المحاضرة بعنوان تغير الأحوال، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر عصر يوم الجمعة 25 ربيع الآخر 1447هـ الموافق 17 أكتوبر 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث الدرس عن أهمية فهم تغير الأحوال في حياة المسلمين، ويشير إلى أن التغير أمر حتمي بيد الله تعالى. الأسباب قد تكون مادية أو شرعية، مع التأكيد على أهمية الأعمال الصالحة.
الأعمال الصالحة تجلب الخير والبركات وتؤثر إيجابًا على راحة القلب وعلاقات الإنسان، بينما الأعمال السيئة تؤدي إلى قسوة القلب والنفرة من الناس وتفسد العلاقات.
الذنوب والمعاصي تؤدي إلى نفور القلوب وتفسد العلاقات بين الناس وتسبب البغضاء في الأرض، بينما الطاعات والصالحات تجلب المحبة وتقوي العلاقات.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في هذا اللقاء المبارك، وفي هذا المسجد الطيب أهله، نتدارس وإياكن، أخواتي في الله، ومعاشر الحضور، موضوعًا من المواضيع المهمة التي ينبغي أن يراعيها كل مسلم ومسلمة، ألا وهي مسألة تغير الأحوال، إذ إنها من المواضيع المهمة التي يتحدث عنها الناس كثيرًا، على مستوى الراعي والرعية. وإن حديثي عن مسألتي، وموضوعي تغير الأحوال، سأجعله على شكل نقاط، ننتقل به من نقطة إلى أخرى.، وأولى هذه المسائل التي أطرقها في هذا البحث، أولًا، أن نعلم أن مسألة التغير هو أمرٌ حتمي، بمعنى أنه ما من أحد يبقى على حالةٍ واحدة، وإنما الإنسان في هذه الدنيا معرَّضٌ إلى التقلُّب في أحواله، والتغير في أوضاعه. ومن هنا قيل: إن دوام الحال من المحال. وقد أشارت الأحاديث إلى هذه المسألة، منها ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام، كما ثبت من حديث ابن عباس: «اغتنم خمسًا قبل خمس، اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقامك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك». فتأملنا، أخواتي في الله، في هذا الحديث، والذي فيه التنبيه من نبينا عليه الصلاة والسلام، على مدى تغير الأحوال، فالإنسان يتقلب بين صحةٍ ومرض، وبين سعادةٍ وتعاسة، وبين غنى وفقر، وبين سلمٍ وحرب، وهكذا الناس دواليك. بل إن هذا التغير من الأمور التي أقسم عليها ربنا سبحانه وتعالى في كتابه، فقال جل في علاه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَفَقِ وَالْقَمَرِ وَمَا وَسَقَ وَاللَيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾، وقال: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، أي حال من بعد حال. فالإنسان في هذه الدنيا يتغير في الأحوال. وبعد هذه المسألة، وإذا علمنا أن الإنسان لا يدوم بحالةٍ واحدة، تأتي المسألة الثانية، وهي أن هذا التغير هو بيد الله جل في علاه، فهو مغير الأحوال، فهو الذي يجعل الإنسان على حاله دون حال، لأمورٍ يعلمها ربنا عز وجل من خلقه ومن مخلوقاته. قال جل في علاه: «قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». فربنا سبحانه وتعالى يرفع ذا، ويذل ذا، ويعطي ذا، ويمنع ذا، فهو سبحانه هو الذي يتصرف في خلقه، وفي كونه، فالكون كونه، والخلق عبيده، يفعل ما يشاء جل في علاه. وثبت أن من أعظم الذكر الذي ينبغي أن يراعيه المسلم والمسلمة في يومه وليلته، أن يكثر من قوله: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، بل جاء في الحديث الصحيح أنها كنز من كنوز الجنة. أي من قالها فإنه يعطى كنزًا، وما ذاك إلا لعظيم الأجر، وعظيم الذكر. فيترى ما معنى «لا حول ولا قوة إلا بالله»؟ قال ابن رجب رحمه الله تعالى، مفسرًا هذا الحديث، وهذا الذكر: «أي لا تحول للعبد من حال إلى حال، ولا قدرة له على ذلك إلا بالله»، أي لا تحول للإنسان من حاله إلى حاله إلا إذا شاء الله، إلا إذا أذن الله. فسبحان الله، هو المغير للأحوال. وهنا مما أحب أن أنبه عليه في هذا الذكر، أن من الناس من لربما يريد الإختصار، فيذكر هذا الذكر، لكن بذكر مختصر مخل، فنسمع بعض الناس يقول: «لا حول لله»، «لا حول لله»، وهذا لا يجوز، لأنك هاهنا، أيها الذاكر، وأيها المختصر، نفيت التحول، وقدرة الله على أن يحول العباد من حال إلى حال، نفيت هذا عن ربك، وهذا خطأ، بل خطأ فاحش. صحيح أن القائل ما أراد هذا المعنى، لكن اللفظ خطأ، فلا تقول: «لا حول لله»، إن أردت الإختصار، قل: «لا حول إلا بالله»، وإلا أكمل الذكر، أن تقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله». إذن، هذا المبحث الثاني، وهو أن نعلم أن التحول أمر حتمي، ثانيًا، أن التحول يكون بيد الله، تأتي المسألة الثالثة، ألا وهي أن هذا التحول الذي يحدثه ربنا عز وجل في خلقه، وفي عبيده، إنما هو يعود لأسباب حصول هذه الأسباب، يكون منه التحول والتغير، سواء كان هذا التحول إلى الأحسن، أو كان هذا التحول للأسوأ. فعلى كل، التحولات لابد أن الإنسان قد اقترف أو فعل أسبابًا أدت إلى تغير حاله. ولهذا يقول ربنا عز وجل، في بيان ذلكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. فالله عز وجل لا يغير أحوال الناس إلا إذا هم غيروا من أنفسهم، سواء غيروها لأحسن حال، أو غيروها لأسوأ حال، فحينها تتغير الأسباب. والأسباب التي يعطاها العبد قد تكون أسبابًا تؤدي إلى ما هو خير، أو تؤدي إلى ما هو شر. فمثلًا، لأن إنسانًا أراد أن ينعم بالصحة والعافية والسلامة، فإن لهذا الباب أسبابًا، فإن اتخذها تنعم. ومن أراد المرض والأسقام والآفات، فإن لذلك أسبابًا، إن ابتلي بها جاءته الآفة. وهكذا قل في باب الكسب والمال، فمن أراد أن ينعم بمال، وأن ينعم بخير، وأن ينعم بكسب، فلذلك أسبابًا. وأما من أراد قلة المال، وأراد الخسارة، وأراد الفقر، فإن لذلك أسبابًا. وهكذا قس في باب الأمن والأمان، والاستقرار، وهدوء الأوضاع، فلهذا الباب أسبابًا. ومن أراد القلاقل العامة للأفراد والمجتمعات، وأراد إثارة الحروب والنعارات، فلذلك أسبابًا. فالشاهد أن من أراد أن يتغير وضعه إلى حال، بغض النظر عن هذه الأحوال، فإن له أسبابًا. لكن مما أحب أن أنبه عليه بهذا المقام، أن الأسباب المتخذة هي في الحقيقة تنقسم إلى قسمين: إلى أسباب مادية كونية، علمت من حياة الناس، وهناك أسبابًا شرعية، دل عليها الكتاب والسنة. وإن من المؤسف حقًا أن نجد أن الكثير من الناس، إذا أرادوا أن يحققوا تغير الأحوال إلى الأحسن، لربما ما وجدوا إلا الأسباب المادية، فاتكلوا عليها، واعتمدوا عليها. وأنهم إذا أرادوا أن يتعذروا عن الأحوال الفاسدة، لربما أوكلوها، وجعلوا حجتهم الأسباب الكونية. فتجد أن الكثير من الناس إنما يعتمد في حياته على السبب المادي، للأصلح والأسوأ، وهذا خطأ، خطأ فاحش، لأن الله عز وجل قد ذكر لنا أسبابًا شرعية، مبثوثة مذكورة في الكتاب والسنة، وينبغي للإنسان أن يتمسك بها. فلربما كانت صلاح أحوالك، يا عبد الله، إنما تكون بأسباب شرعية. وأيضًا كانت سوء أحوالك يكون بسبب تركك لبعض الأسباب الشرعية. ولهذا، فإن في هذا المقام، وفي محاضرة