الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تحذير الإمام من علم الكلام وتأثيراته على العقيدة، مستشهدًا بكلام الغزالي وتلميذه. يُظهر أن الغزالي تأثر بعلم الكلام وندم عليه في آخر عمره.
ينتقد كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي ويشير إلى أن الإمام النووي لم يكن على دراية بمذهب السلف في الصفات، حيث تأول الصفات على طريقة الأشعري.
يُبين أن مذهب السلف هو إثبات صفات الله المعاني واتباع ما جاء في الكتاب والسنة، ويعتبر أن منهج التفويض والتأويل خاطئ.
صفات الله تؤخذ من الكتاب والسنة وتفسر بلغة العرب، وأهل السنة يثبتون أسماء الله وصفاته كما وردت.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله تعالى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام رحمه الله تعالى في مقدمة المجموع: قال رحمه الله في باب إحسان العلم: قال وقد صنف الغزالي رحمه الله في آخر أمره كتابه المشهور الذي سماه «جامع العوام عن علم الكلام»، وذكر أن الناس كلهم عوامهم في هذا الفن من الفقهاء وغيرهم إلا الشاذ النادر الذي لا تكاد العصارة تسمح بواحد منهم، الله أعلم. وليس هذا من قبل أنه ذكرنا تعلم علم المنطق ليس منطبقًا، بل الذي يتعلمه جاهدًا غالبًا ما يصرفه عن شرع الله جل وعلا، إلا من كان تعلمه بمجرد أن يرد على البدع أو يعرف كلام أهل الإسلام وما فعلوه. قال رحمه الله: ولو تشككت -والعياذ بالله- في شيء من وصول العقائد ما لا بد من اعتقاده، ولم يزل شكه إلا بتعليم دليل من أدلة المتكلمين، وجب تعلم ذلك بإزالة الشك وتحصيل ذلك الأصل، ولأولى بعمل التعلم لأنه ليس أدلة صحيحة وأدلة أيضًا تدل على العقائد الصحيحة، وإنما تشكك العقائد الصحيحة. وكلام الغزالي الآن يريد أن يبين أنه قد تلاعب به كما قال أبو بكر بن العربي صاحب كتاب «الأحكام»، وهو تلميذ الغزالي، قال: شيخنا أبو حامد ابتلع علم الكلام فأراد أن يتقيأه فلم يستطع. قال: ابتلع علم الكلام، دخل فيه وغاص، فأراد أن يتقيأه، أن يخرجه من جوفه فلم يستطع. ويقال إنه في آخر عمره تندم على ما كان منه من الدخول في هذا العلم الكلام، وقال: وكان يقول ليتني أموت موت العجائز. ويقال إنه مات والقرآن في صدره، كأنه لو اكتفى بكتاب الله أفضل له من أن يغوص في هذا العلم. وما ألفه في الرد على بعض الكلام لا يلزم أنه ليس منهم، بل هو منهم. وقد أدخل أشياء كثيرة على مذهب الأشعري بسبب هذا العلم الكلام. بل إن الغزالي على الطريقة الباطنية بمذهب الأشعري، لأن طريقة الأشعري على طريقته طريقة العقلانيين، وطريقة الباطنية الصوفية طريقة العقلانيين. وكان يتزعمها الغزالي وهو أشعري، وكتابه «إحياء علوم الدين» هو كما سماه بعض علماء المغرب «إماتة علوم الدين». صحيح أنه ذكر أشياء طيبة، لكن أهم المهمات لم يذكرها، لم يذكر العقيدة، ولم يذكر الجهاد. وكذلك ذكر أمورًا من السلوك الذي لا يجوز أن يتعبد به عز وجل عبد المسلم، بل ذكر أشياء كفرية وقصص لا يجوز أن تكتب فضلًا أن تقال، مثل ما ذكر في قصة أبي تراب لما قال له الرجل: إني رأيت الله في المنام، فقال: لو رأيت أبي يجيد المسطاني لأغنى عنك أن ترى الله. فهذا مثل هذا الكلام العظيم لا يأتي مثل هذا الكتاب الذي سماه «إحياء علوم الدين». لهذا أفتى جماعة من علماء المغرب أنه يحرق، وأنه كتاب ضلالة، وهذا حق. لأنه أدخل علومًا باطنية في علوم الفكر، أدخل علومًا باطنية وعلوم أهل السلوك والتصوف في هذا الكتاب. فرع: اختلف في آيات الصفات وأخبارها هل نقف فيها بالتأويل أم لا؟ وقال قوم: نتأول على ما يريد بها. وهذا أشهر أقوال المتكلمين. والإمام النووي مع كثرة اطلاعه إلا أنه لا يعرف إلا ما شاء الله. قلت: إنه لا يعرف مذهب السلف في الصفات. انتشرت رسالة ذكر بعض العلماء أنها للإمام النووي، وفيها التراجع، تراجعه عن ما كان عليه من تأويل الصفات، والله أعلم. لكن بعضهم شكك في ثبوتها إلى الإمام النووي. وأما كتبه الأخرى كشرح صحيح مسلم، وكذلك ما ألفه في بعض الكتب أو ما ذكره في بعض كتب كالمجموع وغيره، وهو على طريقة الأشعري في تأويل الصفات. ويذكر أن السلف على مذهبه، مذهب التأويل ومذهب التفويض. وهذا ليس بصحيح. بل لو تأمل كتاب التوحيد للإمام البخاري لعلم مذهب السلف، وأنهم يثبتون الصفات المعاني، يثبتون معاني الصفات، ليس فقط يفوضون المعنى، بل يثبتون المعنى. قد ذكر الإمام البخاري الاستواء على العرش العظيم، وعنده أنهم كانوا يثبتون هذه الصفة. ألف الإمام البخاري كتاب «أفعال العباد»، وذكر أشياء كثيرة في إثبات الصفات عن السلف. فهذا الكلام الذي ذكره هنا بتقسيم الناس أو تقسيم مذهب السلف إلى مذهبين: مذهب التأويل ومذهب التفويض، فهذا ليس صحيحًا. أولًا: أن السلف لم يكن يعرفون هذا التأويل، لكن هنا أشار إلى أنه من مذاهب المتكلمين. وقال بعد ذلك: ولا نعلم حقيقة معنى ذلك والمراد به. أنه ذكر: نؤمن بأنه محمد على الأمر استوى، ولا نعلم حقيقة معنى ذلك والمراد به. أما حقيقة الأمر لا أحد يعلم كنه الله عز وجل، سبحانه وتعالى. فأما معاني هذه الصفات فهي معروفة، استوى: ذكر المخارج عن أبي العالية أنه قال: على العرش استوى، وذكر عن غيره أيضًا أنه قال: ارتفع. فهي معروفة في لغة العرب. فأما أنه قال: لا نعلم حقيقة معنى ذلك، لو قال حقيقة الصفة لكان صحيحًا، مع أننا نعتقد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه متزهد على قلوب سمات الحدود. وهذه طريقة هؤلاء الخوف. أيضًا أراد أن يفرق بين التنزيه والتشبيه، وقعوا في ما يسمونه التنزيه، وهو تحريف كتاب الله وتحريف أيضًا لما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وهذه طريقة السلف، لما هي؟ وهي أسلم. وهذا أيضًا من خطر الذي توارد عليه مشاعر أنهم يقولون: إن مذهب السلف أسلم، ومذهب السلف ومذهب الخلف أعلم وأحكم. وهذا باطل، لأن مذهب السلف هو الحق. لكن نسبة التفويض للسلف ليس صحيحًا، بل كان السلف يجريها على ظاهرها، على مجراها ومعانيها. قال: إلا إذا طُلب من الإنسان الخوض في ذلك، فإذا اعتقد التنزيه لا حاجة إلى الخوض في ذلك. وخلاصة القول: إن هذه المسألة أخطأ فيها الإمام النووي رحمه الله، وفسر مذهب السلف للصفات بغير ما كان عليه السلف، وهو إثبات الصفات، ومتابعة ما جاء عن الله جل وعلا، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم. فمذهب السلف هو المذهب العظيم الذي يجب على المقتدي أن يتبعه. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فلهذا إن المسألة المؤمن يكون متبعًا لسلف الأمة، وأعظم الأشياء التي يتبع فيها العقائد. وكان السلف رحمه الله يثبتون معاني الصفات. وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله نصوصًا كثيرة عن السلف أنهم يثبتون الصفات. بل إن الإمام الذهبي رحمه الله ألف كتابًا في العلو للعليم الخالق في مسألة العلو فقط، ذكر أن جماعة كثيرون من السلف يثبتون صفة العلو لله عز وجل التي تنزه عنها المعطلة، ولم يثبتوها. فلهذا طريقة السلف رحمه الله هي إثبات المعاني، أي معاني الصفات، مع تفويض الكيفية. فهل السنة أم الدليل الذين يقولون: هل نؤمن أن الله لم ينزل كتابًا، أو يقولون: إن الله أن نؤمن بأن الله عز وجل لم ينزل في كتابه إلا ما كان حقًا، وما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما كان حقًا؟ فلهذا كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾، ﴿قُلْ أَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾. فربنا جل وعلا أعلم بنفسه، هو الذي أخبر عن نفسه، وأخبر عنه رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام بصفاته، وبما جاء عنه أي عن ربه جل وعلا. فصفات الله عز وجل إنما تأخذ من كتاب الله وتأخذ من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما دلت عليه من معانيها في لغة العرب. وهذا هو الأصل، فإن الله عز وجل أنزل هذا الكتاب قرآنًا عربيًا. فبهذا يفسر بلغة العرب، إلا إن كان ظاهره لا يستطيع أن يحمل على الظاهر، فهناك قرينة تدل على غير ذلك. وهذا كلام يقول: لكن أهل السنة والجماعة يثبتون أسماء الله وصفاته كما أثبتها الله عز وجل بنفسه، وأثبتها له رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام. فنكتب بإذن الله تعالى ترجمة نانسي قونقر.