المحاضرة بعنوان من حِكم الفضيل بن عياض، والتي كانت بمسجد عثمان بن عفان بروكب 10 صفر 1448هـ الموافق 24 يوليو 2026م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
افتتح المحاضر المجلس بالتأكيد على فضيلة الاقتداء بالعلماء الراحلين على الهدى مستشهداً بقول ابن مسعود، ثم سرد قصة توبة الإمام الفضيل بن عياض الذي تحول من قطع الطريق إلى الإمامة في الورع والحديث بعد سماعه آية قرآنية. وبين أن العبرة بالنهايات الصالحة وأن باب التوبة مفتوح لكل مقبل بصدق اقتداءً بنماذج السلف الصالح.
فصل المحاضر في فضيلة الصدق موضحاً أنه يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة، بينما الكذب يهدي إلى الفجور والنار مستدلاً بالحديث النبوي. كما أبرز أهمية تحري الحلال في المأكل والمشرب والكسب محذراً من أكل الحرام الذي يحبط العمل ويمنع إجابة الدعاء، مؤكداً أن القليل من الحلال مبارك فيه خير من الكثير من الحرام.
دعا المحاضر إلى اغتنام يوم الحاضر اليقين وعدم التسويف بالأمل في الغد مع محاسبة النفس على ما فات. ثم عدد أول سببين من أسباب الشقاء وهما قسوة القلب التي تمنع التأثر بالقرآن والمواعظ، وجمود العين عن البكاء خشية الله مستدلاً بآيات قرآنية وأثر السلف الصالح.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، نحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا هذا اللقاء المبارك وهذا المجلس الطيب في هذا الجامع المبارك، جامع عثمان بن عفان من مدينة روكم، في هذه الليلة المباركة بإذن الله، التي نسأل الله جل وعلا خيرها وخير ما فيها، ونعوذ بالله جل وعلا من شرها وشر ما فيها، ليلة العاشر من شهر صفر لعام 1448 للهجرة. في هذا المجلس، كما سمعتم، عنوان هذه المحاضرة: من حكم الفضيل بن عياض رحمه الله. وما أحسن المسلم حين يتعرف على علمائه ومن مضى من أهل العلم والفضل، الذين كانوا قدوة في الخير والبر والعبادة والطاعة والعلم والزهد والورع، حتى يقتدي بهم ويتعلم من أخلاقهم، وكذلك يعرف شيئًا من فضلهم. والله جل وعلا يقول: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "بالعلم واليقين تُنال الإمامة في الدين". هؤلاء الأئمة نالوا هذه المنازل العظيمة وهذه المناقب الشريفة بما كان عندهم من علم ويقين، جمعوا بين العلم والعمل، وبين الإيمان واليقين، فأثمرت أقوالهم وأعمالهم، وصاروا أئمة يُقتدى بهم. والله جل وعلا يقول: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾. ومَنْ كَانَ مُسْتَنًّا كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنْ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ». أي: من كان متبعًا مقتديًا، فلينظر من قد مات على الهدى والتقى والصلاح والخير، فيقتدي به ويستن بسنته، وكذلك يتبع آثاره. أما الحي فلا تؤمن عليه الفتنة، قد يفتن في دينه وينحرف ويضل ويزيغ. فإذا تعلق الأحياء بأمثال هؤلاء، ربما إذا زاغوا زاغوا معهم، وإذا ضلوا ضلوا معهم. إذا كان الإنسان يقتدي بالحي ويجعله قدوة له ويتعلق به ويتبعه في كل ما يأتي منه، فهذا لا تؤمن عليه الفتنة، وهذا واقع. كم من طلبة العلم، فضلًا عن عوام الناس، من ربما يقتدي بفلان ممن يشار إليه بالعلم والفضل، فيتعلق به ويجعله قدوة له، فإذا انحرف ما تدري إلا وقد انحرف معه، وإذا زاغ وإذا به يزيغ معه. لماذا؟ لأن هذا الحي ما تؤمن عليه الفتنة، ما زال معرضًا للفتن، ومعرضًا للضلال، ومعرضًا للزيغ. فلهذا، الذي يريد أن يقتدي بأحد يجعله قدوة له يتبعه ويستفيد من علمه وعمله، فإنه يقتدي بمن قد مات وهو على الهدى والخير والصلاح والاستقامة. فهذه الكلمة العظيمة من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه تدل على فقه عظيم، وعلى علم عميق: «مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنْ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ». ومن هؤلاء الأئمة الذين يقتدى بهم، وكذلك يهتدى بهديهم، ويستأنس بما كانوا عليه من الخير والصلاح والتقى والورع، هذا الإمام الفضيل بن عياض. الإمام الفضيل بن عياض، كما قال الذهبي رحمه الله في السير: "هو الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر، الإمام القدوة، شيخ الإسلام، الثبت، أبو علي، اليربوعي، الخرساني، المجاور للحرم". الفضيل بن عياض، إمام مشهور، صاحب مقالات وحكم عظيمة. رب السامع إذا سمع به يظن أن بدايته ومنذ نشأته وظهوره وهو على العلم والعبادة والطاعة، ولكن العجيب والغريب أنك إذا قرأت في ترجمته ترى خلاف ذلك، ترى وتقرأ خلاف ما تظن. ذكر الإمام الذهبي رحمه الله في ترجمته في "سير أعلام النبلاء"، وهكذا أيضًا الإمام ابن عساكر في "تاريخ دمشق"، وقد أطال في ترجمة هذا الإمام ونقل كثيرًا من أقواله وحكمه. ذكر في ترجمته أنه كان رحمه الله قاطع طريق. الإمام الفضيل بن عياض كان يقطع الطريق على الناس ويأخذ أموالهم. وسبب توبته أنه عشق جارية، فبينما هو يصعد إلى جدران بعض البيوت للوصول إلى هذه الجارية، وإذا به يسمع تاليًا يقرأ قول الله عز وجل: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾. فلما سمع هذه الآية أثرت في قلبه تأثيرًا عظيمًا، فقال: "بلى، قد آن، بلى، قد آن". وخرج فذهب إلى خربة ليبيت فيها، فسمع صوت أناس مسافرين، يقول بعضهم: "نرحل"، ويقول البعض الآخر: "لا، الفضيل في الطريق يقطعنا". فقال: "سبحان الله! أناس في الليل في طاعة وعبادة، وأنا أقطع الطريق ويخافني الناس". فعلي لله أن أتوب، ومن توبتي أن أجاور البيت الحرام. فتاب رحمه الله وجاور البيت الحرام، ولهذا قيل في ترجمته: "المجاور لبيت الله الحرام". ثم أخذ العلم عن جملة من الأئمة. وهذا أمر ليس بغريب، أن الإنسان ربما يكون في أول حياته بعيد عن طاعة الله وبعيد عن الاستقامة والخير والصلاح، ثم يقذف الله عز وجل في قلبه الهداية، فيقبل على طاعة الله، ويقبل على العلم، فيفتح الله جل وعلا عليه، ويجعله قدوة وإمامًا للناس. وليس قطع الطريق وهذه الذنوب بأعظم من الشرك في عبادة الله. وكم من كان من الصحابة رضي الله عنهم قبل إسلامهم قد وقعوا في الشرك، والشرك أعظم، ومع هذا هداهم الله جل وعلا وجعلهم أئمة وقدوة للأمة. والشيء بالشيء يذكر، ممن قصته تشبه قصة الإمام الفضيل بن عياض رحمه الله: الإمام القعنبي، راوي الموطأ عن الإمام مالك. الإمام القعنبي أيضًا كان قاطع طريق، وكان يجالس مدمني الخمر، جالس مدمني الخمر. مرة، وهذا في البصرة في العراق، مر الإمام شعبة بن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، وهو راكب على حماره وخلفه الناس يهرعون من أجل أن يسمعوا منه الحديث. فقام إليه القعنبي، قال: "من هذا؟" قالوا: "هذا محدث، هذا محدث". فقال للإمام شعبة: "حدثني، حدثني". فقال الإمام شعبة بن الحجاج: "ما أنت بأهل الحديث، ما أنت من أهل الحديث حتى أحدثك". فرفع السكين، قال: "إما تحدثني وإما أجرحك، إما تحدثني وإما أجرحك". فقال الإمام شعبة رحمه الله: «حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ رَبِيعِ بْنِ حُرَاشٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ». والحديث في البخاري ومسلم: «إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ». فما كان من القعنبي إلا أنه