هذه الليلة، على ما يتيسر به الوقت، سنتحدث عن بعض الأسباب الشرعية، والتي تؤثر تأثرًا عظيمًا في حياتنا، وفي أحوالنا. وهذا السبب المهم، والأهم، وهو السبب الأعظم، هو الأعمال. فما يقوم به العبد من أعمال، هي التي تكون سببًا في تحديد مصيره، وما يكون عليه في هذه الدنيا. فمن كان مثلًا من أهل الطاعات والعبادات، مستقيمًا على دين الله، مقبلًا على الفرائض والواجبات، حريصًا على النوافل والسنن والمستحبات، متمثلًا للأخلاق والآداب، هذا الإنسان، أولًا، لا يظن أن ما يقوم به من عمل، إنما هو فقط في صحيفة أعماله، يجد جزاءه عند ربه، هذا سيكون بإذن الله. لكن على هذا العامل للصالحات، عليه أن يعلم أن هذه الأعمال لربما أثرت في حياته، بأن الله عز وجل أنعم عليه من خير هذه الدنيا، شعر بهذا أو لم يشعر، يغير الله حاله إلى أحسن الأحوال. وهكذا العكس بالعكس، فمن كان في هذه الدنيا على أعمال فاسدة، كان فاجرًا ماجنًا فاسقًا، قاطعًا لرحمه، عاقًا لوالديه، بعيدًا عن ربه، لا يظن كذلك أن جزاءه سيكون يوم القيامة فقط، بأن يكون متوعدًا بالنار، وبئس القرار، لا، بل كان من عذابه، من فعل هذا الفاعل للسيئات والمعاصي والموبقات، أنه سيجد مغبة فعله في هذه الدنيا، بما يضيق الله عليه. وهذه المسألة قد جاءت كثيرًا في كتاب الله جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. فأخبر ربنا عز وجل أن هذا الحكم باطل، وأنهم لا يستويان، كما قال سبحانه: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. فلا يستويان، المؤمن في هذه الدنيا، ولا الفاجر أيضًا في هذه الدنيا، فالمؤمن يجد من الراحة ما لا يجده الفاجر. فهذا، أخواتي، من أعظم ما يكون به الحديث عن أسباب تغير الأحوال. وإن هذا التغير، قبل أن نتطرق إلى مدى تأثيره على الأفراد، نتحدث عن الجماعات، أن هذا التغير يكون على مستوى الجماعات، إذا كان مجتمع ما قد أقبل بكليته إلى ربه، فكثر فيه الخير، وكثر فيهم عمل الصالحات، فالله عز وجل ينعم على هذا المجتمع بالبركات، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. هذا في الدنيا، لو أنهم آمنوا واتقوا، والتقوى من أعظم العبادات، ومن أعظم الشعائر، والقربات، إذا كان المجتمع متقيًا لله، فالله يأذن بأن الأرض والسماء تأتي ببركاتها. وتأمن معي ما أخبر عنه نبينا صلى الله عليه وسلم عن حال آخر الزمان، عندما يضمحل الأشر، فيأتي عيسى عليه السلام، ويقتل الدجال الأكبر، وينهزم من معه من الجيش العرمرم، فيسود الإيمان، وتكثر الأعمال، هنا ما الذي سيتغير في الكون؟ الكون كله سيتغير للأحسن. ولهذا جاء في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طوبى للعيش بعد المسيح، طوبى للعيش بعد المسيح، يؤذن للسماء بالقطر، والأرض بالنبات، حتى لو بذرت حبك على الصفا لنبت»، «طوبى» أي مدح وثناء للعيش بعد المسيح، أي بعد عيسى عليه السلام، أي بعد نزوله. لماذا هذه الخيرية؟ لأن الشر اضمحل، وقلت السيئات، ما الذي يكون؟ قال نبينا: «يؤذن للسماء بالقطر، وتؤذن للأرض بالنبات، حتى لو بذرت حبك على الصفا لنبت»، الصفا هو الصخرة الصماء، صخرة لو جعلت فيها حبة نبات، فإنها تبذر لعظيم البركة، لعظيم الخير. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «حتى يمر الرجل على الأسد فلا يضره، ويطأ على الحية فلا تضره، لا تحاسد ولا تشاحن ولا تباغض»، انتهى كلامه عليه الصلاة والسلام، كل ذلك يزول، ينعم المجتمع والكون بالخير، وذلك إذا عمت الأعمال الصالحة. فالأعمال إذا صدرت من المجتمع، فإن الكون يتغير، وهكذا العكس بالعكس، العكس بالعكس، إذا زاد الفجور والسيئات في المعمورة، وعلى وجه الأرض، فإن هذا يعم أهل الفساد بالشر، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. يعني لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا من الذنوب والمعاصي، ما ترك على ظهرها من دابة. قال ابن مسعود: «ما ترك عليها من حيوانات مما دب ودرج»، أي أن من شؤم الذنوب والمعاصي، فإن الكائنات والحيوانات تهلك. وقد صح عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «كاد الجعل أن يعذب في جحره بسبب ذنوب ابن آدم». وهذا الأثر يحسنه الألباني رحمه الله. وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: «والذي نفسي بيده، إن الحبارى لتموت هزلا في عجيها بسبب ظلم العباد»، بسبب ظلم العباد. فلشؤم الذنوب والمعاصي، أنها تسري على الكون، تسري على الكائنات، والمخلوقات، والحيوانات، بالهلاك، ليس فقط الحيوانات، بل حتى المقدسات، يصيبها ما يصيبها من الضيق، بسبب ذنوب ابن آدم، وبسبب أعمالنا الفاسدة. كما قال عليه الصلاة والسلام: «نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضًا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم». سبحان الله، الحجر الأسود، ومن ذهب منكم إلى حرم الله جل وعلا، وتكحلت عينه برؤية الحجر الأسود، وهو أسود كاسمه، لكن ما كان كذلكم، كان كما قال عليه الصلاة والسلام: «نزل الحجر الأسود أشد بياضًا من اللبن»، ما الذي صار له؟ «فسودته خطايا بني آدم»، الخطايا والذنوب تؤثر. فإذا كانت هذه الذنوب تؤثر على المقدسات، فما ظنكم بالكائنات والحيوانات؟ ومن هنا حق لهذه المخلوقات، وهذه الدواب، والكائنات، أنها تفرح بموت الظلمة، بموت الفجرة، كما جاء في الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «وإن الفاجر لا يستريح منه البلاد والعباد والشجر والدواب». انظروا من يفرح بموت الفاجر؟ المعمورة تفرح، إن العبد الفاجر ليستريح منه الشجر والدواب، إن العبد الفاجر ليستريح منه البلاد والعباد والشجر والدواب، لماذا؟ هذه الكائنات تفرح بموت الفاجر، لأن هذا الفاجر كان شؤم وجوده على هذه الأرض، بسببه نالت، وأصيبت بالقحط والجدب والجفاف والجوع والضمأ. فلما يموت الفاجر، تفرح الدواب، وتفرح الأجار، وتفرح النباتات، يا سبحان الله. فشاهد من حديث هذا، أخواتي في الله، أن نعلم أن الأعمال هي من أعظم أسباب تغير الأحوال، بل أحوال الكون تتغير، إما للأحسن، وإما للأسوأ. هنا ننتقل في مبحث تغير الأحوال إلى مدى تغير، أو سبب، أو سبب الأحوال، أو سبب تغير الأحوال، بسبب أعمالنا نحن، فنحن بسبب أعمالنا التي نقدم عليها، هي ستؤثر فينا، وتأثيرها كما سمعنا، سلبًا أو إيجابًا. سأذكر في هذا المقام بعض النماذج، حتى نعلم هذه الحقيقة، والتي غفل عنها الكثير من الناس. من هذه النماذج، أن نتحدث عن قلوبنا، وعن نفوسنا، وكيف أنها تتأثر بأعمالنا، على وفق ما جاء من أدلة الكتاب والسنة. فإن الواحد منا، متى ما أقبل على الله بالطاعات والعبادات، وعمر هذه الدنيا بالخيرات والحسنات، فإن هذا يعود على قلبه بالطمأنينة، والسكينة، والهدوء، والراحة، ويجد في قلبه من الثبات ما لا يجده غيره. لربما كان هذا القلب تتوالى عليه الفتن والمحن، ومع ذلك يبقى كما هو، رابط الجأش، لا يهتز، ولربما تتوالى عليه الشبهات والشهوات، ومع ذلك لا يتأثر، وذلك لقوة قلبه، وقلبه من أين جاءت قوته؟ جاءت من أعمالك الذي أنت غذيته بها. قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، ومن يؤمن بالله، والإيمان بالله يكون بالأعمال الصالحة، بالاعتقاد، والأقوال، والأفعال، فانظر إلى ثمرة الإيمان، والأعمال. ومن يؤمن بالله يهد قلبه، تأتي هداية القلوب من الطمأنينة، والسكينة، والرسوخ، والثبات، لهذا قال إمام السعدي رحمه الله تعالى: «أهل الإيمان هم من أهد الناس قلوبًا»، أهل الإيمان هم من أهد الناس قلوبًا، يكون في ثبات ما يكون عند غيرهم. وهكذا ذكر العلماء عند قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، قال الإمام القاسمي رحمه الله تعالى، في تفسيره: «والحياة الطيبة عندي»، قال: «هو ما يجده المسلم من ثلج الصدر، وراحة النفس، وحلاوة الإيمان»، هذه الحياة الطيبة. لكن من تكون؟ قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، وعد ربنا جل وعلا أن من عمل الصالحات، فالله سبحانه وتعالى سيهيئ له الحياة الطيبة، في الدنيا، وفي الآخرة. وفي الحياة الدنيا، كما أشرنا، ما يجده من ثلج الصدر، وراحة النفس، وحلاوة الإيمان، وهذا يجده الواحد منا، ولكن على قدر أعمالك، يا عبد الله، وعلى قدر أعمالك، يا أمة الله. ويقول بعض الناس: «إنا في نعمة، أو في راحة، لو يعلم بها الملوك، وأبناء الملوك، لجالدونا عليها بالسيوف»، أي نحن في راحة عظيمة، هم فقراء، هم مساكين، لكن يذكرون راحة القلب، وراحة النفس، والصدر. نحن في نعمة، أو في راحة، لو يعلم بها الملوك، وأبناء الملوك، لجالدونا عليها بالسيوف. والعكس بالعكس، من كان مقبلًا على المنكرات، وعلى المعاصي، والذنوب، والسيئات، فإن هذا سيؤثر سلبًا على قلبه، فيجد أن قلبه خاوي، قلبه ضعيف، تعتريه الشبهات، والشهوات، يشتد ظلمة، فيشتد قسوة، وعنادًا، وردًا للحق، فلا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا. قال: «لربما تتوالى عليه مواعظ الله، ومع ذلك لا تؤثر فيه، قيد أنمله، لشدة الظلمة، وقسوة القلب». من أين جاءت هذه الظلمة؟ جاءت تأنيبًا إلى ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أذنب العبد ذنبًا، نكتت فيه نكتة سوداء، فإذا عاد، زادت في هذه النكت، والنقط السوداء»، حتى تعظم في قلبه، ثم قال: «ثم يكون الران»، ثم تلقوا لله، «كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون»، هذا هو الران الذي يجعله الله في قلوب الأنام، سببه بما يكون من الذنوب، ومن الأعمال التي قامها صاحبها، فأثرت على قلبه، فأصيب بهذه الرعونة، وبهذه الشدة. ويؤيد هذا المعنى أيضًا ما جاء في قوله سبحانه وتعالى، عندما ذكر ربنا سبحانه وتعالى من يبعثهم يوم القيامة أعمى، قال جل في علاه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. تأملوا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: «المعيشة الضنك هي في الحياة الدنيا»، قال: «فلا راحة له، ولا انشراحة لصدره، فهو وإن تنعم ظاهره، فهو إن تنعم ظاهره، أكل ما شاء، وسكن ما شاء، ولبس ما شاء، فلا راحة له»، أو كما قال رحمه الله. هذا حال من أعرض عن ذكري، فإن له معيشة ضنكًا، قال: «لا راحة له، ولا طمأنينة له». وهذا رأينا، وسمعنا عن حال الغرب، الذي للأسف أن نجد بعض المسلمين من يغتر بحضارة الغرب، فيفتخر بهم، ويحسدهم على الراحة التي هم فيها. أي راحة يا عبد الله؟ لا تغتر بظاهرهم، نعم تجد أن الله أعطاهم من زينة الدنيا، أعطاهم من الأموال، ومن هذه التطورات، فأكلوا ما شاء، ولبسوا ما شاء، وتنعموا بما شاء، لكن سل يا عبد الله عن حالاتهم النفسية؟ أتدري أن أهل الغرب من أكثر الأمراض انتشارًا عندهم، الأمراض النفسية، والعصبية، حتى لا يكاد أحد منهم ينام إلا بمهدئ، ما يكاد أحد منهم ينام إلا بمثل هذه المهدئات، لكثرة القلق، وزعزعة النفس، وما تأتيهم من الكوابيس، والاضطرابات النفسية. بخلاف المؤمن، سبحان الله، المؤمن مع ما يرى من الفتن، والمحن، وقلة المعيشة، والفقر، وهو بعد ذلك ينام قرير العين، لأن قلبه مفعم بالإيمان، مفعم بالإيمان. فالشاهد أن الإنسان، متى ما أعرض عن دين ربه، وأعرض عن الأعمال، فالله عز وجل حرمه من الراحة النفسية، وراحة قلبه. نموذج ثاني أذكره في هذا المقام، في بياني مدى تأثير الأعمال علينا، وذلك بما أذكرهم من تأثير الأعمال في تعاملنا مع غيرنا. لا تظنون أن الأعمال إنما فقط تغير فينا، لا، بل إن الأعمال التي نؤديها تغير في طبيعة حالنا مع غيرنا، طبعًا سلبًا وإيجابًا. فمن كان من عباد الله الصالحين، وكان تقيًا زكيًا، مقبلًا على الله، مخبتًا لله جل في علاه، فإنه يجد هذا السبب أن الله به يغير حاله عند غيره من الناس، فيجد صاحبنا أن الله عز وجل قد جعل له عند قلوب الخلق من الاحترام، ومن الإجلال، ومن التقدير، ومن الإعظام. ويدل على ذلك ما جاء في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل، وقال له: إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء»، قال رسول الله: «ثم يوضع له القبول في الأرض»، يوضع له القبول في الأرض، ما معنى القبول؟ قال إمام النووي رحمه الله تعالى، شارحًا هذه الكلمة: «أي تميل له القلوب، وترضى عنه»، تميل له القلوب، تجد أن قلوب الناس تميل إليه، مع أن هذا ليس بصاحب سياسة، ولا رياسة، ولا صاحب منصب، ولا زعامة، بل ليس من أهل شهرة، حسبه أنهم صلى، واتقى الله، لكن الله عز وجل جعل له القبول عند الناس. فمن رأى أحبه، ومن جلس به تعلق به، تعلق القلوب لصلاح هذا الرجل، التعلق الشرعي. وأيضًا يؤيد هذا المعنى ما جاء في قول ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه، في تفسير هذه الكلمة: «ودًا»، قال: «أي يحبهم الله، ويحببهم للناس»، من هؤلاء الذين آمنوا، وعملوا الصالحات؟ الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، سيجعل لهم الرحمن ودا، أي مودة في قلوب الناس. إذن الأعمال سبب في أننا نتحصل على تعظيم غيرنا لنا، لكن بالأعمال الصالحة. وإذا ناظرنا إلى العكس، كذلكم العكس بالعكس، فإن من كان فاجرًا ماجنًا سكيرًا عربيدًا، معرضًا عن ربه، متهاونًا في أمر الصلاة، وفي فرائض الإسلام، فالله عز وجل يجعل لدى قلوب الخلق من النفرة، والبعد عن هذا الإنسان. لو للمصالح الشخصية، والمنافع الدنيوية، لربما ما جلسوا، ولا مكثوا عنده. ويؤيد هذا المعنى ما جاء أيضًا في صحيح مسلم، في حديث أبي هريرة السابق: «وإن الله إذا أبغض فلانًا نادى جبريل: إني أبغض فلانًا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض»، بغضاء في الأرض، تجد أن الناس ما يحبون جلوس معه، ولا النظر إليه، ولا أنهم يسامرونه، ولا أن يعاشرونه. لو لك ما قلنا المصالح، وإلا لنفر عنه الخلق، والأنام، لأن الله جعل في قلوب الخلق بعدًا عنه. وقد ذكر بعض السلف، مبينًا هذه القاعدة، قال: «إني لأذنب الذنب، فأجد أثر ذلك على دابتي، وحدادي»، إني لأذنب الذنب، أفعل معصية، لا