التحذير من الفتن الجارية

التحذير من الفتن الجارية

المحاضرة بعنوان التحذير من الفتن الجارية، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر عصر يوم السبت 14 رجب 1447هـ الموافق 3 يناير 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

وجوب الابتعاد عن الفتن وتعظيم حرمة المسلم

ينبغي على المسلمين الابتعاد عن الفتن وعدم التورط فيها، وتعظيم ما حرم الله ورسوله. يُبين أهمية احترام حقوق المسلمين على بعضهم البعض.

تحريم الاعتداء على المسلمين وخطورة الفتن

يُحرم الإسلام الاعتداء على دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم. يُعتبر سفك الدماء أو أخذ الأموال بغير حق أو التعدي على الأعراض من الكبائر.

ضبط اللسان في أوقات الفتن والدعاء للمسلمين

يُنبه على خطورة اللسان في نشر الإشاعات والأراجيف التي تثير الفتن. يدعو الله أن يحمي بلاد المسلمين ويوليهم حمايته.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله، إنه لا يخفى على أي متابع للأحداث الجارية في بلادنا وما كان من هذه التداعيات الخطيرة على مستوى الأفراد والمجتمعات، والذي أحب في خضم هذه المعمعة أن أشير إلى بعض الأمور والكلمات التي ينبغي أن يراعيها أهل الإسلام من المسلمين والمسلمات. أولاً، ينبغي أن نعلم أن ما نحن فيه هو بحق فتنة، فتنة جارية بين المسلمين، اضطربت فيها أنظار الناس، بل وأصبح فيها الحليم حيران. فإذا كانت هذه فتنة بما تحمله الفتنة من معنى، وجب علينا أن ننزل الأحكام الشرعية التي دلت عليها أدلة القرآن والسنة. وإن من أعظم أحكام الشرع في التعامل مع الفتن ما يكون من ضرورة العزلة والابتعاد عنها قدر الإمكان. كما قال عليه الصلاة والسلام: «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به». هذه وصيته عليه الصلاة والسلام يبعد الناس عن أماكن ومواطن الفتن. وقال عليه الصلاة والسلام: «ألا إنها ستكون فتن، ثم إنها ستكون فتن، فمن كانت له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه»، بمعنى أن كل واحد ينشغل بخاصة نفسه، لا يلتفت إلى هذه الدوامات من الفتن والأعاصير من المحن. وقال عليه الصلاة والسلام كما جاء في السنن: «إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن»، كررها ثلاثًا عليه الصلاة والسلام. فهذه الأحاديث والآثار عن نبينا المختار عليه الصلاة والسلام تدل بكل وضوح إلى أن المسلم ينبغي أن يجتنب وأن يبتعد عن هذه المواطن قدر الإمكان. ثانيًا، مما ينبغي على المسلم في مثل هذه الأوقات والأزمان أن يعظم ما عظمه الشرع، ما جاء في السنة والقرآن. فكل ما كان محرمًا يبقى على تحريمه، بل أشد. وإن من أعظم المحرمات التي حرمها الله على أهل الإسلام ما يكون من حقوق بعضهم على بعض. حق المسلم محرم على الدوام، إلا أنه في هذه الأزمان والأيام أشد حرمة. طاف نبينا صلى الله عليه وسلم حول الكعبة فرآها فقال مخاطبًا إياها: «ما أطيبك وأطيب ريحك، وما أعظمك وأعظم حرمتك، فوالذي نفسي بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم حرمة منك». حرمة المؤمن معظمة، معظمة جدًا. وإن حرمة المؤمن تكمن في أمور ثلاث: الدماء، والأموال، والأعراض. جاء ذلك موضحًا في أحاديث كثيرة، كقوله عليه الصلاة والسلام: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه». وقال عليه الصلاة والسلام في خطبة حجة الوداع: «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام، عليكم حرام». فالشاهد أن هذه المحارم الثلاث هي الخطوط العريضة التي ينبغي أن يتوخاها كل مسلم ومسلمة في أي زمان ومكان، وخاصة في مثل هذه الأيام. فالدماء مصانة، دم المسلم محرم، وقد جاءت الأدلة الكثيرة على ذلك. بل قال عليه الصلاة والسلام: «لزوال الدنيا أهول عند الله من قتل رجل مسلم، قتل رجل مسلم واحد هذا أهول عند الله، وهذا يكون أشد وأعظم عند الله أي زوال الدنيا من قتل رجل مسلم». وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا، أنت في خير في عافية إلى أن تبتلى بدم من دماء المسلمين، حينها تتقلص منك الخيرية وتتضاءل عندك نسبة الرحمة». واعلم يا عبد الله أن دم المسلم مصان ولو بأدنى حجم. قال عليه الصلاة والسلام: «من استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم فليفعل». إذا استطعت أن لا تمنع من الجنة بأن تسفك هذا المقدار من دم، فافعل، لأن هذا المقدار من دم كافي أن يحرمك من الجنة. والثاني ما يتعلق بالأموال، فهي كذلك مصانة معظمة. مال المرء المسلم محرم على أخيه المسلم، لا ينبغي بحال أن تتناوله الأياد بالأخذ والسلب والنهب. والأدلة كثيرة على ذلكم. بل أخبر عليه الصلاة والسلام حتى على أدنى مال، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «من اقتطع مال أخيه المسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأدخله النار». قال رجل: يا رسول الله ولو كان شيئًا يسيرًا؟ قال عليه الصلاة والسلام: «ولو كان قضيبًا من أراك». الأمر الثالث يا عبد الله كذلكم من هذه الحقوق الثلاثة الأعراض. انتبه يا عبد الله أن تلوغ في عرض مسلم بغير وجه حق. قال عليه الصلاة والسلام: «أربى الربى الاستطال على عرض أخيك المسلم». هذا من أشد أنواع الربى، إذا كان الربى يعتبر من أعظم الموبقات. قال عليه الصلاة والسلام: «رب كلمة يلقي بها العبد يوم القيامة لا يلقي لها بالا تهوي به في نار جهنم سبعين خريفة». وشراح الحديث منهم من جعل هذه المسألة في الذي يتكلم في عرض المسلمين يتهمهم بما ليس فيهم، فاحذر يا عبد الله من الدماء والأموال والأعراض. النصيحة الثالثة في هذا المقام يا عبد الله، ونحن نشاهد هذه الفتن والمحن التي تتطالم وتتضارب على بلادنا، احرص يا عبد الله على كف اللسان. إذ أن الألسن في هذه الأيام تتحرك بكثرة. صحيح أن من الناس من حرص على أنه يسلم نفسه من الخوض في الدماء والأموال والأعراض، لكن بالمقابل ترك للسانه العنان بنشر الأخبار والإشاعات التي هي في الحقيقة عبارة عن أراجيف. قال عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه: قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال عليه الصلاة والسلام: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، ولتبكي على خطيئتك». هذه النجاة تريد نجاة تنجيك عند الله عز وجل، اشتغل بهذا، ومن أولاها أمسك عليك لسانك. ويدخل في حكم اللسان الأقلام وما نشيده في التواصل الاجتماعي من البلبلة والإشاعات والأراجيف، وهي في الحقيقة تدخل المسلم والمسلمة في دوام من الخوف والهلع والفزع. يا عبد الله لا تظن الأمر مسليًا، فقد جاء في حق من يعذب يوم القيامة وممن رآهم نبينا عليه الصلاة والسلام أنه رأى رجلًا يوضع له الكلاب في عينيه فيشر شرًا إلى قفاه. فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت. اسكت يا عبد الله وسل الله السلامة، وليكن لك دعاء وذكر بأن الله يسلم البلاد والعباد، لأنك تشعل نيران الفتنة بأقوالك وعباراتك ومقالاتك. أخيرًا، إخواني في الله، مما أحب وهو التوجيه الرابع في هذا المقام، على أن المسلم إزاء هذا الباب إن استطاع أن تكون له بصمة في خدمة بلده ووطنه وشعبه فليفعل. وأعني بالبصمة بصمة بيضاء، إذا استطاع أن يجند الإنسان نفسه في أن يدفع هذه الفتن قدر الإمكان، يدفعها يخففها يبعدها فليفعل. سواء كان بلسانه في خطب وفي توجيهات، أو بمقال يكتب ما فيه التهدئة للأمور ويبشر باستقرار الأوضاع بما يكون فيه العقلانية والدعوة إلى الحكمة فليفعل. يدفع ينفع الله به. قال عليه الصلاة والسلام: «المسلم أخو المسلم، يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه». يدفع عن إخوانه. وقال عليه الصلاة والسلام: «من ذب عن عرض أخيه ذب الله عنه النار يوم القيامة». فهذه من حقوق المسلمين على المسلمين أنك إن استطعت أن ينتفع الناس، تمنع الظالم، تمنع الناس أن يقع فيهم فساد في أموالهم. فالمسلم أخ المسلم يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه، نحمي بعضنا بعضًا. فهذه إخواني في الله مساءلة وتوجيهات هي أجعلها من أهم ما ينبغي أن نحرص عليه في مثل هذه الأزمان ونحن نرى طلاطم الفتن التي تعصف ببلادنا في مثل هذه الأوقات. فنسأل المولى جل وعلا أن يسلمنا وإياكم من شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يبعد عنا وعن البلاد والعباد هذه الفتن. ونسأله سبحانه وتعالى أن يولي علينا الأخيار، وأن يصرف عنا الفجار والأشرار، وأنه يكفى عن بلادنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. وأن من أراد بلادنا وسائر بلاد المسلمين بسوء أن الله سبحانه وتعالى يجعل شره في كيده وفي نحره، وأن يكفينا شر خبثه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.