استحيا، رمى بالسكين، ورجع إلى بيته، فأتى إلى ما عنده من الشراب فأراقه، ثم سأل: "أعلم أهل الأرض؟" فقيل له: "الإمام مالك بن أنس في المدينة". فرحل إلى الإمام مالك ولازمه حتى حفظ موطأ الإمام مالك، ثم رجع إلى البصرة حتى يسمع من الإمام شعبة، وإذا بالإمام شعبة قد مات، فما سمع منه إلا هذا الحديث، ما سمع منه إلا هذا الحديث الذي كان سببًا في توبته، وهو يروى من طريق القعنبي عن منصور عن ربعي بن حراش عن أبي مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ». فأصبح الإمام القعنبي من أئمة الحديث، ومن أهل العبادة والزهد، وهو من أوثق من روى الموطأ عن الإمام مالك، أوثق من روى الموطأ عن الإمام مالك. فانظروا كيف كانت هذه البدايات، والعبرة كما يقال بالنهايات، ليس بالبدايات. البداية قد يكون هناك شيء من الضعف، قد يكون شيء من الغفلة، قد يكون شيء من الكسل والخمول، لكن العبرة بالنهاية: كيف كان الأمر وكيف كانت العاقبة. وهذا يعني يدلنا ويعلمنا على أن الإنسان إذا كان في أول أمره عنده شيء من الذنوب والخطايا والسيئات، أو وقع في شيء من الضلال والانحراف، أو وقع في شيء من الزيغ واتباع الشهوات، ليس معنى هذا أن مستقبله قد انتهى، وأن حياته قد تدمرت، وأنه ليس له سبيل إلى العلو والارتفاع، وإلى نيل درجات أهل الفضل أبدًا. فهؤلاء كما سمعتم كيف كانت بدايتهم وأصبحوا أئمة يقتدى بهم في العلم والعبادة والحديث والطاعة والزهد والورع. فهكذا لا ييأس، لا ييأس المسلم إذا وقع بشيء من ذلك، فباب التوبة مفتوح، والله جل وعلا غفور رحيم. من أقبل إليه بقلب صادق وبتوبة نصوحة، تجاوز الله جل وعلا عنه، وغفر الله جل وعلا عنه ذنوبه، وهو القائل جل وعلا: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾. الإمام الفضيل بن عياض رحمه الله، طبعًا بعد توبته أقبل على العلم، وأخذ العلم عن جماعة من أئمة الحديث، منهم الإمام شعبة، والإمام الأعمش سليمان بن مهران، وهكذا أيضًا يحيى بن يحيى التميمي، وكذلك قتيبة، وجماعة كثر من أئمة الحديث. وروا عنه العلم، وتتلمذ على يديه أئمة، منهم الإمام عبد الله بن المبارك، إمام أهل خراسان، وهكذا سفيان بن عيينة، وهكذا أيضًا عبد الرزاق، وهكذا الإمام الشافعي رحمه الله، وجملة من الأئمة تتلمذ على يدي هذا الإمام. الإمام الفضيل بن عياض كان إمامًا في الورع، كان إمامًا في الورع. يقول تلميذه الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله: «أَعْبَدُ النَّاسِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، وَأَعْلَمُ النَّاسِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَأَوْرَعُ النَّاسِ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، وَأَفْقَهُ النَّاسِ أَبُو حَنِيفَةَ». وفي لفظ وكيع بن الجراح رحمهم الله. وقال كذلك الإمام ابن المبارك رحمه الله: «مَا أَعْلَمُ أَحَدًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَفْضَلَ أَوْ أَوْرَعَ مِنَ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ». ما أعلم أحدًا على وجه الأرض، أي في زمانه، أورع من الفضيل بن عياض. ومن ورعه رحمه الله أنه كان لا يأكل مما يأتيه من الملوك، ما يهدونه من أموال وعطايا، كان لا يقبلها ولا يأكل منها شيئًا، وإنما كان يأكل مما ينفق عليه عبد الله بن المبارك. لأن الإمام المبارك كان يتاجر، يتاجر ويأتي بالبضائع من خراسان ويبيعها في مكة من أجل أن ينفق على طلبة العلم، على العلماء، ومنهم الفضيل بن عياض شيخه، كان ينفق عليه رحمه الله. فكان الفضيل يأكل مما يأتيه من عبد الله بن المبارك رحمه الله، ولا يأكل شيئًا مما يأتيه من الملوك، تورعًا. الإمام الفضيل بن عياض رحمه الله له حكم كثيرة وكلمات مشرقة نافعة. وقد قال الإمام ابن المبارك رحمه الله: «إِنَّ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ صَدَقَ اللَّهَ فَآتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ». إن الفضيل بن عياض صدق الله فآتاه الله الحكمة. يعني: ما عنده من الصدق والإخلاص والرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا، أجرى الله جل وعلا الحكمة على لسانه. وهو يقول نحو ذلك، يقول رحمه الله: «مَنْ صَدَقَ اللَّهَ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ، مَنْ صَدَقَ اللَّهَ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ». من حكم هذا الإمام رحمه الله أنه قال: «مَا تَزَيَّنَ أَحَدٌ بِمِثْلِ الصِّدْقِ وَالْأَكْلِ الْحَلَالِ». فقال له ابنه علي، وعلي بن الفضيل هذا أيضًا من العباد الزهاد العلماء، كان عابدًا زاهدًا محدثًا فاضلًا، وكان مثل أبيه، يعني في الورع وفي العبادة والخشوع، حتى إنه مات بسبب آية، مات بسبب آية سمعها فغشي عليه حتى مات، وهي قول الله عز وجل في سورة الأنعام: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. عند قوله عز وجل: ﴿ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ ﴾، فسقط مغشيًا عليه فمات. قال راوي هذه القصة: "وكنت ممن صلى عليه، وكنت ممن صلى عليه". لما سمع أباه يقول: "وأكل الحلال"، قال: "يا أبتِ، إن الحلال عزيز، إن الحلال عزيز". يعني: قليل، الحلال قليل، يعز وجوده ويقل. فقال رحمه الله: «وَإِنْ قَلِيلَهُ عِنْدَ اللَّهِ كَثِيرٌ، وَإِنْ قَلِيلَهُ عِنْدَ اللَّهِ كَثِيرٌ». هذه الحكمة فيها حث منه رحمه الله إلى ملازمة الصدق، أن الإنسان والمسلم لا يتزين بشيء أفضل من أن يتزين بالصدق، أفضل من أن يزين مظهره بالثياب الجميلة والثياب الحسنة، وينظف جسده ويغتسل ويدهن. أعظم ما يتزين به: صدق الحديث، أن يكون صادقًا في حديثه وفي أقواله وفي ظاهره وباطنه، أن يكون من أهل الصدق. والله جل وعلا يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾. كونوا مع أهل الصدق، منهم متخلقين بأخلاقهم، متصفين بصفاتهم، متحلين بما تحلوا به. فإن الصدق نجاة لصاحبه في الدنيا والآخرة. قال الله جل وعلا: ﴿ وَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾. فالصدق يجمع لصاحبه البر والخير وكل طاعة وعبادة، فهو مفتاح البر لصاحبه. ولهذا الله عز وجل قال في كتابه الكريم: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾. ينظر كيف الصدق يفتح عليك أبواب البر. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ». انظر: الصدق يهدي إلى البر، إلى كل طاعة وإلى كل خير، والبر يوصلك إلى جنة الله وإلى الفوز بنعيم الله سبحانه وتعالى. «وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ». ثم قال في الصدق: «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا». انظر كيف الكذب يهدي إلى الفجور، إلى كل شر، وإلى كل معصية، وإلى كل ذنب، والفجور يهدي إلى النار، يسوق صاحبه ويهديه إلى النار والجحيم، عياذًا بالله. إذن، لزوم الصدق نجاة لصاحبه، نجاة لك في الدنيا ونجاة لك في الآخرة. فأحسن زينة يتزين بها المسلم هو الصدق، هو لزوم الصدق. وكما قال القائل: الصِّدْقُ حُلْوٌ وَهُوَ مُرُّ ** وَالصِّدْقُ لَا يَتْرُكُهُ الْحُرُّ جَوْهَرَةُ الصِّدْقِ لَهَا زِينَةٌ ** الصِّدْقُ حُلْوٌ وَهُوَ مُرُّ ** وَالصِّدْقُ لَا يَتْرُكُهُ الْحُرُّ ** جَوْهَرَةُ الصِّدْقِ لَهَا زِينَةٌ فليتزين المسلم بلزوم الصدق، ويجتنب الكذب، ويحذر من الاتصاف بهذه الصفة الذميمة التي هي من صفات أهل النفاق. المنافقون هم أهل الكذب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ». فالمنافق يكذب ولا يبالي، ما يبالي. إذا جاءك المنافقون قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾، ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ﴾، ﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾. ما يبالون بالكذب، يكذبون على الله، ويكذبون على رسوله، ويكذبون على المؤمنين. فالمؤمن يتحرى الصدق ويلازم الصدق. قال: «بِمِثْلِ الصِّدْقِ وَأَكْلِ الْحَلَالِ». كذلك تحري أكل الحلال والابتعاد عن الحرام، هذا أيضًا مما يتزين به المسلم، وينبغي أن يتحلى به وأن يحرص عليه، أن يكون حريصًا على الأكل الحلال والكسب الطيب، واجتناب الكسب الحرام. والله جل وعلا يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾. فأمرنا الله جل وعلا أن نأكل من الطيبات، والطيبات ما أحله الله سبحانه وتعالى وأحله رسوله عليه الصلاة والسلام. وقال جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ﴾. قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلُونَ». ثم ذكر الآيتين، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه للسماء: "يا رب، يا رب"، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ لطخ نفسه بالحرام في مأكله، في مشربه، في ملبسه، في غذائه، ثم يرفع يديه إلى الله ويسأل الله جل وعلا ويطلب من الله أن يستجيب له. أكل الحلال من الأمور التي ينبغي أن يعتني بها المسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ». كل جسم نبت من سحت فالنار أولى به. هذا الحديث رواه بعض أهل العلم من حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. أبو بكر الصديق كان عنده غلام يأتي له بالخراج، فجاءه مرة بطعام، رواه البخاري، فأكل منه، فقال له: "أتدري من أين هذا الطعام؟" قال: "لا". قال: "كنت تكهنت لرجل في الجاهلية، ولا أحسن الكهانة، لكني خدعته"، يعني: أظهر أنه يحسن الكهانة والسحر، وأعطاه هذا الطعام مكافأة. قال: "فأعطاني هذا الطعام الذي أكلت منه". فما كان من أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلا أن قام، فقاء ما في بطنه، أخرج هذا الطعام الذي في بطنه حتى لا يدخل بطنه شيء من الطعام الحرام، فأخرج وقاء ما في بطنه رضي الله تعالى عنه، وهو راوي هذا الحديث: «كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ». فالمسلم ينتبه لأمر مأكله ومطعمه. بعض المسلمين ربما تجدهم في المحافظة على الصلاوات، ما شاء الله، في الصف الأول، يحافظ على الصلاة، وهذا لا شك أنه خير عظيم. لكن إذا جئت في بيعه وشرائه وفي معاملاته، ما يبالي بالمعاملات المحرمة، ما يبالي في تحري الحلال في الطعام والشراب، ربما يتعامل بمعاملات ربوية، بمعاملات مشبوهة، بمعاملات يعني منهي عنها، ولا يبالي بذلك. وهذا خطأ عظيم، خطأ عظيم. ينبغي أن تتحرى أيها المسلم في طعامك وشرابك، وأن لا يدخل إلى بطنك إلا شيء حلال، ولا تتحصل على شيء من المال إلا ما أحله الله سبحانه وتعالى، حتى وإن كان شيئًا قليلاً. يعني: وإن كان هذا المال شيئًا قليلاً، يجعل الله عز وجل فيه البركة، وهو عند الله كثير، كما قال رحمه الله: «إِنَّ قَلِيلَهُ عِنْدَ اللَّهِ كَثِيرٌ». الله يبارك في هذا المال الطيب، وفي هذا المال الحلال، يجعل جل وعلا فيه بركة، ويجعل فيه خيرًا عظيمًا، خير من المال الكثير الذي لا بركة فيه. يمحق الله الربا ويربي الصدقات. يمحق الله الربا، ربما يدخل الإنسان من المال بالربا المال الكثير، لكن لا بركة فيه، يذهب ويضمحل. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا أَكْثَرَ أَحَدٌ مِنَ الرِّبَا إِلَّا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ». ما أكثر أحد من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة. قلة، يذهب هذا المال، ما يبارك الله عز وجل فيه، يذهب ربما في علاجات، في أمراض، في مصائب، في آفات، يسرق، يحرق، إلى آخر ذلك، ما فيه بركة. لكن المال الحلال، وإن كان قليلاً، تجد فيه بركة، يبارك الله عز وجل فيه. فإذا نستفيد من هذا أن المسلم يحرص على المال الحلال، وإن كان قليلاً، فيجعل الله جل وعلا فيه البركة. ولهذا يقول رحمه الله الخضير بن المعياض: «دَانِقٌ مِنْ حَلَالٍ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً». الدانق: سدس الدرهم، سدس الدرهم، ليس الدرهم كاملًا. يقول: "دانق من حلال أفضل من عبادة سبعين سنة". أفضل من أن تتعبد بالصلاة والصيام وإلى آخره، وأنت تأكل الحرام، وأنت تأكل الحرام، وأنت ما تبالي من أين تدخل المال وتكتسب المال. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مِنْ أَيْنَ أَخَذَ الْمَالَ، أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ». رواه البخاري. ما يبالي، أهم شيء يتكسب المال ويتحصل على المال. هذا حال كثير من الناس اليوم، إلا من رحم الله، إلا من رحم الله. وهكذا أيضًا من حكمه رحمه الله أنه كان يقول: «إِنَّمَا الْأَمْسُ مَثَلٌ، وَالْيَوْمَ عَمَلٌ، وَغَدًا أَمَلٌ». إن الأمس مثل، واليوم عمل، وغدًا أمل. يقول: الأمس مثل، قد مضى الأمس، واليوم الذي قبل يومك. يقول: الأمس مثل، خلاص أصبح يوم قد انتهى، يضرب به المثل، ويعتبر ويتعظ به، ما قد مضى لا يعود. الأمس مثل، واليوم عمل، اليوم الذي أنت فيه هذا هو يوم العمل، الذي ينبغي أن تعمل فيه، وأن تتزود فيه لآخرتك. تستطيع في هذا اليوم أن تعمل، أن تصلي، أن تصوم، تتصدق، تذكر الله، تقرأ القرآن، تستغفر، تتوب، تنيب إلى الله، إلى آخر ذلك من الأعمال الصالحة. اليوم عمل. أمس مثل، واليوم عمل، وغدًا أمل. الغد، اليوم الذي بعد يومك، هذا أمل. الله أعلم هل تدركه أو لا تدركه؟ هل تصبح غدًا أو لا تصبح؟ هو أمل، قد تتحصل عليه وقد لا تتحصل عليه. إذن ما فات لا يدرك، وما سيأتي في المستقبل هو آمال ليست مضمونة وليست يقينية. واليوم الذي أنت فيه هذا هو هو اليقين، الذي ينبغي أن تحرص عليه، والذي ينبغي أن تتزود منه لآخرتك. فكأنه يقول: ينبغي أن تتعظ وتعتبر بما فات، بما فات من الأيام، وتحاسب نفسك عليها، بما مضى، فيما قد انتهى: كيف أنت مع طاعة الله؟ هل أنت محافظ على الفرائض؟ هل أنت محافظ على الواجبات؟ هل أنت مجتنب للمحرمات؟ إن كنت كذلك، فامض على هذا الخير وزد. وإن كنت مقصرًا، وإن كنت مفرطًا، فلتدارك ذلك في يومك الذي أنت فيه. هذا اليوم تستطيع أن تتوب فيما أخطأت فيه بالأمس، تستطيع أن تصلح ما أفسدت فيه بالأمس، تستطيع أن تعمل ما قد تركت بالأمس. فاعمل ما دمت في هذا اليوم، ولا تنتظر إلى يوم غد. ما تقول: "غدًا سأتوب، غدًا سأرجع إلى الله، غدًا سأتزود في الأعمال الصالحة". فغدًا آمال، غدًا أمل، الله أعلم هل تدرك هذا الأمل أو لا تدركه. فاحرص على اليقين الذي أنت فيه، فاحرص على اليقين الذي أنت فيه. هذه الكلمات اليسيرة موعظة في الحقيقة، موعظة يعني عظيمة، أن الإنسان يعتبر ويتعظ بما قد مضى، ولا ينظر ويتسوف فيما سيأتي في المستقبل، ويدرك ويستغل ما هو عليه اليوم فيما قد أدركه من الأيام، فهي أيام عمله التي يستطيع أن يستعتب فيها عما مضى، ويتزود فيها لما يستقبل، يستعتب فيها عما مضى، ويتزود فيها لما يستقبل، ليصلح آخرته، ويستعين بذلك على طاعة الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضًا من حكمه رحمه الله أنه كان يقول: «مِنْ أَسْبَابِ الشَّقَاوَةِ خَمْسٌ: قَسْوَةُ الْقَلْبِ، وَجُمُودُ الْعَيْنِ، وَقِلَّةُ الْحَيَاءِ، وَالْاغْتِرَارُ بِالدُّنْيَا، وَطُولُ الْأَمَلِ». يقول: خمس من أسباب الشقاوة. أولها: قسوة القلب. إذا قسى القلب، فهذا علامة من علامة الشقاء. إذا كان الإنسان قلبه قاسيًا، يعني يجد شيء من القسوة في قلبه، يسمع القرآن، يسمع الآيات، يتلو كتاب الله جل وعلا، ولا يجد تأثرًا في قلبه لكلام الله سبحانه وتعالى. هذه قسوة. الله جل وعلا يقول: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾. ويقول جل وعلا: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾. هكذا وصف الله عز وجل أهل الإيمان بأنهم إذا سمعوا القرآن فإن قلوبهم تتعظ وتعتبر وتتحرك وتتأثر وتخشع لكلام الله سبحانه وتعالى. فإذا كان المسلم يسمع القرآن ويسمع المواعظ ويسمع كذلك الكلمات ولا يتأثر، معنى هذا أن قلبه قد قسى، قلبه أصبح قاسيًا. والله جل وعلا يقول: ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾. فويل، الله يتوعد بالويل لمن قسى قلبه عن ذكر الله: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾. ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾. جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "لم يكن بين نزول هذه الآية وبين أن عاتبنا الله سبحانه وتعالى بعد نزول القرآن إلا قدر أربع سنين، أو كما قال رضي الله عنه". يعني: في فترة يسيرة عتبهم الله سبحانه وتعالى على عدم لين هذه القلوب عند سماع القرآن، وعدم التأثر به. فإذا قساوة القلب هذا من أسباب الشقاء، هذا من أسباب الشقاء. ينبغي أن نتفقد قلوبنا، إذا كانت قلوبنا لا تلين عند سماع القرآن وسماع الحق وسماع المواعظ، ينبغي أن نعالج، أن نعالج هذه القلوب، أن نتفقدها، أن نصلحها، أن نعلق هذه القلوب بالله وبالآخرة حتى تلين، ويذهب ما فيها من قسوة. ومن آثار قسوة القلب: جمود العين. قال: "قسوة القلب وجمود العين". أي: من البكاء. إذا كانت العينان لا تبكيان ولا تتساقط منهما الدموع، هذا من علامات الشقاء، من علامات الشقاء أن القلب يقسو والعينان تجف من الدموع، لا تتساقط الدموع، لا خشية من الله، ولا شوقًا إلى الله. نسأل الله أن يعافينا، أن يعافينا من قسوة القلوب، وأن يلين جل وعلا قلوبنا. فجمود العينين هذا أيضًا من علامات الشقاء. الفضيل بن عياض رحمه الله كان كثير البكاء، وكثير الحزن، لا يكاد تجف عيناه من الدموع، كان لا يكاد أن تجف عيناه من الدموع، لأن قلبه كان حيًا. حتى قال له سفيان بن عيينة رحمه الله: "ما بال الفضيل لا يرق له دمع، أو لا يجف له دمع؟" قال: "إن القلب إذا احترق لانت العينان". فقلبه كان حيًا رحمه الله، فلذلك كان كثير البكاء. إذا سمع القرآن أو قرأ القرآن، سرعان ما يبكي، يبكي وتتساقط دموعه، حتى يرحمه من يكون حوله ومن هو بمجلسه. قلبه حي، معلق بالآخرة، ومعلق بما عند الله سبحانه وتعالى. يقول رجل من أهل الحديث: "قال: إن أهل الحديث يحبون الإسناد العالي". قال: "نعم". قال: "ألا أحدثك بإسناد عالي لا شك فيه؟" قال: "نعم". قال: "هذا الإسناد عن رسول الله، عن جبريل عليه السلام، عن رب العالمين: ﴿ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾". فخر رحمه الله مغشيًا عليه، والرجل الذي تلا عليه هذه الآية، ثم أفاق، وب