أحد يدري بها، قال: «فأجد أثر ذلك على خلق دابتي، وأهلي»، تجد حتى الدابة، الحمار، أو الحصان، إذا ركب عليه، يجد أنه يشاكسه، أو أن أهله، وخادمه، إذا طلب منهم طلبًا، لربما عاندوه، وعارضوه. حينها يعلم أن هذه المشاكسة من أقرب الناس إليه، إنما كانت بسبب ذنب، وعمل مخزي، قام به. لأن المعاصي تؤدي إلى نفور القلوب عنك. ويؤيد هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد في مسنده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما تواد اثنان، ثم فرق بينهما إلا بذنب يصيبه أحدهما»، ما تواد اثنان، أخوان، زميلان، صاحبان، أو جارتان، أو صاحبتان، وزميلتان، هم اثنان، تواد، ثم فرق بينهما، حصلت بينهم نفرة، وفرق. قال: «ففرق بينهما إلا بذنب يصيبه أحدهما»، أي هناك ذنب، إما حصل من هذا الطرف، أو حصل من الطرف الثاني. فهذا الشاهد في بيان على أن من شؤم الأعمال، أن تفسد الأحوال التي بيننا، وبين خلق الله. وقد قال الإمام المزني رحمه الله تعالى: «قال: إذا رأيت جفاء من إخوانك، فتب إلى الله، فإنك قد اخترفت ذنبًا»، قال: «إذا رأيت من إخوانك جفاء، أصبحت يومًا من الأيام، ورأيت هذا ينفر عنك، وهذا يزعل منك، وهذا يغضب عليك، فتفاجأت من هذه السلوك الغير مبررة»، قال: «إذا رأيت من إخوانك جفاء، فتب إلى الله»، أحد التوبة، لماذا؟ «فإنك قد أصبت ذنبًا»، إذ أن هذا النفور ما حصل إلا بسبب أمر فاسد، قد فعلته فيما بينك، وبين ربك. ومن هذا الباب، أستغل في هذا المجلس المبارك، أني أبين ما يقع في كثير من الزواجات التي تقع في مجتمعاتنا، والتي للأسف ملئت بالمنكرات، ملئت بالمنكرات، مما لا يجيزه شرع الله عز وجل، بما يكون من الاختلاط، من دخول الرجال على النساء، وما يكون من التفسخ، والعري، وبما يكون من التصوير، أن تتصور المرأة بكامل زينتها، أو تتصور مع صاحباتها، لربما بتصوير الفيديو، أو بما يكون من حفلات الرقص، والديسكو، إلى آخر ذلك من المنكرات. كم كنا نحذر من هذا؟ لأن هذه المعاصي من شؤمها، أنها تفرق، أنها تفرق، فأعظم من تفرق بينهما، أن تفرق بين الأزواج. وأذكر فيما أذكر، عن نفسي، أن رجلًا أعرفه أقام عرسًا، أقام عرسًا لزواجه، فما خلا، ولا بقى، كما يقال، من آلات الطرب، واللهو، إلا وفعله، بحجة أنها كما يقال: «ليلة العمر»، فتساهل في هذا الباب، وفعل المنكرات، إلى الفجر، أزعج الناس، وقبل ذلك أغضب ربه. ثم بعد ذلك، ما الذي حصل؟ ما هي إلا مدة يسيرة، حتى حصلت نفرة بينه، وبين أهله، فذهبت إلى بيت أهلها، وتركها برها من الزمن، وما هي إلا مدة، حتى جاء الطلاق، لم تحصل البركة، لم تحصل البركة، بل حصلت النفرة بين الأزواج. فالشاهد، أخواتي في الله، ولا أوطيل عليكم في هذا المقام، وإن هذا المقام لا يطول، ويطول جدًا، في بياني على أن الأعمال من أعظم الأسباب في تغير الأحوال، من عمل صالحًا، وجد فضل ذلك، لا أقول يوم القيامة، بل وجد ذلك في نفسه، وجد ذلك في قلبه، وجد ذلك في رزقه، وجد ذلك في أمنه، وأمانه، وجد ذلك في ذهاب همه، وغمه، وجد ذلك في حياته كلها، على أحسن حال. ومن كان بعيدًا عن ربه، بالمفسدات، بفعل السيئات، والذنوب، والمحرمات، فإن كان ذلك إشارة إلى فساد أحواله، في نفسه، ومع غيره، وفي مكسبه، وفي منصبه، وفي قلبه، وفي تغيرات حياته. فالله الله، عباد الله، وإماء الله، بأن الواحد منا يقبل على الأعمال، قدر الإمكان، فإن الله عز وجل قد قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا