تعالى كما قال سبحانه فيما يأثر عنه نبيه، أي: في الحديث القدسي: «قال: كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عال إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم»، فهذا يبين لنا ماذا؟ افتقار العباد إلى الله، وغنى الرب تبارك وتعالى عنهم، فهم فقراء. يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد، فالعبد محتاج إلى الله، محتاج إلى عطاء الله، إلى مدد الله، إلى توفيق الله، إلى رزق الله، إلى رحمة الله، إلى فضل الله، إلى إنعام الله تبارك وتعالى. «كلّكم جائع إلا من أطعمته»، فالله هو الذي يطعم ولا يطعم سبحانه وتعالى. فينبغي لطالب الرزق أن يلتفت إلى هذا الأمر، وأن ينظر في هذا الأمر، وأن يتدبر هذا الأمر، وأن يجعل نصب عينيه هذا الأمر. قال رحمه الله تعالى: «وفيما رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع، فإن لم يسر له لم يتيسر»، وهذا حديث مختلف في صحته، والراجح فيه الضعف، صححه بعض، لا إما كابن حبان وغيره، لكن الراجح فيه الضعف. لذا بعد أن رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، قال: «هذا حديث غريب». وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾. قال: «وهذا وإن كان في الجمعة، فمعناه قائم في جميع الصلوات، ولهذا - والله أعلم - أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يدخل المسجد أن يقول: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج يقول: اللهم إني أسألك من فضلك»، وهذه فائدة جليلة ولطيفة من هذا الإمام رحمه الله تعالى الذي قد عرف بدقة الاستنباط من كتاب الله تبارك وتعالى ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو يقول: بأن هذا الحديث فيه دلالة مناسبة للدلالة المذكورة في قول الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، أي: أن بعد أن يفعل العبد العبادة والقرب، يسأل الله من فضله، يسأل الله تبارك وتعالى من فضله. قال: «وقد قال الخليل: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾»، قال: «وهذا الأمر يقتضي الإيجاب، فالاستعانة بالله واللجوء إليه في أمر الرزق وغيره أصل عظيم». نكتفي بهذا القدر. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على